قسد والإدارة الذاتية والدعم الدولي، بين الفرص الضائعة وحدود الظرف الإقليمي والدولي

لماذا لم تستطع قوات سوريا الديمقراطية «قسد» و"الإدارة الذاتية" تحويل سنوات الدعم العسكري والسياسي والعلاقات الدولية إلى مكاسب سياسية أكبر للقضية الكردية في سوريا؟ وهل يمكن أصلاً تقييم هذه التجربة بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية التي شهدتها سوريا والمنطقة خلال السنوات الماضية؟
في تقديري، لا يمكن اختزال المسألة في نجاح أو فشل قيادة بعينها، كما لا تبدو المقارنة بين "مظلوم عبدي" و"أحمد الشرع"، المعروف سابقاً بالجولاني، كافية لفهم ما جرى. فالرجلان تحركا في ظروف مختلفة تماماً، وفي لحظتين إقليميتين ودوليتين مختلفتين.
صعود الشرع إلى السلطة في دمشق لم يكن نتيجة نجاح شخصي أو دبلوماسي منفصل عن التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا والمنطقة، وإنما جاء في سياق تفاهمات وتحولات إقليمية ودولية، كان للولايات المتحدة وتركيا ودول عربية وأوروبية دور أساسي فيها. وبالتالي، فإن ما حصل لم يكن قراراً سورياً داخلياً فقط، وإنما جزءاً من ترتيبات أوسع أعادت تشكيل المشهد السوري.
في المقابل، كانت قسد والإدارة الذاتية تتحركان في ظروف مختلفة. فمنذ الحرب على داعش، أصبحت قسد شريكاً عسكرياً رئيسياً للولايات المتحدة، وحصلت على دعم عسكري وسياسي مهم، كما أقامت علاقات مع واشنطن وباريس وعدد من العواصم الأوروبية. وكانت هناك شخصيات سياسية أمريكية بارزة، مثل السيناتور ليندسي غراهام، عبّرت عن دعمها للشراكة مع قسد، كما حافظت فرنسا على علاقات سياسية مع الإدارة الذاتية وقسد.
اقرأ أيضاً:
وبالتالي، كان لدى قسد والإدارة الذاتية رصيد دولي مهم، وربما لم يتوفر لأي قوة سورية أخرى في تلك المرحلة. وهنا يصبح السؤال المشروع، لماذا لم يتحول هذا الرصيد إلى مكاسب سياسية أكبر للقضية الكردية في سوريا؟
هذا السؤال لا يعني تحميل القيادة الكردية وحدها مسؤولية محدودية النتائج، لكنه يستحق المراجعة والنقاش. هل كان ينبغي استثمار سنوات الشراكة مع واشنطن في بناء شبكة سياسية ودبلوماسية أوسع؟ هل كان يمكن تعزيز العلاقات مع أوروبا والدول العربية؟ وهل كان من الممكن توحيد الصف الكردي السوري بصورة أكبر، وتقديم مشروع سياسي أكثر وضوحاً للمجتمع الدولي؟
وربما كان أحد التحديات هو الاعتقاد بأن الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة في الحرب على داعش يمكن أن تتحول تلقائياً إلى دعم سياسي لمشروع الإدارة الذاتية. فالولايات المتحدة كانت بحاجة إلى قسد كشريك عسكري في مواجهة داعش، لكن ذلك لم يكن يعني بالضرورة أنها مستعدة لتبني مشروع سياسي كردي في سوريا أو الدخول في مواجهة استراتيجية مع تركيا من أجله.
وهنا لا يمكن تجاهل العامل التركي. فقسد كانت بالنسبة إلى واشنطن شريكاً أساسياً ضد داعش، لكنها بالنسبة إلى أنقرة مرتبطة بصورة مباشرة بالتهديد الذي تمثله بالنسبة لها علاقات قسد بـ "حزب العمال الكردستاني". وهذه المعادلة وضعت القيادة الكردية أمام هامش ضيق جداً للمناورة.
كما أن التحولات الإقليمية لم تكن ثابتة. فروسيا وإيران والنظام السوري السابق كانت لكل منها حساباتها، ثم جاء سقوط النظام وتغير المشهد بالكامل، لتصبح دمشق الجديدة طرفاً أساسياً في مستقبل شمال وشرق سوريا.
ومن هنا تأتي أهمية اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي. فهذا الاتفاق لم يكن مجرد تفاهم شخصي بين الرجلين، بل جاء في سياق اتصالات ووساطة وضغوط أمريكية، ووضع إطاراً للعلاقة بين دمشق وقسد والإدارة الذاتية.
لكن تعثر تنفيذ الاتفاق، ثم التصعيد الذي شهدته المنطقة، أظهرا أن التفاهم السياسي لا يكفي وحده، وأن مستقبل شمال وشرق سوريا مرتبط بتوازنات أكبر من إرادة الطرفين.
وجاءت تفاهمات 29 كانون الثاني/يناير 2026 في هذا السياق، بعد أشهر من التوتر والتعثر. وكان الدور الأمريكي حاضراً بصورة واضحة، خصوصاً من خلال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، الذي شارك في جهود الدفع نحو التهدئة والتفاهم بين دمشق وقسد.
وهذا التطور يحمل دلالة مهمة، فحتى العلاقة بين دمشق وقسد لم تكن مسألة ثنائية فقط، وإنما كانت جزءاً من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع. كما أنه يوضح أن الدور الأمريكي نفسه تغير، فمن شريك عسكري لقسد خلال الحرب على داعش، أصبحت واشنطن أكثر انخراطاً في إدارة التفاهم بين قسد ودمشق ضمن المشهد السوري الجديد.
لذلك، فإن السؤال اليوم ليس فقط، لماذا لم تحقق قسد والإدارة الذاتية مكاسب سياسية أكبر خلال السنوات الماضية؟ بل أيضاً، هل كانت القيادة الكردية مستعدة بما يكفي لمرحلة يتغير فيها الدور الأمريكي، وتتغير فيها أولويات المنطقة، وتصبح دمشق طرفاً جديداً في المعادلة؟
هنا أعتقد أن النقد الداخلي يصبح ضرورياً. كان من الممكن، وربما كان ينبغي، الانتقال في وقت أبكر من عقلية إدارة الحرب إلى عقلية إدارة السياسة. فالقوة العسكرية وحدها لا تنتج بالضرورة شرعية سياسية، والدعم الخارجي لا يتحول تلقائياً إلى حقوق دستورية أو اعتراف سياسي.
وكان يمكن استثمار سنوات الدعم الدولي في بناء مشروع سياسي أكثر وضوحاً، وتوسيع العلاقات الدولية، وتعزيز الوحدة الكردية، والانفتاح بصورة أكبر على القوى والمكونات السورية الأخرى، بحيث تصبح الإدارة الذاتية جزءاً من مشروع وطني سوري قابل للتفاوض، وليس فقط تجربة محلية مرتبطة بظروف الحرب على داعش.
لكن في المقابل، يجب ألا يتحول النقد إلى جلد للذات. فقد عملت قسد والإدارة الذاتية في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيداً، وكانت تركيا تعارض بشدة أي صيغة تعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، بينما لم تكن واشنطن مستعدة لمنح قسد ضمانة سياسية مفتوحة، ولم يكن هناك توافق دولي على مستقبل شمال وشرق سوريا.
لذلك فإن محدودية المكاسب كانت نتيجة عاملين معاً، قصور أو أخطاء في إدارة الملف السياسي والدبلوماسي من جهة، وقيود حقيقية فرضها ميزان القوى الإقليمي والدولي من جهة أخرى.
كما أن توحيد الصف الكردي السوري كان يمكن أن يكون عامل قوة إضافياً. فكلما ظهرت القضية الكردية بصورة أكثر وحدة، وبمؤسسات سياسية أوسع تمثيلاً، أصبح من الأسهل تقديمها للمجتمع الدولي باعتبارها قضية شعب وحقوق، وليس مجرد ملف مرتبط بقوة عسكرية محددة.
ومن المهم أيضاً التمييز بين قسد والإدارة الذاتية. فقسد تمثل القوة العسكرية التي فرضت نفسها لاعباً أساسياً على الأرض، بينما تمثل الإدارة الذاتية تجربة سياسية ومدنية تحتاج إلى تقديم نفسها بصورة أكثر وضوحاً باعتبارها نموذجاً يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل سوريا، ويضمن حقوق مختلف مكوناتها.
أما مقارنة مظلوم عبدي بأحمد الشرع، فلا أعتقد أنها تقود إلى الإجابة الكاملة. فالشرع استفاد من لحظة دولية وإقليمية جديدة، بينما كانت قسد تتحرك لسنوات في إطار تحالف عسكري محدد مع واشنطن. والفرق بين المسارين لا يمكن تفسيره بشخصية القائد وحدها.
السؤال الأهم اليوم هو، ماذا تعلمت القيادة الكردية من السنوات الماضية؟
فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على ما تحقق في روج آفا، وإنما بناء استراتيجية سياسية جديدة تستفيد من العلاقات الدولية دون الاعتماد عليها، وتعمل على توحيد الصف الكردي، وتطوير العلاقة مع دمشق، والانفتاح على القوى السورية المختلفة، وبناء علاقات متوازنة مع تركيا وأوروبا والولايات المتحدة والدول العربية.
ومن حق شعب "روج آفا" والكرد السوريين أن يطرحوا هذه الأسئلة بصراحة، بعيداً عن التخوين والتقديس. فالمراجعة ليست إدانة للقيادة، كما أن الدفاع عنها لا ينبغي أن يعني تجاهل الأخطاء.
لقد كانت أمام قسد والإدارة الذاتية فرص كبيرة، وبعض هذه الفرص لم يُستثمر بالشكل الكافي. وفي الوقت نفسه، كانت هناك حدود فرضتها ظروف إقليمية ودولية لم يكن بالإمكان تجاوزها بسهولة.
ولعل الدرس الأهم هو أن الدعم الدولي، مهما كان قوياً، لا يكفي وحده لصناعة المكاسب السياسية. المطلوب هو تحويل القوة الموجودة والعلاقات الدولية إلى مشروع سياسي واضح، يحظى بالشرعية الشعبية، ويستطيع أن يكون جزءاً من مستقبل سوريا.
وربما تكون المرحلة الحالية فرصة لإعادة النظر في التجربة كلها، بعيداً عن منطق الدفاع أو الاتهام. فالمطلوب ليس البحث عن مسؤول واحد عن ضياع الفرص، وإنما فهم ما حدث، واستخلاص الدروس، وبناء استراتيجية جديدة أكثر قدرة على التعامل مع عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح بسرعة.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: من نجح ومن فشل؟ وإنما: كيف يستطيع الكرد، بعد كل ما جرى، أن يستفيدوا من دروس الماضي لبناء قوة سياسية ودبلوماسية تجعل حقوقهم جزءاً أساسياً من أي حل مستقبلي في سوريا؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يكون برسم شعب روج آفا والكرد جميعاً.