علاقة الكرد بالفن في العصر الحديث: بين الذاكرة والهوية وآفاق التجديد

*الصورة الرئيسية من أعمال المصور الصحفي رودي تعلو
من الذاكرة الثقافية والأشكال الفلكلورية إلى الرسم المعاصر والتصوير الفوتوغرافي، وصولاً إلى الفنون التركيبية والمفاهيمية والفن الرقمي.
جذور اللغة البصرية في المجتمعات الكردية التقليدية
قبل ظهور الرسم الحديث بمفاهيمه الأوروبية بوقت طويل، امتلكت المجتمعات الكردية المتوزعة على جغرافيا واسعة ومقسمة سياسياً تقاليد بصرية غنية ومتنوعة، لا يزال الكثير منها ممارساً حتى يومنا هذا. وتتجلى هذه التقاليد في فنون صناعة السجاد والبسط المنسوجة يدوياً والتطريز، ولا سيما السجاد "اللوري" المشهور عالمياً، بالإضافة إلى الأزياء المتنوعة بألوانها وتصاميمها، والحلي والأعمال المعدنية، والوشم الذي حمل رموزاً دينية وعشائرية. كما تظهر هذه البصمة في نماذج العمارة والخطوط والزخارف التي لا تزال شاخصة في مدن كردية مثل ديار بكر (آمد)، وأربيل (هولير)، وحصن كيف في باطمان، و طاق بستان في كرمانشاه ...الخ.
لم تكن هذه التقاليد بالضرورة "فنوناً تشكيلية" بالمعنى الأكاديمي الحديث، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية والثقافة الجماعية. ومع ذلك، فقد أسهمت في تكوين "مفردات بصرية" استطاعت أجيال لاحقة من الفنانين التشكيليين والنحاتين الكرد إعادة اكتشافها وتأويلها، وتطويرها في أعمالهم الفنية؛ حيث ظهرت الأشكال الهندسية والرموز الفلكلورية، كالحيوانات والأزياء التقليدية والزخارف، في إنتاجات فنية معاصرة متعددة.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين التراث والحداثة بوصفها صراعاً بين عالمين متناقضين؛ فالتراث بالنسبة للكثير من الفنانين هو مادة حية للتجريب والابتكار. فقد تتحول الزخرفة التقليدية إلى تكوين تجريدي، ويصبح السجاد ذاكرة بصرية، والخط حركة تعبيرية، فيما يتحول "الجبل" من مجرد منظر طبيعي إلى رمز نفسي ووجداني. في هذه العملية، لا يختفي الماضي، بل يُستعاد ويُصاغ في صورة معاصرة.
بدايات الحداثة عند الفنانين التشكيلين الكرد
نظراً لعدم استقرار الوضع السياسي الكردي في الدول التي تتقاسم جغرافيتها، تفتقر هذه المرحلة إلى مصادر مدونة بدقة، إلا أن الحداثة تبلورت تدريجياً، وخصوصاً في منتصف القرن العشرين، مع تباين في التوقيت بين أجزاء كردستان المختلفة.
ويقدم تطور الفن الحديث في كردستان العراق مثالاً جلياً على هذا التحول؛ حيث شهدت المنطقة انتقالاً من الممارسات الشعبية التقليدية إلى أساليب مرتبطة بالتعليم الأكاديمي والاتجاهات الفنية الحديثة. ولم يحدث هذا التحول بمعزل عن المحيط الثقافي، بل كان نتيجة تفاعل عدة عوامل: الاحتكاك بالفنون الأوروبية والأميركية الحديثة، الدراسة في المؤسسات الفنية ببغداد، وإعادة اكتشاف العناصر البصرية المستمدة من الثقافة الكردية.
لقد كان التعليم الفني عاملاً محورياً؛ حيث تعرف الفنانون الذين درسوا في بغداد على تجارب الحداثة التشكيلية العراقية، وأفكار التكوين والتجريد والتعبير، ثم نقلوا هذه الخبرات إلى مناطقهم، مما أثر في أجيال لاحقة. كما وُجدت تجارب فردية في تركيا وإيران وسوريا، لكنها للأسف لم تُدرس بشكل جدي، أو صُنفت ضمن هويات وطنية أخرى متجاهلة خلفيتها الكردية.
إجمالاً، يمكن القول إن جذور الحداثة التشكيلية الكردية تعود إلى منتصف القرن العشرين، بينما تبلور المشهد المعاصر وانتشر دولياً بصورة أوضح منذ التسعينيات والألفينيات، مع انتقال لافت من التمثيل المباشر إلى التعبير الرمزي والتجريدي وصولاً إلى المفاهيم التركيبية البصرية المعاصرة.
اقرأ أيضاً:
التنوّع الموسيقي في سوريا يُجسّد غِنى المجتمع وتعدّد هويّاته الثقافية
الفن والهوية والذاكرة
لا تُعد الهوية بالنسبة للفنان الكردي مفهوماً بسيطاً أو أحادي المعنى، نظراً للظروف السياسية المعقدة والتركيبة الاجتماعية المتشابكة. فوجود الكرد في جغرافيا مقسمة بين تركيا والعراق وإيران وسوريا، فضلاً عن الجاليات الواسعة في المهجر، يجعل من المستحيل اختزال "الفن الكردي" في تجربة جغرافية واحدة أو سياق سياسي أو مؤسسة بعينها.
ينعكس هذا التنوع على الفن المعاصر؛ فالفنان في السليمانية قد يختبر هويته بطريقة تختلف عن فنان في أمد (دياربكر)، بينما يتعامل الفنان المولود في أوروبا مع تراثه بصورة مختلفة عن فنان نشأ في قرية كردية. ويضيف الاغتراب بُعداً آخر لهذه العلاقة؛ إذ تتحول الذاكرة البصرية لدى فنان المهجر إلى "مكان بديل" ومادة غنية للإنتاج، حيث لا يعود الوطن مجرد مساحة جغرافية، بل مجموعة من المشاهد المحفوظة، والحكايات العائلية، واللغة، والموسيقى، وصور الطفولة.
في هذا السياق، يصبح الفن تعبيراً فردياً عميقاً لاستعادة ما غاب، أو إعادة بناء العلاقة مع المكان والهوية، أو تحوير هذه الذاكرة إلى هواجس وتعبيرات إبداعية خاصة. واستعادة الذاكرة هنا لا تعني إعادة إنتاج الماضي كما كان، بل القدرة على إعادة تركيب الذكريات، أو التشكيك فيها، أو تحويلها إلى تجربة بصرية جديدة تماماً.
المرأة والصورة الكردية المتحولة
تحتل المرأة مكانة مركزية في الثقافة البصرية الكردية، سواء كموضوع فني أو كفنانة تسهم في صياغة سرديتها الخاصة. فقد ظهرت في الرسم والتصوير بأدوار متعددة: الأم، العاملة، الموسيقية، المرأة الريفية، المقاتلة، المنفية، الناجية، والرمز الجماعي.
لكن التحول الجوهري في الفن المعاصر يكمن في انتقال المرأة من كونها "موضوعاً تشكيليا" إلى كونها "صاحبة الرؤية والقرار الفني". فقد اتجهت العديد من الفنانات الكرديات إلى تناول قضايا الهوية، والذاكرة، والعنف، والأمومة، والحرية الشخصية، مستخدمات الرسم والنحت وفنون التركيب والمفاهيمية، بعيداً عن التوثيق المباشر.
حين تتحول الموسيقى إلى لون وشكل
تتميز الثقافة الكردية بعلاقة وثيقة بين التعبير البصري والتراث الشفهي؛ فقد حافظ الشعر والأغاني الشعبية والسرديات الملحمية وتقاليد "الدنگبيج" على الذاكرة الثقافية عبر الأجيال. وقبل أن تصل هذه الحكايات إلى الكتب والمتاحف، كانت الأصوات هي التي تحملها.
لذا، لا يمكن فهم "الفن الكردي" المعاصر من خلال التقاليد البصرية وحدها، بل يجب الالتفات إلى عالم الصوت ودلالاته.
قد يترجم الرسام-التشكيلي او النحات البنية العاطفية لأغنية قديمة إلى ألوان و اشكال، أو يحول إيقاع اللحن إلى إيقاع تكويني، أو يغدو البيت الشعري نقطة انطلاق لعمل بصري. هنا، لا تكون اللوحة مجرد توضيح للأغنية، بل ترجمة لتجربتها الشعورية، ومحاولة لنقل "المسموع" إلى "مرئي"، وتحويل الذاكرة الصوتية إلى ذاكرة بصرية.

فنان بلا حدود: الاغتراب والهوية المتحركة
يعيش الفنان الكردي في القرن الحادي والعشرين، في كثير من الحالات، بين ثقافات متعددة، حيث أصبحت مدن مثل برلين واشنطن وباريس ولندن وستوكهولم وأمستردام وبرشلونة ...الخ بيئات عمل وإقامة لهم.
لا يغير الانتقال الجغرافي مكان الإقامة فحسب، بل يغير طبيعة العلاقة بالذاكرة ومصادر الإلهام. فالفنان المغترب لا يترك ثقافته خلفه، بل قد تصبح عناصرها أكثر حضوراً بسبب المسافة. وفي الوقت ذاته، يشارك هؤلاء الفنانون في الحوارات الفنية العالمية، مما يطرح تساؤلاً: إلى أي مدى يجب أن يكون العمل "كردياً" حتى يُصنف كذلك؟
هل يشترط وجود رموز واضحة، أو استخدام اللغة الكردية، أو تصوير المناظر الطبيعية في كردستان؟ أم يمكن للوحة تجريدية أنجزها فنان كردي في أوروبا أن تكون جزءاً من الفن الكردي بناءً على الخبرات والحساسيات التي شكلتها؟ لا توجد إجابة واحدة، لأن الهوية الفنية لا تتحدد بما يظهر على سطح اللوحة فحسب، بل بالتجربة التي أنتجتها وبطريقة نظر الفنان إلى العالم.
ما وراء السياسة
لا يمكن إنكار أن التاريخ السياسي ترك أثراً عميقاً في "الفن الكردي"، حيث تناولت أعمال معاصرة موضوعات التهجير والمنفى والبقاء الثقافي. لكن اختزال "الفن الكردي" في "التمثيل السياسي" يفرض عليه حدوداً ضيقة، حتى لو كان الهدف إبراز المعاناة.
النقطة الأساسية في تطور "الفن الكردي" المعاصر هي أن الفنان ليس مطلوباً منه أن يكون مؤرخاً أو شاهداً سياسياً أو ممثلاً رسمياً لشعبه في كل عمل ينجزه؛ بل من حقه أن يكون فناناً بكل ما تحمله الكلمة من حرية واستقلال وتجريب.
جيل جديد وآفاق متجددة
شهد القرن الحادي والعشرون توسعاً في الإمكانات؛ فتطورت المؤسسات الثقافية والمعارض داخل كردستان، وازدادت مشاركات فناني المهجر في الفعاليات الدولية. ويشمل "الفن الكردي" اليوم الرسم، التصوير الفوتوغرافي، النحت، فنون التركيب، الفيديو، الأداء الفني، والوسائط الرقمية.
والملاحظ هو انخراط هذه التجارب في النشاطات الفنية المعاصرة (ورش عمل، أبحاث، ونقاشات) ضمن سياق الفن الدولي، بدلاً من التعامل معها كظاهرة محلية- إقليمية معزولة.
يقف الفنان الكردي المعاصر اليوم عند تقاطع الذاكرة والخيال، والتراث والتجريب، والوطن والمهجر. ولعل أهم تحول في تجارب الفنانين اليوم هو تجاوز السؤال التقليدي عن الهوية "من نحن؟" بأبعاده السياسية، نحو ديناميكية الخوض في تجارب ذاتية متفردة ومنفتحة على الآخر بشكل تجريبي معاصر، دون الانسلاخ عن الهوية الثقافية والاجتماعية.
بهذه المحاولات، نكون أمام أفق فنية أكبر؛ أفق لا تقتصر فيه مهمة الفن على حفظ ما مضى، بل تمتد لابتكار صور جديدة للعالم. إن مستقبل هذا الفن لا يتوقف على تذكّر ما فُقد فحسب، بل يتصل بالقدرة على تخيّل ما لم يُخلق بعد، ليحول الذاكرة إلى إبداع، والهوية إلى أفق مفتوح يخاطب "الآخر" أينما كان.
*لقمان أحمد : فنان تشكيلي كردي -امريكي مقيم في برشلونة