سوريا من الثورة إلى إدارة الخراب

لم تُهزَم ثورة السوريين عسكرياً؛ فهذه واحدة من أكثر السرديات تبسيطاً وخداعاً؛ لأن الذي حدث أعمق من هزيمة ميدانية، وأخطر من خسارة جغرافيا. لقد جرى تفكيك الفكرة نفسها، فالثورات لا تُهزم حين تخسر مدينة، بل حين تفقد معناها الأخلاقي، وحين تُنتزع منها روحها الأولى. وهذا تحديداً ما جرى في سوريا.
في البدايات، لم يكن السوريون يحملون مشروعاً طائفياً، ولا أيديولوجياً مغلقاً. كان المشهد أبسط وأكثر نقاءً: شعب ينشد الحرية، يريد أن يعيش بكرامة. ولهذا، كانت الثورة خطراً حقيقياً على بنية الاستبداد؛ ليس لأنها مسلحة، بل لأنها كسرت الخوف؛ فالأنظمة الاستبدادية تستطيع مواجهة السلاح، لكنها تخاف من الإنسان الحر.
ولهذا، كان المطلوب سحق الفكرة قبل إسقاط الجغرافيا. ومن هنا، بدأ العمل المنظم على تشويه الثورة؛ فاحتاج النظام إلى تحويلها من: ثورة حرية، إلى "تهديد إرهابي" وكان يحتاج إلى شاهد؛ وهنا ظهر الجولاني. و لم يكن ظهوره حدثاً عابراً، بل لحظة مفصلية في إعادة تعريف الصراع السوري كله؛ ففي اللحظة التي ظهر فيها ملثماً، مع تيسير علوّني وأحمد منصور في "الجزيرة" معلناً انتماءه لتنظيم القاعدة، بدأت الثورة تخسر معركتها الأخطر: معركة صورتها أمام العالم. لقد قدّم للنظام ما كان يحتاجه تماماً: الدليل الحي على رواية "محاربة الإرهاب".
ومنذ تلك اللحظة، بدأ المسار بالانحراف تدريجياً؛ من سؤال دولي: "كيف نحمي الشعب من النظام" إلى: "كيف نمنع سقوط الدولة بيد المتطرفين؟" وهكذا، نجحت سردية النظام في إعادة تشكيل الوعي داخلاً وخارجاً. لكن الكارثة لم تتوقف هنا؛ فالجولاني لم يكن مجرد أداة دعائية للنظام، بل تحول تدريجياً إلى قوة تلتهم المجال الثوري نفسه؛ حيث بدأ: بقمع الفصائل، وتصفية المختلفين، وملاحقة الناشطين، والسيطرة على الموارد، وبناء سلطة أمنية مغلقة؛ أي أنه أعاد إنتاج النموذج نفسه، الذي قامت الثورة ضده.
اقرأ أيضاً:
وهنا، دخلت الثورة مرحلتها الأكثر مأساوية؛ و تحديداً، عندما صار بعض من يتحدث باسمها، أكثر شبهاً بعدوها. لقد جرى استبدال الاستبداد، باستبداد جديد؛ واستُبدلت عبادة القائد، بعبادة "الأمير"، واستُبدلت أجهزة الأمن القديمة، بأجهزة أمن جديدة. حتى اللغة نفسها لم تتغير كثيراً: التخوين، التخويف، تقديس السلطة، احتكار الوطنية، اتهام المختلف بالعمالة أو الردة؛ وكأن سوريا كانت تدور داخل دائرة مغلقة، تبدّل وجوه جلاديها فقط.
الأخطر، أن هذه السلطة لم تكتفِ بإعادة إنتاج القمع، بل أعادت إنتاج الكارثة الوطنية كلها. فبدلاً من بناء مشروع جامع، جرى الاستثمار في الانقسام، والخوف، والهويات القاتلة. وبدل إعادة بناء المجتمع، جرى تحويله إلى جماعات مذعورة تبحث عن الحماية. وهنا، دخل السوريون جميعاً مرحلة الانكسار الكبير؛ فالأقليات خافت من الأكثرية، والأكثرية خافت من ضياع السلطة، والكل صار يخاف من الكل؛ فكان الانتصار الحقيقي للاستبداد، حين يتحول المجتمع نفسه إلى سجن نفسي متبادل. ومن هنا، لم تعد القضية مجرد سلطة تحكم سوريا، بل بنية كاملة تعيد إنتاج الخوف.
عندما يسود الخوف، لا يبقى السؤال: من يحكم؛ بل: أي نوع من البشر ننتج تحت هذا الحكم؟ فالاستبداد الطويل لا يدمر السياسة فقط، بل يغيّر أخلاق المجتمع نفسه؛ و يحوّل الانتهازي إلى بطل، والمنافق إلى مثقف، والمخبر إلى وطني، والقاتل إلى منقذ.
وفي لحظة كهذه، تصبح الثورة الحقيقية أصعب بكثير من إسقاط نظام. لأن المطلوب يصبح: إعادة بناء الإنسان نفسه؛ وهذا ما لم يحدث بعد في سوريا. ولهذا، بقيت الثورة ناقصة. سقط الأسد كرمز، لكن البنية التي أنتجته لم تسقط؛ بل أعادت إنتاج نفسها بأسماء جديدة، وشعارات جديدة، ولحى مختلفة، لكن بالمنطق ذاته: احتكار الحقيقة، واحتكار الوطنية، واحتكار النجاة.
ومن هنا، صار السوريون أمام سؤال: هل كانت الثورة ضد شخص؛أم ضد فكرة كاملة متجذرة في بنية الدولة والمجتمع والخوف والتاريخ؟ ذلك أن أخطر ما فعله الجولاني وزمرته، لم يكن فقط قتل الناس، بل قتل إمكانية الولادة الجديدة لسوريا.
لقد حوّلوا الثورة، من فرصة تاريخية لتحرير الإنسان، إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الخراب. ولهذا، فإن المعركة السورية الحقيقية لم تعد معركة إسقاط سلطة فقط، بل معركة استعادة وطن.