info@suwar-magazine.org

البحث عن ترايانا أنانيا

البحث عن ترايانا أنانيا
Whatsapp
Facebook Share

اللوحة بريشة لقمان أحمد

 

 

رأيتها مرة، منذ سنوات، ترقص أمام مائدة في برنامج يوناني،  لا أعرف لماذا بقيت هي، فيما غاب اسمها، وغابت الأغنية، وغاب حتى اسم البرنامج، بقي جسدها فقط، يتحرك ببطء، كأن الموسيقى لا تأتي من الفرقة التي أمامها، بل من مكان أعمق، من قاع البحر ربما، أو من ذاكرة أقدم من الموسيقى نفسها.

 

 

أبحث عنها منذ زمن، دون أن أعرف أنني أبحث عنها، كل ما بقي منها في ذاكرتي:

ـ امرأة في منتصف العمر، شعر بني، أفرول ضيق، كعب عالٍ، تقف وحدها وسط الساهرين، ثم تبدأ بالرقص.. لا استعراض، لا جمهور، لا رغبة في أن يصفق لها أحد، مجرد امرأة وجدت نفسها فجأة في قلب أغنية حزينة، فتركت جسدها يقول حكايته.

ـ أقول حكايته؟!

لا، الحكاية أوسع من جسد يحكي، هنا:

ـ المتوسط يحكي.

 

 

حين وجدتها أخيراً، شعرت بشيء غريب يشبه استعادة بلد، كانت ترايانا أنانيا، لم أستعد امرأة، استعدت اليونان، وربما استعدت شيئاً مني كان قد بقي هناك، في تلك السهرة القديمة، ينتظر أن تعثر عليه الذاكرة.

ما الذي يجعل اليونان قادرة على أن تدخل الذاكرة بهذه الخفة؟

ربما لأن اليونان ليست بلداً واحداً، ربما لأنها طبقات من الذاكرة تمشي فوق بعضها:

ـ إله فوق إله، ومعبد فوق خراب، وامرأة فوق أغنية، وبحر فوق أسطورة.

 

 

هناك، يبدو التاريخ أقل ثقلاً، يمشي حافياً، ويرقص.. حتى المأساة اليونانية، تلك التي جعلت الإنسان يقف طويلاً أمام قدره، لم تكن تعرف كيف تفعل ذلك من دون جسد، كانت المأساة مسرحاً، والمسرح جسداً، والجسد حركة، والحركة إيقاعاً، كأن اليوناني القديم عرف باكراً أن الإنسان لا يستطيع أن يفكر طويلاً في الموت من دون أن يرقص، ولعل الرقص اليوناني هو أحد أشكال الفلسفة التي لم تدخل الكتب، "الزيمبيك" مثلاً، ليس رقصة جماعية بالمعنى المألوف، رجل أو امرأة يقف وحده، ويترك حوله مساحة، الآخرون لا يرقصون معه، بل يراقبونه، كأن عليه، للحظات، أن يحمل حزنه وحده، وأن يجعل من الجسد لغة لا تحتاج إلى مترجم:

ـ خطوة إلى الأمام، انحناءة، ذراعان تنفتحان، ثم دوران صغير، كأن الجسد يحاول أن يستعيد توازنه بعد أن تذكر شيئاً من وجع الحكاية.

 

 

إنها رقصة لا تبدو لي بعيدة عن روح المتوسط، ذلك المتوسط الذي لم يكن بحراً يفصل الشعوب بقدر ما كان، طوال آلاف السنين، طريقاً مائياً يصل بينها.

 

اقرأ أيضاً:

                 

                       حنا مينه.. حين قادنا فهد يقظان إلى أدبه

                         أبو حالوب... ساعي بريد المنافي

 

 

على الضفة الأخرى، هناك بحر أعرفه أكثر:

ـ بحر سوريا.

البحر نفسه الذي يضرب صخور اللاذقية وطرطوس وجبلة، ثم يمضي نحو قبرص والأناضول واليونان، حاملاً معه الملح نفسه، والريح نفسها، وشيئاً من الأغاني التي لا نعرف من أين جاءت، أحياناً أفكر أن الحدود التي رسمها البشر على الخرائط حديثة جداً، مقارنة بذاكرة البحر، البحر لا يعرف سوريا واليونان، لا يعرف حدوداً ولا قوميات ولا جوازات سفر، البحر بخبرة الأزل يعرف:

ـ الموج، والصياد، والمرأة التي تنتظر، والرجل الذي يعود متأخراً، والأغنية التي عبرت من قرية إلى قرية، ومن جزيرة إلى جزيرة، دون أن تسأل أحداً عن هويته.

