السيد الرئيس وهو يبحث عن شجرة العائلة

قد يبدو السؤال سخيفاً أمام رجل يملك الجيش والشرطة والمخابرات والسجون ومحطات التلفزيون، ويستطيع أن يغيّر أسماء الشوارع، وأن يبني لنفسه تمثالاً في الساحة، وأن يجعل صورته جزءاً من أثاث المدرسة والمكتب والوزارة والعملة.
ـ ولكن ما هو السؤال الذي يبدو سخيفاً؟
إنه سؤال:
ـ من كان جدّك؟
والسؤال الساذج، ربما يهب السذاجة معنى أكثر عمقاً، يهبها "جسد"، وبزّة حربية، ونياشين، ويأخذ صاحبه من هامش التاريخ إلى متنه وهو يحمل على كتفه:
ـ شجرة العائلة.
ماذا يفعل رجل بكل هذا (المجد) بشجرة العائلة؟
يفعل بها ما يفعله بكل شيء آخر:
ـ يضعها تحت سيطرته.
فالدكتاتور لا يكتفي بالاستيلاء على الحاضر، وهذه إحدى أقل الحقائق التي ننتبه إليها في الدكتاتوريات، فالسيد الرئيس لا يريد أن يحكمك اليوم فقط؛ يريد أن يقرر ماذا ستقول عن اليوم بعد عشرين عاماً، ولا يريد أن يخيفك فقط، يريد أن يخيف ذاكرتك أيضاً، ولذلك يبحث عن الماضي، عن جدّ عظيم، عن بطل قديم، عن معركة يمكن استعارتها، عن إمبراطور يمكن الانتساب إليه، وعن تاريخ يقول له، قبل أن يقوله الناس:
ـ أنت لست حادثة بيولوجية معتادة.. أنت طفرة في للتاريخ، ومن تبقّى من الأمّة "غثيان" التاريخ.
وهنا تبدأ الحكاية الغريبة للدكتاتور الذي يبحث عن شجرة عائلته.
ربما كان صدام حسين أكثر حكام العرب افتتاناً بهذه اللعبة، ليس لأنه كان الوحيد الذي صنع شخصية تُعبَد، فهذه ظاهرة تكاد تكون من لوازم الدكتاتورية، ولها أشكال مختلفة من موسكو "جوزيف ستالين" إلى بيونغ يانغ "كيم جونغ اون"، لكن صدام ذهب بها إلى منطقة بدا فيها الرئيس وكأنه لا يريد أن يكون رئيساً فحسب، بل يريد أن يصبح شخصية تاريخية وهي ما تزال حية.
صورته في كل مكان، والنظام البعثي أنفق موارد ضخمة في بناء صورته، خصوصاً منذ منتصف الثمانينيات، حتى أصبحت عبادة الشخصية جزءاً من الحياة السياسية والتعليمية للنظام، وظهرت في بغداد آثار ضخمة لهذه العبادة، من بينها "قوس النصر" الذي يقوم على سيفين هائلين تمسكهما نماذج ضخمة ليدي صدام.
وكل ما عليك هو أن:
ـ تتخيل المفارقة.
رجل حقيقي، له يدان صغيرتان بما يكفي ليحتاج إلى ملايين العراقيين كي يصدقوا أنه صاحب اليدين اللتين تمسكان تاريخ العراق كله، فإذا به يبني لنفسه يدين من قفّازين من الفولاذ.
ـ كانت يده تحتاج إلى بروباغندا.
وكان يعرف أن السلطة وحدها لا تصنع مجداً، فالسلطة تستطيع أن تجعل الناس يصفّقون، لكنها لا تجعل التاريخ يصفّق، ولذلك استدعى من التاريخ شجرة عائلة ما من جذور لها، وشغّل حطابيه في اجتثاث جذور أيّة قبيلة عراقية أخرى، وهذا كلام سمعناه من "نواف الزيدان"، "الواشي" المنحطّ الذي سلّم ولدي صدام المنحطين إلى القوات الأمريكية، ليستكمل بانحطاطه انحطاطهما، وكانا ضيفين يحتميان ببيته، فيما سيسهب الزيدان بخيالات صدّام وشجرة العائلة وقد امتد "التكريتي" إلى بابل، ونبوخذ نصر، وصلاح الدين، والحضارات القديمة، والحروب، والعروبة، والإسلام، وسرير "آل بيت محمد"، بعد أن وزّع أوامره على أجهزة الاستخبارات، وصنّاع الصورة، ليرسموا له شجرة لم تكن من الغراس في أيّ من يوم مضى.
دولة، وأجهزة، وكتّاب، وشعراء، ومطربي المواخير، كلهم انتظموا في ماكينة صناعة صورة الرئيس، لم يكن يريد أن يقول للعراقي:
ـ أنا حاكمك.
كان يريد أن يقول له شيئاً أكثر طموحاً:
ـ أنا ابن هذا التاريخ.
ثم، في الخطوة التالية، أن يقول:
ـ وأنت ابن تاريخي.
وهنا تكمن "العبقرية"، فالدكتاتور الذي يستولي على التاريخ يستولي، بطريقة ما، على نسب المحكومين أيضاً، فإذا كنتَ أنت الذي يمثل الماضي، يصبح الخروج عليك خروجاً على الماضي، وإذا كنتَ أنت الذي أنقذ الوطن، يصبح الاعتراض عليك خيانة للوطن، وإذا كنتَ أنت الذي يحمل ذاكرة الأمة، تصبح ذاكرة مخالفيك خيانة أو مؤامرة أو جهلاً، وهكذا تتحول الدولة إلى شجرة عائلة، والرئيس إلى الجد الأكبر، والخروج عليه إلى عقوق.
اقرأ أيضاً:
سوريا والعراق بين طاغيتين: الأول يخلع الباب، والثاني يُذيب قفله
لكن صدام لم يكتفِ بصناعة نسب تاريخي لنفسه، كان يحتاج أيضاً إلى أن يصنع صورة تليق بهذا النسب، وهنا يصبح الأمر أكثر عبقرية، فمن السهل أن نطلق على صدام أو غيره وصف "المريض النفسي"، ثم ننتهي، لكن هذا الوصف مريح أكثر مما ينبغي، فالتشخيص السريري لشخصية تاريخية من بعيد، ليس مهنتنا، بالإضافة إلى أنه أمر لا يمكن الجزم به، ولكن ما نستطيع فعله هو قراءة السلوك، والسلوك هنا يقول شيئاً مرعباً.
ـ كان العنف عند نظام صدام أكثر من وسيلة لحماية السلطة؛ أصبح بنية للحكم.
في حادثة "الدجيل" مثلاً، وبعد محاولة اغتيال صدام أثناء مروره في البلدة عام 1982، تعرض مئات الرجال والنساء والأطفال للاعتقال والتعذيب والنفي، وانتهى الأمر بإعدام 148 رجلاً وصبياً في القضية التي حوكم صدام بسببها لاحقاً، فما بالكم بـ "قاعة الخلد" حيث مجزرة تطال رفاق أمسه؟
لا يحتاج المرء إلى اختراع قصة نفسية هنا، الواقعة نفسها كافية، رجل يمر في بلدة، رصاص يُطلق على موكب، ثم تأتي الدولة كلها تقريباً لتقول لبلدة بأكملها:
ـ لقد أخطأتم.
هنا يصبح العقاب أوسع من الجريمة، وهذا أحد أسرار الدكتاتور، إنه لا يعاقب الفاعل فقط، إنه يعاقب فكرة الفعل، ليتعلم الآخرون "الطاعة" من عقاب شخص واحد، والأكثر عبقرية أن العنف، حين يستمر طويلاً، يفقد حاجته إلى التبرير، في البداية يقول لنا:
ـ اضطررت.
ثم يقول:
ـ كان لا بد.
ثم:
ـ إنهم الأعداء.
ثم يصبح الأمر بلا لغة، تأتي الأوامر، تنفذ الأجهزة، تُفتح السجون، تغلق الأبواب، ويصبح القتل جزءاً من ضمير الدولة.. تصبح الدولة برمتها "ماكينة قتل".
في حملة الأنفال وحدها، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، اعتماداً على آلاف الوثائق الحكومية العراقية ومقابلات مع مئات الناجين، عمليات إعدام جماعية واختفاءات واستخداماً واسعاً للأسلحة الكيميائية وتدمير نحو ألفي قرية، وقدرت عدد القتلى بعشرات الآلاف، وخلصت إلى أن الحملة كانت إبادة جماعية ضد الأكراد.
وهنا يصبح سؤال "هل كان صدام يستمتع بالقتل؟" أقل أهمية من سؤال آخر:
ـ متى يصبح القتل جزءاً من المتعة التي تمنحها السلطة لصاحبها؟
الاستمتاع لا يعني بالضرورة ابتسامة القاتل أمام جثة، قد يكون الاستمتاع أكثر برودة، من مثل:
ـ أن تعرف أنك تستطيع، أن تعرف أن أمراً منك سيُنفذ، أن ترى رجلاً قوياً يرتجف أمامك، أن ترى عائلة كاملة تنهار لأن اسمها ورد في ورقة، أن تدرك أن كلمة منك تستطيع أن تغيّر مصير سلالة كاملة من البشر.
ـ إنها:
ـ متعة القدرة، لا متعة الفعل.
هل نتابع مع صدّام بوصفه "الموديل" لابوصفه استثناء من القاعدة؟
لنتابع:
كان شديد الحساسية تجاه صورته، شديد الارتياب، شديد الالتصاق بفكرة القوة، وفي التحليلات النفسية السياسية لشخصيته تظهر سمات تتعلق بالشك وتضخم الذات والحساسية للإهانة والانتقام، إحدى الدراسات التي اعتمدت على تحليل نفسي سياسي له، أشارت إلى أن الضغط كان يزيد عدم ثقته بالآخرين، وأن ما يمس صورته الذاتية يمكن أن يتحول إلى مذبحة.
يمكن أن نفهم من ذلك شيئاً أبعد، الدكتاتور لا يقتل دائماً لأن الآخر قوي، يقتل لأن الآخر ذكّره بأنه ليس إلهاً، وهذا أخطر، فالحاكم الطبيعي يمكن أن يتحمل خصماً، أما الرجل الذي صنع لنفسه صورة مطلقة، فقد يتحول الخصم عنده إلى أصابع تمزق صورته، فكل من يقول له "لا" يقول له، في العمق، أنت لست مطلقاً، والدكتاتور لا يحتمل هذه الجملة.
وهنا يتحول القتل من فعل إلى لغة، والدولة إلى حنجرة، والرئيس إلى صوت له وحده الحق في أن يقول:
ـ لا.
ثم يأتي صمت الامّة من بعده.
لكن الدكتاتور الذي يخاف من خصومه يخاف، في النهاية، من شيء آخر أكثر عمقاً:
ـ أن يموت من دون أن يصبح أسطورة.
وهذا يعيدنا إلى شجرة العائلة، صدام لم يكن يريد أن يموت مثل أي إنسان، كان يريد أن يموت داخل التاريخ، وهذه رغبة قديمة جداً عند الطغاة، لكنها تتخذ في الشرق شكلاً خاصاً، الحاكم العربي الذي يصل إلى القصر يريد أن يصبح أكبر من القصر، يريد أن يترك وراءه اسماً، لا مجرد فترة حكم، وهكذا تبدأ صناعة الماضي قبل انتهاء الحاضر.
حافظ الأسد كان أكثر برودة، لم يكن بحاجة إلى "شجرة عائلة"، رغم انشغال الكثير من مؤرخي الـ دي ان أي بالاشتغال عليها، لم يكن بحاجة إلى كل ذلك الاستعراض التاريخي الصاخب، لقد صنع شيئاً أكثر إحكاماً وعبقرية:
ـ تاريخاً يبدأ منه.
"الحركة التصحيحية" لم تعد مجرد انقلاب داخل نظام بعثي؛ صارت في الرواية الرسمية لحظة تأسيس، ومن ثم يمكن للرجل أن يقدم نفسه بوصفه منقذ الدولة، ومثبت مؤسساتها، وصانع استقرارها، صارت الدولة "هو"، وكنا من مواطنيها:
ـ سوريا الأسد.
ـ هنا لا يبحث الدكتاتور عن جدّه، إنه يصنع من نفسه أباً.
صدام احتاج إلى نبوخذ نصر، أما حافظ الأسد فكان أكثر اقتصاداً:
ـ لماذا أبحث عن جد عظيم إذا كان بإمكاني أن أصبح جدّاً للأجيال القادمة؟
وهكذا يصبح الفرق بين الدكتاتورين فرقاً في المركوب لا في الطريق:
ـ الأول يركب الماضي، والثاني يركب ماضياً يبدأ منه.
ثم يأتي القذافي، وهنا يتسع المسرح حتى يصبح مضحكاً لولا أن الضحك نفسه يحتاج إلى شجاعة، فالقذافي لم يكن يريد فقط أن يحكم ليبيا، كان يريد أن يعيد اختراع العالم : الكتاب الأخضر، الجماهيرية، النظرية العالمية الثالثة.
الجماهير التي تحكم نفسها، في نظام لا يستطيع أحد فيه أن يقترب من مركز السلطة إلا بعد أن يُذاب أولاً في الرجل الذي يقول إن السلطة للجماهير، هذه واحدة من أعظم الكوميديات التي أنتجتها الدكتاتورية العربية:
ـ رجل يلغي السياسة باسم السياسة، ثم يلغي الأحزاب باسم حكم الشعب، ثم يصبح هو نفسه، بطريقة ما، آخر ما تبقى من الشعب.
القذافي لم يبحث كثيراً عن شجرة عائلته، كان يريد أن يصبح شجرة أفكار، لكنها الأشجار التي لا تنبت إلا حول رجل واحد تموت حين يسقط الرجل.
وهنا يتضح الفرق بين الدكتاتور والكاتب:
ـ الكاتب يعرف أن شخصياته قد تخونه، أما الدكتاتور فيريد شخصيات مطيعة، الكاتب يترك النص مفتوحاً، الدكتاتور يريد خاتمة محسومة، الكاتب يقبل أن يختلف القارئ معه، الدكتاتور يريد قارئاً واحداً:
ـ هو.
ولذلك فإن كل دكتاتور، في مكان ما، كاتب فاشل، يريد أن يكتب رواية طويلة عن نفسه، لكنه يملك جهاز استخبارات، يجبر القراء على الإعجاب بها.
ربما لهذا تبدو نهايات الدكتاتوريين مضحكة، فالرجل الذي كان يقرر من يعيش ومن يموت يصبح هو نفسه ينتظر قراراً، الرجل الذي كان يملأ الشوارع بصورته يبحث عن مكان يختبئ فيه، والرجل الذي أراد أن يكون في كل بيت يصبح، بعد سنوات قليلة، شيئاً يزيله الناس من البيوت.
هنا يفشل الدكتاتور في أهم امتحان:
ـ امتحان الصورة بعد غيابه، وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الدكتاتور يعتقد أن الذاكرة شيء يمكن امتلاكه، والذاكرة ليست كذلك، الذاكرة تشبه الماء، يمكنك أن تحبسها في خزان، لكنها تبحث عن شق، يمكنك أن تمنعها من الكلام، لكنها لا تنسى، يمكنك أن تهدم القرية، لكن الناجين يعرفون أين كانت، يمكنك أن تمحو الاسم من الكتاب، لكن أحداً ما سيكتبه على ورقة صغيرة، وقد لا تكون الورقة مهمة اليوم، لكنها قد تصبح، بعد عشرين عاماً، وثيقة.
وهناك، في مكان ما بين المقبرة والوثيقة، تبدأ شجرة عائلة أخرى، ليست شجرة عائلة الرئيس، بل شجرة ضحاياه، لهذا لا تعود المسألة في النهاية من كان جد صدام حسين؟ ولا من كان جد القذافي؟ ولا من أين جاء حافظ الأسد؟
السؤال الحقيقي أكثر قسوة:
لماذا يحتاج رجل يحكم ملايين البشر إلى تاريخ يبرر وجوده؟
ـ هنا تنتهي الحكاية.
الرئيس الذي أمضى حياته يبحث عن شجرة عائلة عظيمة، يكتشف متأخراً أن المشكلة لم تكن في أن جدّه مجهول، المشكلة أن أحفاده يعرفون جيداً ماذا فعل، وهذا، ربما، هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الدكتاتور أن يزوّره إلى الأبد:
ـ ذاكرة الذين عاشوا تحته.
من جهتي، أريد رئيساً لا يهمني من كان جدّه، ولا أيّ سلالة يحمل، ولا إلى أي إمبراطور ينتسب، أريده أن يأتي بلا أجداد على كتفيه، وبلا تاريخ مزوّر خلفه، وبلا حاجة إلى أن يجعل من نفسه وريثاً لنبوخذ نصر أو صلاح الدين أو أيّ بطل آخر.
أريد رئيساً لا يحتاج إلى شجرة عائلة كي يثبت أنه يستحق أن يحكم، ولا إلى شجرة نسب كي يبرر جرائمه، أريد رئيساً:
ـ مجهول النسب.
وهذا يكفيني.