السويداء تختبر الأمم المتحدة... هل بقي للقانون الدولي ما يتجاوز الورق؟

نداء حقوقي وإعلامي عاجل بشأن حرمان طلاب السويداء من حقهم في الامتحانات الرسمية
ليست قضية طلاب السويداء مجرد خلاف إداري حول مراكز امتحانية، ولا مشكلة تعليمية يمكن تجاوزها بقرار من مديرية تربية أو بتعميم يعيد الطلاب إلى مقاعدهم. إنها قضية حق أساسي، تتعلق بمستقبل آلاف الطلاب، وبمسؤولية السلطات المعنية عن ضمان وصولهم الآمن والعادل إلى الامتحانات الرسمية، كما تتعلق بمسؤولية المؤسسات الدولية حين تُخاطَب مسبقاً بشأن خطر يهدد هذا الحق، ثم لا تظهر استجابة فعالة تمنع وقوع الضرر أو تعالج نتائجه.
ما جرى، وفق المراسلات القانونية الصادرة عن الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز ومكتبها القانوني، لا يمكن فصله عن الظروف الأمنية والإنسانية التي عاشتها السويداء، ولا عن آثار أحداث العنف التي شهدتها المحافظة في تموز/يوليو 2025. فالطلاب الذين كان يفترض أن ينشغلوا بالتحضير لامتحانات تحدد مسارهم التعليمي، وجدوا أنفسهم أمام ترتيبات امتحانية أثارت مخاوف جدية على سلامتهم، وفرضت عليهم أعباء جغرافية واقتصادية ونفسية لا يجوز التعامل معها بوصفها تفصيلاً ثانوياً.
التحذير الذي سبق الضرر
في 30 حزيران/يونيو 2026، وجّهت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز مذكرة قانونية عاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، طالبت فيها بالتدخل لحماية حق طلاب السويداء في التعليم، وتمكينهم من تقديم امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية في مراكز آمنة داخل المحافظة، مع توفير إشراف مستقل وضمان الاعتراف بنتائجهم وشهاداتهم.
وقدّرت المذكرة عدد الطلاب المتضررين بنحو 13,500 طالب، وأشارت إلى أن أكثر من 95 في المئة من الطلاب المعنيين حُرموا، وفق تقديرها، من فرصة التقدم للامتحانات في دورة عام 2026. كما عرضت الأسباب الأمنية والمعيشية التي جعلت انتقال الطلاب إلى مراكز خارج السويداء خياراً محفوفاً بالمخاطر أو متعذراً على كثير من الأسر.
لم تكن المطالبة، بحسب المذكرة، مجرد اعتراض على مكان الامتحان. فقد أكدت أن مديرية التربية في السويداء كانت قد أعدّت مدارس وكوادر وإمكانات لوجستية تسمح بإجراء الامتحانات داخل المحافظة، وأبدت استعدادها لتسهيل وجود مراقبين مستقلين أو دوليين. وبذلك، كانت المطالبة تتضمن بديلاً عملياً، لا مجرد تشخيص للمشكلة.
ثم جاءت مذكرة قانونية متابعة بتاريخ 27 آب/أغسطس 2026، أعادت طرح القضية في ضوء ما جرى، وأشارت إلى أن الترتيبات التي أُعلنت لدورة استثنائية لم تضع حداً لمخاوف الطلاب وأسرهم. ووفق هذه المذكرة، بقيت ترتيبات الوصول إلى مراكز الامتحان، وما ارتبط بها من مخاطر وأعباء، عقبة أمام ممارسة الحق في الامتحان بصورة آمنة.
وهنا يبرز السؤال الأول: إذا كانت الجهات المعنية قد أُبلغت بالمشكلة قبل الامتحانات، وإذا كان البديل المحلي قد طُرح بوضوح، فما التدابير التي اتُّخذت لمنع حرمان الطلاب من حقهم؟ وما الذي فعلته الجهات الدولية المعنية بالتعليم وحماية الأطفال بعد توجيه هذه المطالب إليها؟
اقرأ أيضاً:
حين يتحول الحرمان من الامتحان إلى قرار إداري
لم تتوقف القضية عند ترتيبات الامتحانات. فقد وصل إلينا تعميم صادر عن مديرية التربية والتعليم في السويداء، موجّه إلى مديري مدارس التعليم الأساسي ـ الحلقة الثانية، يطلب استقبال تلاميذ الصف التاسع الأساسي الذين كانوا مسجلين في العام الدراسي 2025–2026، وإعادتهم إلى الدوام في صفوف التاسع خلال العام الدراسي 2026–2027، مع مطالبة المدارس بإبلاغ المديرية إذا تعذّر عليها استيعابهم.
إن أهمية هذا التعميم لا تكمن في كونه إجراءً مدرسياً عادياً، بل في دلالته على النتيجة التي انتهى إليها وضع هؤلاء الطلاب. فبدلاً من معالجة حرمانهم من فرصة التقدم للامتحان، وتأمين مسار واضح وعادل لاستكمال استحقاقهم التعليمي، يجد تلاميذ الصف التاسع أنفسهم أمام العودة إلى الصف نفسه في العام التالي.
وبحسب ما أُبلغنا به، جاء هذا الإجراء في إطار توجيهات المحافظ المعيّن من سلطات دمشق، وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم. أما التعميم نفسه، فيوثّق طلب إعادة استقبال التلاميذ في صفوف التاسع. ومن المهم أن تكون هناك إجابة رسمية واضحة عن الأساس الذي بُني عليه هذا القرار، وعن مصير حق هؤلاء الطلاب في الامتحان والشهادة.
ليس من العدل أن يتحمل الطالب تبعات ترتيبات لم يكن مسؤولاً عنها، ثم يُعامل وضعه التعليمي كما لو أن تعذّر تقدمه للامتحان كان إخفاقاً منه. فالامتحان ليس امتيازاً تمنحه السلطة متى شاءت، ولا مكافأة على الولاء أو الطاعة؛ إنه استحقاق تعليمي يجب أن تتاح ممارسته على نحو آمن وعادل، وفق قواعد واضحة لا تميّز بين الطلاب بسبب مكان إقامتهم أو الظروف التي يعيشونها.
وإذا كان القرار الإداري يعيد التلاميذ إلى صفوفهم من دون معالجة أصل المشكلة، فإن أثر الحرمان لا يبقى محصوراً في يوم امتحاني ضائع. إنه يمتد إلى سنة دراسية أخرى، وإلى مستقبل الطالب، وإلى الأسرة التي تتحمل كلفة الانتظار والقلق، وإلى الثقة في عدالة المؤسسة التعليمية نفسها.
حق التعليم ليس نصاً معلّقاً على الجدار
ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في مادته السادسة والعشرين، على الحق في التعليم. وتؤكد اتفاقية حقوق الطفل، في مادتها الثامنة والعشرين، حق الطفل في التعليم، بما يشمل إتاحة التعليم الثانوي وجعله متاحاً لكل طفل على أساس تكافؤ الفرص. كما دعا قرار مجلس الأمن رقم 2601 لعام 2021 جميع أطراف النزاعات إلى صون الحق في التعليم وحمايته واحترامه وتعزيزه، بما في ذلك في حالات النزاع المسلح.
هذه المبادئ لا تعني أن كل خلاف إداري حول الامتحانات يشكّل تلقائياً انتهاكاً محدداً للقانون الدولي؛ لكنها تعني أن سلامة الأطفال، وإمكانية وصولهم إلى التعليم والامتحانات، وعدم التمييز بينهم، ليست مسائل هامشية يجوز تجاهلها عند وضع الترتيبات الرسمية.
وحين تُطرح مخاوف جدية تتعلق بسلامة الطلاب، ويُقدَّم بديل محلي قابل للتنفيذ، ثم يُترك الطلاب أمام خيار محفوف بالمخاطر أو أمام فقدان فرصة الامتحان، يصبح من الضروري إخضاع تلك الترتيبات للمراجعة والمساءلة.
إن حرمان الطلاب من الامتحان، في ظروف كهذه، لا يمكن تبريره بمجرد وجود قرار إداري أو إعلان عن دورة استثنائية. فالمعيار الحقيقي ليس أن تقول الجهة المعنية إنها أتاحت الامتحان، بل أن يكون الامتحان متاحاً فعلياً، وأن يستطيع الطلاب الوصول إليه من دون تعريض سلامتهم للخطر أو تحميل أسرهم أعباءً لا تستطيع تحملها.
أين الأمم المتحدة واليونسكو؟
هنا تنتقل القضية من مسؤولية الجهات المحلية المعنية إلى سؤال دولي لا يقل أهمية.
لقد وجّهت الرئاسة الروحية مراسلة عاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة قبل الامتحانات، ثم عادت بمذكرة متابعة في آب/أغسطس. وتقول الجهة صاحبة المراسلات إن مطالبها لم تقابل باستجابة فعالة تعالج المشكلة أو تحمي الطلاب من نتائجها. كما لم يظهر، وفق المعلومات المتاحة للحملة، إجراء معلن من اليونسكو يضع حداً لهذه القضية.
نحن لا نطالب الأمم المتحدة بأن تحل محل السلطات التعليمية في إدارة المدارس، ولا بأن تتولى بنفسها تنظيم كل امتحان. لكننا نطالبها بأن تشرح ما فعلته حيال نداء محدد يتعلق بحق التعليم وسلامة الأطفال، وأن توضح ما إذا كانت المراسلات قد أُحيلت إلى الجهات المختصة، وما إذا جرى تقييم المخاطر، وما الخطوات التي يمكن اتخاذها لمعالجة الضرر الواقع.
أما اليونسكو، التي يشكل الحق في التعليم جزءاً أساسياً من رسالتها، فعليها أن توضح ما إذا كانت قد تابعت القضية، وما الإجراءات التي تستطيع اتخاذها لدعم حق الطلاب في امتحانات آمنة وعادلة، ولحماية حقوقهم في نتائج وشهادات معترف بها.
إننا ندرك أن مجرد إرسال رسالة لا يثبت وحده أن الجهة المرسلة إليها قد تسلمتها أو اطلعت عليها. ولهذا نطالب أيضاً بتأكيد رسمي بشأن وصول المراسلات ومآلها. لكن غياب هذا التأكيد لا يلغي واجب التعامل الجدي مع القضية، ولا يعفي الجهات المعنية من تقديم إجابة واضحة حين تُعرض عليها وثائق محددة ومطالب قابلة للمعالجة.
إن الصمت، إذا استمر بعد وصول القضية إلى الجهات المختصة وثبوت علمها بها، لا يعود مجرد نقص في التواصل. إنه يثير سؤالاً عن معنى الحماية الدولية، وعن الفجوة بين الالتزامات المعلنة والحقوق التي يحتاج أصحابها إلى من يحميها بالفعل.
ما الذي نطالب به؟
نطالب السلطات التعليمية المعنية بتوضيح الأساس القانوني والإداري لإعادة تلاميذ الصف التاسع إلى صفوفهم، وباتخاذ تدابير عاجلة تعالج وضع الطلاب الذين حُرموا من فرصة التقدم للامتحانات، بدلاً من تحميلهم تبعات ترتيبات لم يكونوا مسؤولين عنها.
ونطالب بإتاحة امتحانات آمنة وعادلة داخل محافظة السويداء، في مراكز مناسبة وتحت إشراف مستقل يمكن الاتفاق عليه، بما يضمن سلامة الطلاب وتكافؤ الفرص بينهم.
كما نطالب بحماية السجلات والنتائج والحقوق التعليمية للطلاب المتضررين، وبوضع آلية واضحة لمعالجة أوضاعهم والاعتراف بالشهادات المستحقة، بما يشمل الحالات المتضررة من دورة عام 2025 التي أثارتها المراسلات القانونية.
ونطالب الأمين العام للأمم المتحدة والجهات المختصة في المنظمة بتأكيد استلام المراسلات، وتوضيح كيفية التعامل معها، وبيان ما إذا كانت القضية قد أُدرجت في آليات المتابعة المعنية بحقوق الإنسان والتعليم وحماية الأطفال.
ونطالب اليونسكو بتوضيح موقفها والإجراءات التي اتخذتها أو تستطيع اتخاذها، بالتنسيق مع الجهات المعنية، لضمان ألا يتحول الحرمان من الامتحان إلى حرمان طويل الأمد من التعليم والشهادة والمستقبل.
وأخيراً، ندعو المنظمات الحقوقية والتربوية ووسائل الإعلام العربية والدولية إلى متابعة هذه القضية، ونشر الوثائق ذات الصلة، وإتاحة المجال أمام الطلاب وأسرهم لعرض تجاربهم، بعيداً عن التسييس الذي يحجب الحقائق أو عن الصمت الذي يترك المتضررين وحدهم.
السويداء تختبر الأمم المتحدة
إن القضية المطروحة اليوم ليست امتحاناً لطلاب السويداء وحدهم. إنها اختبار لمعنى الحق في التعليم حين يصطدم بالواقع الأمني والسياسي، واختبار لمدى قدرة المؤسسات الدولية على تحويل المبادئ التي تعلنها إلى حماية ملموسة لمن يحتاجون إليها.
الطالب الذي يُحرم من امتحانه لا يستطيع أن ينتظر سنوات حتى تتضح المواقف السياسية أو تُستكمل المراسلات بين المؤسسات. إنه يحتاج إلى حل الآن: فرصة عادلة للامتحان، وسجل تعليمي محفوظ، وشهادة لا تضيع، ومستقبل لا يُختزل في قرار إداري.
لقد وُضعت القضية أمام الأمم المتحدة، وفق المراسلات التي أعدّتها الرئاسة الروحية. وصدر تعميم إداري يعيد تلاميذ الصف التاسع إلى صفوفهم في العام التالي. وبين الوثيقتين، تتحدد مسؤولية الجهات المعنية في الإجابة عن سؤال بسيط وواضح: ماذا سيحدث لهؤلاء الطلاب؟
نحن لا نطلب امتيازاً للسويداء، ولا استثناءً من القانون. نطالب بتطبيق المبادئ التي تعلنها المؤسسات الدولية نفسها، وبمعالجة عادلة لحرمان طلاب من حقهم في الامتحان، وبإجابة رسمية عن مراسلات لم يظهر، حتى الآن، أنها أنتجت حماية فعالة.
إذا كان القانون الدولي لا يستطيع أن يحمي حق طفل في الوصول إلى امتحانه، فما الذي يبقى من هذا القانون حين يحتاج إليه الناس؟
السويداء لا تختبر الكلمات التي تكتبها الأمم المتحدة في وثائقها، بل تختبر قدرتها على جعل تلك الكلمات ذات معنى في حياة الطلاب.