 

 

والبحر يقرأ كفّ تلك الصبية الذي يخفي ابتسامتها لعطب أصاب أسنانها الأمامية دون أن يعطب ضحكتها، ولهذا، حين أفكر في رقص اليونانيين، أتذكر رقصات أخرى، بعيدة وقريبة، في جبال العلويين، نعم، العلويون أبناء "الملح"، أولئك الذين خلق من الملح أسطورة الخلق الأول، فإذا ما اختلط بالخبز، فليس بينهم من يخدع صاحبه.

أفراحهم،  لم تكن تحتاج إلى مسرح، الساحات الصغيرة، البيوت التي تفتح أبوابها للناس، فتيات الجبال وهن يرقصن، لا لكي يقدمن عرضاً، بل لأن الفرح نفسه يحتاج إلى جسد.. ثمة شيء مشترك بين تلك الفتاة التي ترقص في "جوبة البرغال" السورية، وتلك المرأة التي وقفت في الاستوديو اليوناني، شيء لا أعرف اسمه، ربما هو إيقاع المتوسط، ربما أن ذاك الجسد، في هذه البلاد المطلة على المتوسط، لم يكن يوماً مجرد جسد، إنه:

ـ إنه ذاكرة تمشي، ذاكرة تهتز، ذاكرة تعرف أن الحزن لا يمنع الفرح، وأن الفرح نفسه يمكن أن يكون حزيناً.

ربما لهذا بقيت ترايانا أنانيا في ذاكرتي، لم تكن أجمل امرأة رأيتها، ولم تكن أفضل راقصة، ولم أعرف حتى اسمها، لكنها فعلت شيئاً يمنح الذاكرة عنادها:

ـ رقصت كما لو أنها تستعيد شيئاً.

 

 

والآن، بعدما استعدتها، أفكر أنني ربما كنت أفعل الشيء نفسه طوال تلك السنوات، كنت أبحث عن رقصة ضاعت مني، عن أغنية لم أعد أعرف اسمها، عن امرأة لم أعرفها، وفي الحقيقة كنت أبحث عن المتوسط، عن بحر لا يزال، رغم كل الخرائط والحروب والحدود، يملك القدرة على أن يجعل السوري يرى اليوناني فلا يشعر بالغربة، أن يرى حجراً يونانياً فيتذكر حجراً من جبال بلاده، أن يسمع أغنية يونانية حزينة فيشعر أن الحزن، أيضاً، له لهجة مشتركة.

 

 

هناك أشياء لا تستعيدها الذاكرة لأنها تتذكرها، تستعيدها لأنها لم تنسها أصلاً، كانت تخبئها فقط، تتركها في مكان ما، بين أغنية قديمة وصورة عابرة وامرأة ترقص وحدها، ثم تنتظر، تنتظر سنوات، حتى نعود إليها، وهكذا، حين عثرت أخيراً على ترايانا أنانيا،  لم أشعر أنني وجدت فيديو ضائعاً على الإنترنت، شعرت أن امرأة خرجت من شاشة قديمة، ومدّت يدها إلى ذاكرتي، رقصت ثم مضت، وتركتني واقفاً أمام بحر واحد، يمتد من اليونان إلى سوريا، وأمام ذاكرة واحدة لا تعرف أين تبدأ الحضارة، وأين تنتهي الأغنية، وأين يتحول الجسد إلى تاريخ.

 

 

ربما كانت تلك الراقصة نافذتي الصغيرة إلى اليونان، وربما كانت اليونان، منذ البداية، نافذة أخرى على شيء أوسع:

ـ على المتوسط حين كان البحر ذاكرة، قبل أن يصير حدوداً.

ثمة ذاكرة لا تعمل مثل الذاكرة:

لا تحفظ الأشياء بأسمائها، ولا تحتفظ بالتواريخ، ولا تكترث كثيراً لمن كان هناك ومتى حدث ذلك.. تحفظ حركة يد، التفاتة رأس، لون ثوب، امرأة تعبر لحظة عابرة، أغنية تأتي من مكان بعيد، ثم تختفي، وبعد سنوات، حين نظن أننا نسينا كل شيء، تفتح الذاكرة باباً صغيراً، وتقول لنا:

ـ انظر، لم يذهب شيء.

 

رابط الفيديو 

 

منذ سنوات رأيتها، امرأة ترقص في برنامج يوناني، ولكنني نسيت اسمها، والذاكرة، حين تحاول أن تستعيد شيئاً، تبدأ أولاً في اختراع الشكوك حوله، ثم وجدتها، ووجدت اسمها:

. ـ ترايانا أنانيا

لم أعثر على امرأة ضائعة.. مجمل الحكاية أنني استعدت اليونان.

وهنا أدركت أنني لم أكن أبحث عنها وحدها، كنت أبحث عن شيء آخر خبأته تلك الرقصة في داخلي.

 

 

ما سر اليونان؟

ربما هو البلد الذي لم يترك جسده يموت تحت أنقاض التاريخ، وكلما ظننا أن اليونان صارت حجراً، نهض منها جسد، وكلما ظننا أن الأسطورة صارت متحفاً، خرجت امرأة لترقص، وكلما ظننا أن الحضارة اليونانية هي ما تركه الفلاسفة وراءهم من كتب، ذكّرنا البحر بأن الحضارة كانت أيضاً جسداً، وموسيقى، ومائدة، وامرأة تعرف كيف تترك قدميها تقولان ما لا تقوله الفلسفة.

 

 

ربما لهذا تسكنني اليونان، لا بسبب الأكروبوليس وحده، ولا بسبب سقراط وأفلاطون وأرسطو، تسكنني لأنني أستطيع أن أرى الفلسفة وهي تنزل من رأس الفيلسوف إلى قدمي امرأة ترقص.. هناك، في تلك اللحظة، لا تعود الحضارة فكرة.. تصبح إيقاعاً لراقصة لاتقول :

ـ انظروا إلي.

امرأة، كل ما يعنيها أن تبتكر طريقة قديمة سبق واخترعها الإنسان كي يحتمل نفسه.

 

 

لا أستطيع أن أفصل اليونان عن سوريا، البحر يمنعني، ذلك البحر الذي نسمّيه متوسطاً، كأنه اسم محايد لشيء شديد القدم، لكن المتوسط لم يكن محايداً يوماً، كان طريقاً، كان ذاكرة سائلة، كانت المراكب تعبره قبل أن تعرف الدول كيف ترسم حدودها.. الآلهة تعبره، التجار، الجنود، الحكايات، والنساء اللواتي لا نعرف أسماءهن.

 

من اليونان إلى قبرص، ومن قبرص إلى الساحل السوري، ومن الساحل إلى الجبال، كانت الأشياء تعبر بلا جوازات سفر، وفي جبال الساحل السوري، حيث يصعد الطريق ثم يضيق، وحيث البيوت تتكئ على الجبل كما لو أنها تعرف سرّه، ثمة ذاكرة أخرى للرقص، فتيات الجبال، في الأعراس، في الساحات، أمام البيوت، في تلك المساحات الصغيرة التي تكفي لامرأة كي تدور، وللآخرين كي يصفقوا، لطالما أحببت تلك اللحظة، لحظة خروج الفتاة من الصف، حين تترك الجماعة خلفها، ولو لدقائق، وتصبح وحدها.

 

 

ليست وحدها تماماً؛ فكل النساء حولها، وكل الأمهات، وكل الجدات، وكل البنات اللواتي رقصن قبلها، يرقصن معها، فالجسد الفردي يحمل جسداً جماعيا، وهذا ربما ما يفعله الرقص في كل مكان، يعيد الفرد إلى ذاكرة أكبر منه، وكأنه (وأعني الرقص) حضارة واحدة كثيرة اللهجات.

 

 

اليوناني الذي يرقص في جزيرته، والسوري الذي يرقص في قريته الجبلية، واللبناني الذي يرقص في ساحة قريته، والمصري الذي يرقص في فرح على النيل، ربما لا يعرفون بعضهم، وربما لا يفهمون كلمات أغاني بعضهم، لكنهم يعرفون شيئاً آخر:

ـ متى تضرب القدم الأرض، متى تنحني الرأس، متى تفتح الذراعان، ومتى يجب أن ينسحب الآخرون قليلاً لكي يتركوا للراقص مساحة، كأن الجسد يعرف ما نسيته الخرائط.

 

لهذا ربما بقيت ترايانا أنانيا،  في ذاكرتي كل هذه السنوات.. لم تكن صورة، كانت نافذة، ومن خلال نافذة صغيرة كهذه، يمكن لبلد كامل أن يعود.

ـ ولهذا بحثت عنها.. عن:

ـ ترايانا أنانيا.

عن حضارة كاملة، بعد آلاف السنين، لا تزال تعرف أن الإنسان حين يعجز عن الكلام، يستطيع أن يرقص، و:

لقد وجدتها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard