info@suwar-magazine.org

بين دماء الشهداء وحسابات السياسة.. هل تلاشت طموحات روج آفا

بين دماء الشهداء وحسابات السياسة.. هل تلاشت طموحات روج آفا
Whatsapp
Facebook Share

 

بين دماء الشهداء وحسابات السياسة.. هل تلاشت طموحات "روج آفا" أم أن الكرد اختاروا الواقعية السياسية؟

 

في واحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية في تاريخ الصراع السوري، طوت زيارة قائد قوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي إلى دمشق في 25 آب 2026 حقبة كاملة من السلاح المستقل والإدارات المحلية (شبه المنفصلة).

 

 

 هذا الحدث المفصلي، الذي أسفر عن حل الهياكل العسكرية والمدنية لـقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية والاندماج الكامل تحت مظلة السلطة السورية في دمشق، لم يكن مجرد تسوية ميدانية؛ بل مثل تحولاً تاريخياً أعاد صياغة وعي ومستقبل المكون الكردي بأسره.

 

 

 يضع هذا الاندماج الشعب الكردي في الداخل والخارج أمام واقعية سياسية حتمية، فرضت تساؤلات حادة عن مصير المكتسبات، وبنية التوازن العسكري الجديد، والآفاق السياسية لنقل العمل السياسي من منصات المعارضة الخارجية وخنادق المواجهة الميدانية إلى داخل دمشق.

 

 

ما الذي دفع الكرد نحو هذا الخيار الآن؟

لم يكن قرار الاندماج الكامل وليد الصدفة، بل جاء نتاج تضافر عدة ضغوط دولية وإقليمية بلغت ذروتها في صيف هذا العام 2026، ممّا جعل الخيارات تضيق أمام قيادة قوات سوريا الديمقراطية:

-المعادلة الدولية الجديدة: فرضت التفاهمات الكبرى بين الدول الفاعلة في الملف السوري، إنهاء حالة الانقسام العسكري، ووجدت قيادة قوات سوريا الديمقراطية نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاندماج طواعية بضمانات كما تقول قيادة قسد، أو مواجهة انسحاب أمريكي مفاجئ يترك المنطقة مكشوفة بالكامل .

 

 

- انسداد مسارات التهرب التفاوضي: تلاشت مساحات التناقض الدولي التي كانت تلعب عليها الإدارة الذاتية بين موسكو وواشنطن، بعد أن اتفقت القوى الكبرى على دعم وحدة الأراضي السورية وحصر السلاح بيد السلطة في دمشق، ممّا دفع القيادة الكردية نحو واقعية سياسية حتمية.

 

اقرأ أيضاً:

     

   قسد والإدارة الذاتية والدعم الدولي، بين الفرص الضائعة وحدود الظرف الدولي

             القضية الكردية وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

       

 

نبض الشارع في الداخل: شعب واحد وثلاث قراءات متباينة

فجّر الحل النهائي والكامل لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية ودمجهما عسكرياً وإدارياً في مؤسسات السلطة السورية، نقاشات حادة وسجالاً غير مسبوق في الأوساط الشعبية الكردية بالداخل، حيث انقسم الشارع إلى ثلاثة اتجاهات بارزة تعكس حجم القلق والتوقعات:

  • تيار الخذلان والشعور بالصدمة: يرى أصحاب هذا التوجه، وخاصة عائلات المقاتلين، أن حل قوات سوريا الديمقراطية وتسليم المنشآت هو تخلٍّ مجاني عن تضحيات الآلاف من الذين سقطوا في الحروب ضد تنظيم "داعش".

وينظر هؤلاء إلى المناصب الجديدة للقيادات في دمشق على أنها تسوية سياسية شخصية جرت على حساب المكتسبات القومية، وسط مخاوف جدية من عودة القبضة الأمنية المركزية السابقة.

 

 

2- التيار الواقعي والبراغماتي: يدافع هذا الطرف عن الاتفاق باعتباره طوق النجاة الوحيد المتوفر لتجنيب المنطقة مواجهة عسكرية شاملة أو غزواً إقليمياً محتماً.

 ويرى هذا التيار أن انتزاع اعتراف بالهوية والثقافة الكردية ضمن دولة واحدة وضمان بقاء القوات محلياً كألوية نظامية هو أفضل الممكن سياسياً لحفظ الأرواح وبدء مرحلة إعادة الإعمار .

 

  • تيار التسليم بقرار القيادة (القادة يقررون): يتبنى هذا القطاع ثقة مطلقة في خيارات، مظلوم عبدي والدائرة الضيقة المحيطة به، منطلقاً من فرضية أن القيادة العسكرية تمتلك المعطيات الإقليمية والدولية الكاملة التي جعلت من هذا المسار أمراً واقعاً لا بديل عنه للتكيف مع التحولات الكبرى.

 

 

الخارطة الميدانية الجديدة

حمل الاتفاق تفاصيل فنية دقيقة لإعادة صياغة المشهد الميداني في منطقة الجزيرة وضمان انتقال سلس وبسط سلطة دمشق دون حدوث فراغ أمني أو إداري:

- الهيكلة العسكرية والألوية النظامية: جرى البدء فعلياً بتحويل البنية العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية إلى ألوية نظامية (منها لواء الحسكة وقامشلو وديريك) تابعة مباشرة لملاك وزارة الدفاع السورية.

 وتقرر الحفاظ على طابعها المحلي لتبقي مرابطة في مناطقها الأصلية لحمايتها، تحت إشراف معاون وزير الدفاع للمنطقة الشرقية سيبان حمو مع ترتيبات لدمج حقوق عوائل الشهداء مالياً وصحياً عبر مؤسسات الدولة.

 

 

-الدور السياسي لمظلوم عبدي توازياً مع الترتيبات الميدانية: يتجه المشهد نحو منح عبدي دوراً سياسياً استشارياً في القصر الرئاسي بدمشق كمستشار للملف الكردي ليكون ضامناً لمتابعة تنفيذ التفاهمات السياسية والحقوقية.

 

- دمج قوى الأمن الداخلي"الأسايش": يتم نقل كاف عناصر قوى الأمن الداخلي إلى سلك الأمن الجنائي وقوى الشرطة التابعة لوزارة الداخلية السورية بدمشق، مع الالتزام بانتشارهم محلياً لضبط الاستقرار وتجنب الاحتكاك.

- استيعاب الدوائر والموظفين المدنيين: بدأت لجان مشتركة بنقل آلاف الموظفين والعاملين في الإدارة الذاتية السابقة بشكل رسمي وقانوني إلى ملاك الوزارات الخدمية (كالبلديات، الصحة، وغيرها)، لضمان استمرار الدورة الحياتية وحماية الأهالي من البطالة المفاجئة .

 

 

كرد الشتات

يمتلك الشارع الكردي في دول الاغتراب، ولا سيما في ألمانيا وفرنسا والسويد، خصوصية مختلفة في مواقفه وتفاعلاته، وقد اتسمت ردود أفعاله تجاه هذه الخطوة بالحدّة والانقسام بين اتجاهين رئيسيين:

 

- رواية الخيانة والتفريط بالأيديولوجيا: يرى جزء واسع من الجالية الكردية في الخارج أن دمج قوات سوريا الديمقراطية يمثل انهياراً لحلم "روج آفا" ومشروع الإدارة الذاتية الذي طالما روّجوا له في المحافل الدولية كنموذج فريد.

وينتقد هذا التيار قبول قيادات كردية بمناصب ضمن مؤسسات دمشق، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل تراجعاً غير مبرر عن الطموحات القومية والسياسية للشعب الكردي، وتفريطًا بمكاسب تحققت خلال سنوات من الصراع.

 

رواية الواقعية وحماية الوجود: في المقابل، يرى تيار آخر أن هذه الخطوة لم تكن تفريطاً بالمشروع الكردي، بقدر ما كانت خياراً واقعياً فرضته موازين القوى. ويعتقد أن التفاهم مع دمشق أتاح حماية الوجود الكردي في سوريا، من خطر الإبادة والمجازر

 

 

المجلس الوطني الكردي (ENKS): البحث عن مسار سياسي

بعد فشل الاتفاق بين الكتل الكردية، ولا سيما بين المجلس الوطني الكردي وأحزاب الإدارة الذاتية سابقاً، تحركت أحزاب المجلس، تحت ضغط شعبي وتنظيمي، للبحث عن استراتيجية تكيف سريعة. وفي هذا السياق، توجهت كوادره نحو الدخول في ترتيبات لتسوية داخلية مع دمشق، بالتوازي مع البدء بإجراءات الحصول على ترخيص سياسي رسمي يتيح لها العمل بصورة قانونية وعلنية من داخل العاصمة السورية. ويهدف ذلك للمشاركة في الاستحقاقات المحلية والبرلمانية المقبلة ككتل سياسية شرعية تدافع عن حقوق الشارع الكردي من داخل برلمان البلاد.

 

 

هل تنجح دمشق في تحويل التوجس الكردي إلى استقرار دائم؟

يمثل اتفاق دمشق وقيادة قوات سوريا الديمقراطية السابقة نموذجاً كلاسيكياً لانتهاء التحالفات المؤقتة مع القوى ما دون الدولة  عند نضوج التسويات الكبرى.

وبينما يرى فيه القادة مخرجاً آمناً لحفظ الأرواح وانتزاع حقوق ثقافية، يبقى التحدي الأكبر كامناً في قدرة اللجان الفنية على تطبيق هذه البنود ميدانياً، ومدى نجاح دمشق في استيعاب الحاضنة الشعبية الكردية في الداخل والخارج وضمان تحويل التوجس الحالي إلى استقرار وطني مستدام ينهي عقوداً من الأزمات.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard