info@suwar-magazine.org

حنا مينه.. حين قادنا فهد يقظان إلى أدبه

حنا مينه.. حين قادنا فهد يقظان إلى أدبه
Whatsapp
Facebook Share

 

لم يدلّنا أستاذ في الجامعة على حنا مينه، ولم نعرفه من كتاب نقد، ولا من قائمة الكتب التي ينبغي على فتى لم يبلغ العشق بعد، أن يقرأها، أول من دلّنا على الطريق إلى حنا مينه كان عامل رصيف، كان اسمه:

ـ  فهد يقظان.

وكان اسمه الثاني:

ـ الرفيق.

ومع الاسمين، "منجل ومطرقة"، و "ياعمال العالم اتحدوا"، وقامة مرتفعة، تحمل وجهاً أبنوسياً، بجمجمته تبدو لنا، كما لو أنها جمجمة أفريقية هاجرت منذ آلاف السنين واستقرت شرق المتوسط، ثم قررت أن تعمل في الجبال، وأن تحمل الأشياء الثقيلة، وأن تعرف اللغة أكثر مما تعرف الكتب.

 

 

كان فهد يقظان يعرف الكتب، ويحمي عن البحار والمرافئ دون أن يزورها ثم لا يلبث وبلغة آمرة، أن يقول لك:

ـ إقرأ هذا.

ثم لا يقول شيئاً آخر، كأن الأدب شيء يمكن أن ينتقل من يد إلى يد، كما تنتقل قطع خبزه، أو سيجارتة، أو حكاياته.

 

 

منه، أخذنا الطريق إلى حنا مينه، ولم نكن نعرف يومها أننا ندخل، من خلال رجل يعمل في الرصيف، إلى واحد من أكبر عوالم الرواية..  كنا فتياناً صغاراً، وكانت القراءة عندنا تشبه اكتشاف مدينة سرية.

قرأنا حنا مينه، وقرأنا تشيخوف، وقرأنا همنغواي، وقرأنا مكسيم غوركي معه "وأعني مع  الرفيق الأحمر"، كانت الكتب تتجاور في أيدينا بلا نظام نقدي، وبلا خرائط أدبية، لم نكن نعرف لماذا يلتقي تشيخوف بحنا مينه، أو ماذا يفعل همنغواي بجانب غوركي، لكننا كنا نشعر، بالغريزة المتقدّة، وبروح السؤال، أن ثمة شيئاً مشتركاً بين هؤلاء الرجال.. المشترك بينهم أنهم:

 

 ـ يكتبون عن الإنسان حين يكون عارياً أمام الحياة

وكانت تلك أيضاً نشوة اليسار في شبابه، ذلك اليسار الذي كان يبحث عن كتاب كما يبحث عن نافذة.

لم تكن الكتب بالنسبة إلينا زينة ثقافية، كانت طريقاً للخروج من العالم، وطريقاً آخر للعودة إليه، وكنا نريد أن نعرف لماذا يجوع الناس، ولماذا يتمردون، ولماذا ينهزمون، ولماذا يحبون، ولماذا يستطيع رجل فقير أن يحتفظ بكرامته في عالم يريد منه أن ينحني.

 

ولم نكن قد عرفنا بعد جورج أمادو، ولم نكن قد وصلنا إلى أستورياس، ولم يكن اسم غابرييل غارسيا ماركيز قد دخل دفاترنا.

لم نكن نعرف أمريكا اللاتينية التي ستأتي إلينا لاحقاً، بكل ذلك المزيج الساحر من الفقر والأسطورة والسياسة والجسد والبحر والموت، والببغاوات المشوية، وبكل أولئك البشر الذين يمشون على الأرض كأنهم خرجوا لتوهم من حلم طويل، لكن شيئاً من ذلك العالم كان موجوداً، من قِبَل، في حنا مينه:

ـ كان موجوداً في الميناء، في البحارة، في النساء اللواتي يعشن على حافة الحاجة، في الرجال الذين يحملون أجسادهم المتعبة من يوم إلى آخر، وفي تلك الصرخة التي لاتُنسى:

ـ دقّ الأرض ابنة القحبة هذه.. دقّها.

كان موجوداً في ذلك المكان الذي لا يحتاج إلى اختراع الواقعة السحرية، لأن حياتنا نفسها كانت أغرب من السحر وقد أحاط بنا الصقيع في تلك العمارة التي طالما ظننا أنها المركز الدقيق لهذا الكرة الأرضية، والتي تدعى:

ـ صلخد.

ومن بعدها، كبرنا، ومن ثم عرفنا حنا مينا.

 

ولد حنا مينه في اللاذقية عام 1924، في زمن كانت فيه المدينة لا تزال تحمل رائحة البحر والمرفأ، وتختلط في شوارعها لهجات البحارة والتجار والفقراء والمسافرين، عاش طفولة صعبة، وعمل في مهن كثيرة، وعرف الميناء والعمل اليدوي والبحر والصحافة، قبل أن يستقر في دمشق ويصبح واحداً من أبرز الروائيين العرب في القرن العشرين.

 

ولعل هذا هو السر الأول في أدبه:

ـ حنا مينا لم يذهب إلى الناس ليكتب عنهم.. كان واحداً منهم.

لم يكن بحاجة إلى أن يتخيل العامل، كان يعرفه، لم يكن بحاجة إلى أن يخترع البحر، كان قد عاش قريباً منه، لم يكن بحاجة إلى أن يتخيل الميناء، لقد اكلت الموانئ كتفه.

ولهذا حين نقرأه  في رواياته، فلابد أن يمنحنا:

 

رائحة العرق والملح والخشب المبتل والسمك والديزل والسجائر، رائحة الأزقة الفقيرة، ورائحة أجساد الرجال الذين قضوا يومهم في حمل ما لا يستطيعون حمله، ولذلك لم يكن البحر عند حنا مينه مجرد خلفية للمشهد:

ـ كان بطله.

ربما كان أكبر شخصياته، هو:

ـ البحر الذي يغريك بالرحيل، ثم يعاقبك إذا ظننت أنك امتلكته، وهو البحر الذي يمنح البحار خبزه، ثم يضع الموت أمامه في اللحظة نفسها، وهو البحر الذي يجعل الشجاعة شيئاً عملياً، لا شعاراً،

 

ومن هنا جاءت "الياطر" و "الشراع والعاصفة"، ومن هنا جاء عالمه البحري، وقد حمّله السفينة التي طالما قاومت الغرق، لكن حنا مينا لم يكن روائي البحر وحده، كان روائي الإنسان الذي تصنعه الطوفانات ولا يستسلم لها، ولهذا بقي بطله في "نهاية رجل شجاع"، لم يكن بالنسبة إلينا مجرد شخصية روائية، كان واحداً من أولئك الرجال الذين كنا نراهم حولنا، ونسمع أصواتهم، ونرى القوة في أجسادهم، ونعتقد أن القوة تكفي لكي ينتصر الإنسان، ونكتشف أن الأمر أكثر تعقيداً وقد كبرنا بما يكفي لنعرف أن الحياة أقوى من أبطالنا.

 

 

وهنا تكمن عظمة أبطال حنا مينا: أنها لا تمنحك بطلاً من ورق، وإنما تمنحك إنساناً يصطدم بالعالم، ويخسر أحياناً، وينتصر أحياناً، ويترك فينا شيئاً من عناده.

حين نعود اليوم إلى حنا مينه، بعد كل هذه السنوات، لا نقرأ الروايات نفسها، نحن الذين تغيرنا، الكتب بقيت في أماكنها، لكن أعمارنا صارت جزءاً من قراءتها، فحين قرأنا "بقايا صور"، ربما رأينا فيها الحكاية، اليوم نرى الذاكرة، وحين قرأنا "الشراع والعاصفة"، رأينا المغامرة، واليوم نرى الإنسان وهو يقف عارياً أمام قوة أكبر منه.

 

اقرأ أيضاً:

                 

                        أبو حالوب... ساعي بريد المنافي

                           السيدة.. تمرين على النجاة

 

 

اليوم ربما نسأل:

ـ من أين جاءت هذه القسوة؟ ومن أين جاءت حاجة ذاك البطل إلى إثبات رجولته؟ وما الذي يصنع الرجل الذي لا يعرف كيف يكون قوياً إلا إذا كان قادراً على كسر شيء؟

هكذا تفعل الرواية الكبيرة، لا تتغير هي، نحن الذين نصبح قادرين على قراءتها.

 

حنا مينا ابن اليسار أيضاً، وهذه حقيقة لا ينبغي أن نخفيها ولا أن نجعلها صنماً، كان مؤمناً بالعدالة الاجتماعية، وبالناس الذين يعملون بأيديهم، وبحق الفقراء في حياة أكثر كرامة، وكان واضحاً في انحيازه،  لكن قيمة الأدب لا تأتي من صحة عقيدته السياسية، قيمة الأدب تأتي من اللحظة التي يتجاوز فيها الإنسان العقيدة التي أراد الكاتب أن يضعه داخلها، وهذا ما فعله حنا مينا في أفضل أعماله:

ـ لقد كتب عن البشر.

وحين ينجح الروائي في ذلك، يصبح أوسع من زمنه السياسي، لهذا نستطيع اليوم أن نقرأ حنا مينا خارج اليسار الذي أحبّه وخرج منه، كما نستطيع أن نقرأ غوركي خارج الثورة الروسية، وهمنغواي خارج الحرب، وتشيخوف خارج روسيا القيصرية، فالأدب الكبير لا يبقى لأن أفكاره السياسية بقيت:

ـ يبقى لأن بشره بقوا.

 

 

وأظن أن هذا ما يجعل حنا مينه قريباً من أدب أمريكا اللاتينية الذي عرفناه بعد ذلك، حين جاء أمادو إلينا لاحقاً، لم نشعر أننا نلتقي عالماً غريباً تماماً، كان هناك شيء مألوف، الفقراء الذين يحملون أحلامهم على أكتافهم، الموانئ التي لا تنام، النساء اللواتي يعشن بين الرغبة والجوع، والرجال الذين يشبهون البحر:

ـ قساة من الخارج، ومليؤون بالأسرار.  

جاء ماركيز، فجعل القرية أسطورة، وجاء أستورياس، فجعل الأرض تتكلم، لكننا، قبل كل ذلك، كنا قد عرفنا أن المكان يمكن أن يصبح كوناً روائياً.. عرفنا ذلك مع حنا مينه، وهذا ليس أمراً صغيراً، لأن الرواية العربية كانت تحتاج إلى أن تقول إن الفقراء ليسوا موضوعاً للرواية فقط:

ـ إنهم أيضاً أصحاب الرواية.

 

 

ولعل أبدع ما في حنا مينه أن سيرته نفسها تصلح لأن تكون رواية، ذلك الفتى القادم من الفقر، العامل، الحمال، البحار، الحلاق، والصحفي، والكاتب الذي حمل بحره معه إلى العاصمة.

ـ حنا مينا:

الروائي الذي كتب عشرات الروايات، وترك وراءه عالماً واسعاً من الشخصيات والأمكنة، كما لو أن حياته كانت تقول الشيء الذي قالته رواياته:

ـ الإنسان لا يبدأ من المكان الذي يريد أن يصل إليه، يبدأ من المكان الذي وضعته فيه الحياة، ثم يحاول، بما لديه من إرادة، أن يصنع قدَره.

 

رحل حنا مينا في دمشق في 21 آب 2018، عن أربعة وتسعين عاماً، وفي مثل هذا اليوم، لا أشعر أننا نستعيد سيرة روائي مات، أشعر أننا نستعيد جزءاً من طفولتنا:

ـ فهد يقظان، يقف في مكان ما من الذاكرة.

أراه يشير بيده إلى كتاب، يقول لنا:

ـ اقرأوا حنا مينه.

ثم يمضي إلى عمله، وربما لم يكن يعرف أنه، حين أعطانا ذلك الكتاب، لم يكن يعطينا رواية واحدة، كان يعطينا مفتاحاً، فتحنا به باب حنا مينه، ومن بوابة حنا مينه دخلنا إلى تشيخوف، وإلى غوركي، وإلى همنغواي، ثم إلى عوالم أخرى.

 

 

بعد سنوات عرفنا أمادو، وعرفنا أستورياس، وعرفنا ماركيز، لكن الطريق الأول بقي هناك، على الرصيف، عند رجل يرصف الحصى بيديه، وفتيان صغار يحملون كتاباً،

وهذا، ربما، هو أبدع ما يمكن أن يحدث للأدب:

ـ أن لا يأتيك من فوق، من مؤسسة أو جامعة أو ناقد، وإنما يأتيك من رجل يقف على الرصيف، يضع كتاباً في يدك، ثم يتركك تذهب لتكتشف العالم.

لهذا، حين أقول حنا مينه، لا أقول فقط:

ـ روائي سوري كبير.

أقول:

ـ كان واحداً من الذين صنعوا قارئنا الأول.

ولهذا نحن لا نكتب عنه اليوم كي نضع اسمه في مكانه من تاريخ الرواية، نكتب عنه كي نقول له، متأخرين جداً:

ـ شكراً يا حنا مينه.

شكراً لأنك تركت لنا البحر، وتركت لنا أولئك الرجال الذين خرجوا من العتمة وصاروا أبطالاً.. وتركت لنا نساءك، وفقراؤك، وبحارتك، ومتمردوك، وأولئك الذين ظلوا يحاولون، رغم كل شيء، أن يحتفظوا بكرامتهم.

وشكراً لأنك كنت هناك، في السنوات التي كنا فيها صغاراً، حين لم نكن نعرف بعد أن الكتاب الذي نفتحه يمكن أن يغيّر شكل العالم.

 

 

أما فهد يقظان، ذلك الرجل الذي دلّنا عليك، فله أيضاً نصيبه من الشكر، فبعض الناس لا يكتبون الكتب، لكنهم يعرفون إلى أي كتاب ينبغي أن يقودونك لتقرأ.

ـ ثانية شكراً يا "الرفيق الأحمر"، شكراً  فهد يقظان.

ثمة من قال لي أنك "رحلت".

وها أنذا أشكرك، وعلى الدوام أعرف أنني لا آتي إلاّ متأخراً.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard