سأغلق التعليقات.. هذه كلمتي لله

ثمة لحظة يصبح فيها الخوف أقوى من التاريخ، وهذه حقيقة على قسوتها لايجوز تجاهلها، وثمة لحظة لايعود الإنسان فيها يسأل: من أين جئت؟ ومن هم أهلي؟ وما الذي صنع المكان الذي أقف فيه؟ بل يسأل سؤالاً أكثر قسوة:
ـ من يستطيع أن يحميني؟
وهذا أمر مفهوم، عندما يتعرض مجتمع ما، لمذبحة، ما يجعل الجار موضع ريبة، والدولة موضع خوف، والمستقبل باباً مظلماً، وهذا مفهوم أيضاً.
ما ليس مفهوماً هو أن يتحول الخوف إلى عقيدة سياسية، وأن يصبح الدم تفويضاً مفتوحاً لمن يحكي باسم طائفة أو مجموعة بشرية، ومن ثم أن يتحول البحث عن الأمان إلى بحث عن حامٍ، ثم يتحول الحامي إلى صاحب زنزانة، وكل ما يتبقى لك أن تكون حارساً لزنزانته، أو نزيلاً فيها.
وهنا تبدأ المأساة الثانية:
لقد تعرضت السويداء إلى عنف رهيب، ودفع أبناؤها أثماناً باهظة من الدم والحياة، ولا يجوز لأي خطاب سياسي أن يخفف من فداحة ما جرى أو أن يطلب من الضحية أن تقدم امتحاناً في الوطنية قبل أن يُعترف بمأساتها:
ـ من قتل ، أياً كان اسمه أو موقعه أو رايته، يجب أن يُدان، ومن ارتكب المجازر يجب أن يُحاسب، ومن صمت أمامها لا يملك بعد ذلك أن يوزع على الضحايا دروساً في العقلانية، فالضحية ليست مطالبة بأن تكون أكثر عقلانية من جلادها.
ـ لكن:
لكن الاعتراف بالمظلومية شيء، وتحويل المظلومية إلى سلطة شيء آخر، ومن هنا تبدأ المسألة التي لا يجوز القفز فوقها:
ـ السويداء ليست حكمت الهجري، والدروز ليسوا حكمت الهجري.
ولا يجوز أن تتحول جماعة تاريخية كاملة إلى كيان سياسي يتحدث رجل واحد باسمه، ثم يصبح الاعتراض عليه اعتراضاً على الجماعة نفسها، فهذه واحدة من أخطر حيل السياسة القديمة وبشاعاتها:
ـ أن ينجح ممن يطلق على نفسه، أو يطلق أتباعه عليه صفة "القائد"، في إقناع الناس بأنه ليس ممثلاً لهم فحسب، بل هو:
ـ هُم.
عندها يصبح نقده خيانة، والاختلاف معه تآمراً، ومحاسبته طعناً في الجماعة، ويتحول الرجل تدريجياً من مرجعية إلى زعيم، ومن زعيم إلى وصي، ومن وصي إلى حاكم، ومن حاكم إلى فاسد وقاتل، وبالوسع مراجعة تاريخ الدكتاتوريات من مسوخهم إلى عمالقتهم، للوصول إلى هذه الخلاصة أو ما يشبهها.
اقرأ أيضاً:
هنا لا يعود السؤال: ماذا يريد الدروز؟
بل يصبح السؤال: ماذا يريد الرجل الذي يقول إنه يتحدث باسم الدروز؟
وهذا فرق هائل، فالجماعة ليست شخصاً، والطائفة ليست حزباً، والمرجعية الدينية ليست تفويضاً سياسياً، والخوف الذي يعيشه الناس لا يمنح أحداً حق مصادرة إرادتهم، فيما الجماعة التي تُصادر إرادتها باسم حمايتها لا تكون قد حُميت؛ تكون قد فقدت جزءاً آخر من حريتها، وكرامتها، وربما وجودها برمته، حين يكون مزاج "القائد"، هو مزاج "التفرد بالحكمة أو بالحماقة" سيّان.
لقد عرفنا الدكتاتورية في صورتها الكبرى: رجل يقول "أنا الدولة"، واختبرناها في حافظ وابنه، والآن يمكن أن نراها في صورتها الأصغر، عبر رجل يقول أنا الطائفة، وفي الحالين، لا يغير من طبيعة الأمر أن تكون الدكتاتورية أصغر حجماً، فالاستبداد لا يصبح أقل استبداداً لأن عدد الذين يخضعون له أقل، ولا يصبح أكثر شرعية لأن العصا التي يحملها صاحبها ليست عصا دولة وإنما عصا شيخ عقل طائفة، لهذا فإن مخالفة حكمت الهجري، حين يتعلق الأمر بطريقة إدارته للسلطة الرمزية والسياسية داخل السويداء، ليس نقداً للدروز، اللهم إلاّ إذا كان في "المقدّس"، ما يقول أنه نزل من السماء ليحرس الله في الأرض، وعندها سيكون الاعتراض عليه اعتراضاً على الله نفسه، بما يجعلنا نعجز عن الاشتكاء عليه إلى الله، فيمنعنا من خلاص السماء بعد أن فرض علينا خلاصه الأرضي، ولا إله إلاّ الله، أقولها أنا الملحد بكل الديانات والمذاهب بما فيها "ديانة الدروز" الذين لا أتمنى لهم سوى الكرامة، الحرية، حق العيش بسلام، وجوهر هذا العيش هو:
ـ حقهم بأن لايتحكم بمصائرهم شخص وحيد، ومن حق الدرزي أن يقول: هذا الشيخ لا يمثلني، ومن حقه أن يختلف معه في السياسة، ومن حقه أن يرفض تحالفاته، ومن حقه أن يعترض على علاقاته الخارجية، ومن حقه أن لايضحك على نكاته، ومن حقه أن يستثقل حضوره، ومن حقه أن يناقش مستقبل السويداء من داخل سوريا أو خارجها، من دون أن يُتهم لمجرد أنه مارس حقه في الاختلاف.
لكن السؤال الأهم هنا:
من يحمي الدروز من السلطة التي تدّعي حمايتهم؟
السؤال ليس افتراءً على الجماعة، بل احترام لعقلها، فليس من المنطقي أن نطالب دمشق بألا تتحدث باسم السوريين جميعاً، ثم نقبل أن يتحدث رجل واحد باسم الدروز جميعاً؟
بالنتيجة:
لا يجوز أن نرفض استبداد المركز، ثم نقبل استبداداً أصغر في الأطراف، ولا أن نرفض أن تقول السلطة "أنا سوريا"، ثم نقبل أن يقول زعيم طائفي "أنا الطائفة".
الحرية لا تتجزأ بهذا الشكل:
ـ إما أن يكون الإنسان مواطناً كامل الأهلية، أو يبقى تابعاً لشخص ما، مهما تغير اسم ذلك الشخص وموقعه.
لكن المشكلة لا تتوقف عند احتكار التمثيل، فحين يفقد الإنسان ثقته بالدولة، يبدأ في البحث عن الدولة خارجها، وهنا يصبح الخارج أكثر جاذبية، ليس لأن الخارج أكثر عدلاً بالضرورة، بل لأنه يبدو أقوى، والقوة، في لحظات الخوف، تبدو للناس شبيهة بالنجاة، وهكذا يمكن أن تنشأ أخطر العلاقات السياسية:
ـ ليست بين دولتين متكافئتين، بل بين جماعة مذعورة وقوة إقليمية تعرف جيداً ماذا تريد.
هنا يجب أن نتوقف عند فكرة "الحماية"، الحماية الخارجية ليست عملاً خيرياً، الدول لا تدخل إلى حياة جماعة لأنها وقعت في حبها، لها مصالحها وحدودها الأمنية وحساباتها الإقليمية، وما يبدو اليوم حماية قد يتحول غداً إلى نفوذ، وما يبدو تحالفاً قد يتحول إلى تبعية، وما يبدو ضمانة مؤقتة قد يصبح شرطاً دائماً، لهذا لا ينبغي أن نسخر من الخائف لأنه بحث عن القوة، لكن ينبغي أن نحذره من أن القوة التي يستدعيها لحمايته قد تصبح ذات يوم طاردة له، و"دولة حداد" كافية لتقديم المثال.
وهنا تكمن مأساة كل جماعة صغيرة تستنجد بقوة كبيرة، إنها تدخل العلاقة وهي تعتقد أنها تملك حاجة القوة إليها، بينما قد تكون القوة قد اكتشفت أنها تملك حاجة الجماعة إليها أكثر.
ولذلك فإن السؤال ليس: هل يحق للدروز أن يبحثوا عن حماية؟
بالطبع يحق لهم.
ولكن:
من يملك ثمن هذه الحماية؟
وماذا سيطلب الحامي غدًا؟
في هذه النقطة تحديداً تصبح محاولة إعادة تعريف هوية الدروز مسألة سياسية لا ثقافية فحسب، الهوية ليست لعبة يمكن تغييرها بقرار، ليست اسماً نستدرجه من المجهول بديلاً عن اسم تتشرّف به الذاكرة (باشان بديلاً عن جبل حوران، أو جبل العرب.. يا لسخرية اللغة).
ولا يستطيع رجل، مهما بلغ نفوذه، أن يقول لجماعة كاملة: أنتم لستم ما كنتم تظنون أنفسكم عليه، أنتم شيء آخر.. أنتم باشانيون.
يمكن للإنسان أن يعيد تعريف نفسه، ويمكن لجماعة أن تناقش هويتها، لكن لا يجوز أن يتحول هذا النقاش إلى عملية فرض من الأعلى، فالهوية ليست دماً نقياً يدّعيه شيخ العقل، وليست سلالة مقدسة، وليست بطاقة تصدرها السلطة.. إنها تراكم طويل من اللغة والذاكرة والعادات والرموز والمكان والعلاقات والتاريخ، والدروز، مثل كل جماعة بشرية، لهم الحق في أن يختلفوا حول معنى هويتهم، لكن لا يحق لأحد أن يصادر هذا الاختلاف وأن يحسمه نيابة عنهم، ومن السذاجة كذلك أن نقابل أسطورة بهوية أسطورية مضادة، لا نحتاج إلى أن نقول إن كل سوري ينتمي إلى "دم" واحد، ولا نحتاج إلى البحث عن نقاء عربي أو سوري أو طائفي، فالهوية الإنسانية أكثر تعقيدًا من الدم، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع محو قرون من العيش المشترك، والتاريخ والثقافة واللغة والجغرافيا، ثم استبدالها في لحظة سياسية بهوية مستوردة من الحاجة إلى الحماية.
أعرف أنني سأتلقى الكثير الكثير الكثير من شتائم مابعد نشر هذا المقال، كل ما أرجوه أن لاتنال الشتائم من امّي، كانت أمي سيّدة تعرف الحق ونبله.
ربما تعلّمت منها أنه:
ـ لا يمكن صناعة وطن جديد بمجرد تغيير أسماء الجبال.
هذه كلمتي أقولها وفاء لهواء تنفسه طفلاً، أما بعد هذه الكلمة فـ "الصمت الذي اعتدته"، فأنا لست رجلاً مؤهلاً للسجال.
السجال يعتدي على عزلتي، عزلة قرأت فيها ما يكفيني من أن أردد مع "ابن عربي":
ـ العزلةُ أن تخلوَ من الخلق، لا أن تخلوَ من الحق.