info@suwar-magazine.org

الوطن بين الميثاق والخيانة... في الذكرى السنوية الأولى لمجزرة السويداء

الوطن بين الميثاق والخيانة... في الذكرى السنوية الأولى لمجزرة السويداء
Whatsapp
Facebook Share

*اللوحة الرئيسية من أعمال الفنان نزير نبعة

 

مقاربة فكرية سياسية في الهوية والمواطنة والوطنية، وفي شروط انهيار العقد الاجتماعي

 

 

مقدمة

 

قد يبدو بشكل عام أن مفردات من قبيل "الوطن" و"المواطنة" و"الوطنية" و"الخيانة" هي مفردات مألوفة يستخدمها الناس يوميا دون تدقيق كبير في معانيها، إلا أن هذا الاستخدام العفوي يخفي تحته بنية مفاهيمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الفلسفة السياسية بعلم الاجتماع، والقانون بالأخلاق، والعاطفة بالعقل.

 

 

وهذا المقال هو محاولة لتفكيك هذه المفاهيم وإعادة تركيبها في نسق متكامل، ينتهي إلى سؤال أشد حساسية: ماذا يحدث حين تنقلب جهة أو جماعة داخل الوطن الواحد على الميثاق" الذي يجمعها بغيرها، فتستأثر بالوطن لنفسها وتُقصي شركاءها، بل وقد تذهب في ذلك إلى حد العنف والجريمة المنظمة؟ ومن يكون الخائن حينئذ؟ ومتى يسقط الالتزام الأخلاقي تجاه الوطن عن الطرف المُستهدَف؟

 

هذا المقال يتحرك على مستوى التنظير الفلسفي والسياسي العام، فالمفاهيم التي يناقشها -الوطن، المواطنة، الخيانة، حدود الشرعية، حق الدفاع عن الوجود- هي مفاهيم عابرة للحالات، وقد طرحها مفكرون كثر عبر التاريخ، وهي لا تنحصر في مستوى وصف حالة بعينها أو الحكم على وقائع محددة.

ومن هنا، تصبح محاكمة أية حالةٍ محددةٍ عمليةً مؤطرة بمعايير عالمية عامة موضوعية، وليس مشكلة خاصة يمكن أن يكثر فيها الجدل والاختلاف.

 

 

أولا: ما هو الوطن؟

 

الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية تحدها خطوط على خريطة، بل هو مفهوم مركّب يتقاطع فيه الوجدان والاجتماع والزمان والمكان، ويمكن تفكيكه إلى أربعة مستويات متكاملة.

 

المستوى الأول هو الوطن كمساحة للانتماء: إنه الأرض التي وُلد عليها الإنسان، وتوفر له الحماية والموارد والبنية التي تشكّل نمط حياته، وتربطه بجماعة تتشارك لغة واحدة وتاريخا مشتركا ومصيرا سياسيا واجتماعيا واحدا.

 

 

المستوى الثاني هو الوطن كذاكرة: فهو مخزن للذكريات الجماعية والفردية، الأماكن التي تحمل رائحة الطفولة، والشوارع التي شهدت الخطوات الأولى، والبيوت التي حفظت ضحكات الأهل وأصواتهم، والأشجار التي كبرت مع الأعمار، والمقاعد التي شهدت أحلام الصبا، والوجوه التي شكّلت ملامح الحياة، والمدافن التي ترقد فيها الأجيال السابقة؛ وبدون الذاكرة تصبح الأرض مجرد "مكان" أو "مساحة جغرافية"؛ أما الوطن فهو الأرض التي يسترجع فيها الإنسان ذاته وتاريخه الشخصي والجمعي.

 

 

والمستوى الثالث هو الوطن كميثاق، وهو الأهم في سياق هذا المقال: ففي الفلسفة السياسية الوطن هو "العقد الاجتماعي"، أي الاتفاق الضمني بين الأفراد على العيش معا وفق قواعد وقيم مشتركة، وعلى حماية حقوق بعضهم البعض؛ وهنا لا يكون الوطن مجرد أرض، بل "مؤسسة" تضمن الكرامة والعدالة، ولذلك يمكن للإنسان أن يشعر بالغربة في وطنه إذا غاب هذا العقد، كما يمكنه أن يشعر بالوطن في أي مكان تتوفر فيه هذه القيم.

 

 

والمستوى الرابع هو الوطن كحالة شعورية: فهو ليس مجرد أرض أو إطار قانوني، بل تجربة إنسانية من الدفء والانتماء والأمان النفسي؛ إنه المكان الذي يشعر فيه الإنسان بأنه مقبول كما هو، دون حاجة إلى تبرير هويته أو الدفاع المستمر عن حقه في الوجود؛ ففي الوطن الحقيقي لا يكون الانتماء امتيازا تمنحه جماعة لأخرى، ولا اختبارا على الفرد اجتيازه لإثبات أحقيته، بل يكون شعورا طبيعيا بالاعتراف والطمأنينة؛ فالوطن هو الفضاء الذي يستطيع فيه الإنسان أن يعيش ذاته بحرية، وأن يرى اختلافه جزءا من النسيج العام لا سببا للريبة أو الإقصاء.

 

هذه المستويات الأربعة -المكان والذاكرة والميثاق والوجدان- لا تتعارض، بل يكمّل بعضها بعضا؛ غير أن المستوى الثالث، الميثاقي، هو الذي يتحمل الوزن الأكبر حين يتحول الحديث عن الوطن إلى حديث عن العدالة والوفاء والخيانة.

 

 

ثانيا: من الوطن إلى المواطنة

 

إذا كان الوطن هو الأرض والذاكرة والميثاق والوجدان، فإن المواطنة هي آلية ممارسة الانتماء داخل هذا الوطن؛ وهي الصفة القانونية والسياسية والاجتماعية التي تمنح الفرد انتماء كاملا إلى دولة معينة، وتحدد علاقته بها عبر منظومة متوازنة من الحقوق والواجبات.

 

 

وتقوم المواطنة الحديثة، في جوهرها، على منظومة مترابطة متكاملة من المبادئ، يأتي في مقدمتها مبدأ المساواة أمام القانون، فهي حالة تُسقِط الامتيازات والقيود القائمة على الطائفة أو العِرق أو الطبقة أو الدين أو أية صفة أخرى، وتجعل قيمة الفرد في الدولة مستمدة من كونه "مواطنا" يتمتع بالحقوق نفسها ويلتزم بالواجبات نفسها، لا من انتمائه إلى أسرة أو جماعة أو فئة؛ ومن هنا يبرز التمييز التاريخي الجوهري بين "الرعية"، التي تقوم علاقتها بالحاكم على السمع والطاعة دون ضمانات حقوقية متكافئة، وبين "المواطن"، الذي تقوم علاقته بالدولة على المشاركة والتعاقد، حيث الحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة؛ ويُعدّ التحول من "رعايا" إلى "مواطنين" أحد أهم المرتكزات في بناء الدولة الحديثة، وعنصرا أساسيا في مسار نهضة الشعوب.

 

 

اقرأ أيضاً:

 

              نوروز بهار الشعوب... من فجر الحضارات إلى حلم الحرية الكردية

 
ثالثا: الوطنية بين الحب والانتماء، وتمييزها عن القومية

 

إذا كانت المواطنة هي العقد القانوني، فإن الوطنية هي الرابطة الشعورية والالتزام الأخلاقي الذي يسبق هذا العقد أو يتجاوزه، وهي الشعور بالانتماء والألفة تجاه الأرض والتاريخ واللغة والثقافة المشتركة، وهي أيضا الاستعداد للتضحية من أجل هذه الهوية عند الحاجة.

 

 

 ومن الضروري هنا التمييز بين الوطنية والقومية، فكثيرا ما يختلط المفهومان رغم اختلافهما؛ فالوطنية هي شعور بالانتماء إلى الوطن والارتباط به، والحرص على خيره والدفاع عنه، وهي لا تتعارض بطبيعتها مع احترام أوطان الآخرين وحقوقهم؛ أما القومية فهي رؤية سياسية أو ثقافية تجعل الأمة – بما تشترك فيه من لغة أو تاريخ أو ثقافة أو أصل – محورا للهوية والانتماء السياسي، وقد تتخذ القومية طابعا مدنيا منفتحا ومحترِما ومتقبلا للغير، كما قد تنزلق، في بعض صورها المتطرفة، إلى العنصرية أو إقصاء الآخرين أو الاستعلاء والتنمر عليهم؛ ومن ثم، فالوطنية تتعلق أساسا بالوطن والدولة، بينما تتعلق القومية بالأمة بوصفها جماعة تاريخية أو ثقافية قد تتجاوز حدود الدولة الواحدة؛ ولذلك لا تتطابق حدود الأمة دائما مع حدود الدولة، فقد تتوزع الأمة الواحدة بين عدة دول، وقد تضم الدولة الواحدة أكثر من قومية.

 

 

والوطنية الناضجة لا تُقاس بالشعارات، بل بالأفعال: الحفاظ على الموارد العامة، والمساهمة في تطور المجتمع، والتصدي لكل من وما يؤذي الوطن ويسيء إليه، ونقد الأخطاء داخل الوطن بقصد الإصلاح لا بقصد الهدم، وهلم جرى… والمحب الحقيقي لوطنه لا يرضى أن يراه معرضا للشرور دون أن يدافع عنه، ولا أن يرى عيوبه  دون أن يحاول تقويمها.

 

 

رابعا: الشريك في الوطن

 

الشريك في الوطن هو ذلك "الآخر" الذي يتقاسم معك المصير ذاته على الأرض ذاتها؛ إنه ليس مجرد مجاور في السكن أو الجغرافيا، بل طرف في عقد اجتماعي وأخلاقي يجعل وجودك ووجوده مترابطين في بناء وصون الوطن المشترك، والتمتع بحقوقه، وتحمل مسؤولية حاضره ومستقبله.

 

 

وفي ظل المواطنة الحديثة، الشريك هو كل من يحمل صفة المواطن بصرف النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الفكري أو الطبقي، فالمساواة أمام القانون هي أحد أهم الأسس التي تجعلنا شركاء لا متنافسين أو أعداء؛ والوطن، بهذا المعنى، لا يقوم على التماثل بل على التعدد؛ فـ"الأنا" الوطنية لا تُعرّف نفسها في الفراغ، بل تتشكل من خلال علاقتها بـ"الآخر" الوطني؛ إذ أن الوطن ليس هوية فردية مغلقة، بل رابطة مشتركة لا يكتمل معناها إلا بوجود شركاء يتقاسمونها، والشراكة تتجاوز حدود التعايش السلمي -أي مجرد عدم الاعتداء- إلى الإسهام البنّاء في صياغة الحياة الوطنية المشتركة، وحفظ ما يجمع أبناء الوطن من تاريخ وتجارب ورموز، وتحمل المسؤولية المشتركة، والتضامن في لحظات الأزمات الكبرى.

 

 

خامسا: الهوية الوطنية العليا.. نقد نموذج "الأعمدة" و"المكونات" وتأسيس نموذج "التجاوز"

 

يثير هذا التصور سؤالا محوريا: هل تقتضي الوطنية الحقيقية أن تكون الهوية الوطنية هي العليا عند كل المنتمين إلى الوطن ذاته؟ الجواب يقتضي تمييزا دقيقا بين معنيين لكلمة "العليا".

 

المعنى الأول هو الأولوية التعاقدية: فمن الناحية السياسية والقانونية، نعم، تقتضي المواطنة أن تكون الهوية الوطنية هي الإطار المرجعي الأول والموحّد أمام الدولة والقانون، لا بمعنى إلغاء الهويات الأخرى الدينية أو العرقية أو المناطقية أو غيرها، بل بمعنى تجاوزها في سياق الحقوق والواجبات العامة.

 

 

أما المعنى الثاني فهو الإقصاء، وهنا يكمن الفخ الأيديولوجي الحقيقي: فإذا فُهمت "الهوية العليا" على أنها هوية صهر أو محو للهويات الفرعية، فإنها تتحول إلى أداة قمع، فالوطنية الحقيقية لا تتطلب من الفرد أن يتخلى عن لغته أو معتقده أو تاريخه الخاص، بل تتطلب أن يجعل "الوطن" هو المظلة الجامعة التي تستوعب هذا التعدد بسلام، وتتيح لأبنائه إمكانية التعاون المثمر على بناء المجتمع الإنساني الأفضل.

 

 

غير أن هذا التصور يستدعي تصويبا جوهريا، فمن الخطأ الفادح تصور الهوية الوطنية كـ"سقف" يقوم علي الهويات الفرعية كـ"أعمدة"، أو "كل" يتكون من الهويات الفرعية كـ"أجزاء"، فحين تصبح الهويات الطائفية والعرقية والسياسية وغيرها من الهويات الفِرقية هي الأعمدة التي تقوم عليها أو الأجزاء التي تتكون منها الهوية الوطنية، فإن هذه الوطنية تفقد ذاتيتها الخاصة، وتتحول إلى مجرد "منتدى" أو "تجمّع فرق"، وهو منتدى أو تجمع قابل للسقوط متى تضاربت مصالح أو توجهات الجماعات صاحبة تلك الهويات الفرعية؛ وهذا النموذج هو في الحقيقة "نظام محاصصة"  وليس وطنية، وهو ما يفسر هشاشة الدول التي تُبنى هويتها على التراضي بين الجماعات بدلا من الاتحاد في مواطنة عليا.

 

 

البديل الأصح هو النظر إلى الوطنية باعتبارها رابطة اجتماعية أعلى من الروابط الفئوية، تتجاوزها وتعلو عليها دون أن تلغيها؛ رابطة تمتلك ذاتية مستقلة، ولغة وقيما ومصالحا خاصة بها، مستقلة عن إشكاليات المكوّنات الديموغرافية الفئوية، وبعبارة أخرى: المواطن لا ينتمي إلى الوطن عبر جماعته -أي لا يمر انتماؤه من خلال الطائفة أو العرق أو الحزب، أو سوى ذلك من الجماعات، ليصل إلى الدولة- بل ينتمي إلى الوطن مباشرة، وبحيث يكون الانتماء إلى الوطن علاقة عمودية بين الفرد والدولة، لا علاقة أفقية بين الجماعات.

 

 

سادسا: الدولة الوطنية الحديثة.. خصائصها البنيوية

 

الدولة الوطنية في المفهوم الحديث كيان سياسي وقانوني ذو سيادة، يقوم على فكرة المواطنة كعقد مؤسِّس، وتتميز عن أشكال الدول القديمة -كالإمبراطوريات أو المَلكّيات أو الثيوقراطيات أو الدول القائمة على الولاء الشخصي- بجملة من الخصائص.

 

أولى هذه الخصائص هي السيادة والمركزية القانونية: فالدولة الوطنية تمتلك سيادة مطلقة على إقليمها وسكانها، والقانون فيها هو المرجع الأعلى المطبَّق على الجميع بالتساوي، ولم يعد الولاء فيها لشخص الحاكم بل للقانون وللمؤسسات التي تجسّد إرادة الشعب.

 

 

والثانية هي المواطنة كرابطة عليا تُنشئ علاقة عمودية مباشرة بين الفرد والدولة: فالفرد مواطن يتمتع بحقوق ويؤدي واجبات انطلاقا من صفته الفردية، أما الهوية الفرعية فهي شأن خاص به لا علاقة لها بمكانته السياسية، والدولة لا تتعامل مع "جماعات" أو "طوائف" كوسطاء، بل مع أفراد بصفتهم ذواتا قانونية متساوية.

 

والثالثة هي أن الدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص بل المؤسسات، كالنظام الإداري العقلاني والقضاء المستقل والبرلمان والمؤسسات التنفيذية، وبحيث لا يتوقف استقرار الدولة على كاريزما الحاكم أو على تراضي الجماعات، بل على ديمومة المؤسسات.

 

 

والرابعة أن الدولة الوطنية ترتكز إلى إقليم محدد وهوية وطنية جامعة؛ فهي تمارس سيادتها داخل حدود جغرافية معترف بها، وتجمع سكانها في إطار سياسي وقانوني واحد، وتعمل على تنمية شعور مشترك بالانتماء من خلال التعليم والثقافة والرموز الوطنية والذاكرة التاريخية، بحيث يصبح الوطن الإطار الجامع لجميع المواطنين، على اختلاف أصولهم وانتماءاتهم الخاصة، دون أن يُلغي خصوصياتهم أو يختزلها.

 

والخامسة هي وظيفتها التنموية؛ إذ لم تعد الدولة الحديثة مجرد "شرطي" يقتصر دوره على حفظ الأمن والنظام العام، بل أصبحت جهةً مركزية في إدارة الموارد العامة وتوجيه عملية التنمية، فهي تضع السياسات العامة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وتخطط للبنى التحتية، وتوفر الإطار القانوني والمؤسسي للنشاط الاقتصادي، وتشرف على تنفيذ الخطط والبرامج التي تهدف إلى تحقيق الرفاه العام والازدهار؛ فشرعية الدولة الحديثة لا تقوم فقط على قدرتها على حفظ النظام، بل أيضا على قدرتها على إدارة الشأن العام وتحسين شروط حياة مواطنيها.

 

وبذلك تختلف الدولة الوطنية الحديثة عن الدولة ما قبل الحديثة التي كان الولاء فيها للقبيلة أو المذهب أو شخص الحاكم، وكان الناس فيها رعايا لا مواطنين.

 

 

سابعا: الوطن كبيت إنساني مشترك، وشرط الاعتراف بالتساوي

 

يمكن تلخيص ما سبق في تصوّر جامع: الوطن الحقيقي ليس مجرد مكان تجتمع فيه وتتعايش جماعات بشرية مختلفة، بل هو بنية اجتماعية وسياسية لها بناؤها الذاتي الخاص، قائمة على مبدأ بناء "البيت الإنساني المشترك" الذي يضمن الحقوق الإنسانية المتساوية لجميع المنتمين إليه بصرف النظر عن هوياتهم وجماعاتهم، وتديره دولة وطنية تقف على مسافة واحدة من جميع الجماعات، وتقوم علاقتها بالمواطن على مواطنيته هو نفسه، لا على هويته الفئوية أو جماعته، مع ضمان حقوقه الهوياتية والجماعوية في الوقت نفسه.

 

 

وهذا يقتضي التمييز بين مستويين، أولهما هو استقلالية الهيكل، أي أن المؤسسات الوطنية -القضاء والجيش والإدارة والتشريع- يجب أن تُبنى بمرجعية المصلحة العامة لا بمرجعية طائفية أو فئوية؛ وثانيهما هو حرية التعالق، أي حق المواطنين، بصفتهم أفرادا أحرارا، في أن يجتمعوا أو يتعاونوا ضمن أطرهم الثقافية أو الفكرية، بشرط أن يظل هذا التعاون محكوما بسقف المصلحة الوطنية؛ لكن عندما يتحول هذا التعالق الفئوي إلى مساس باستقلالية الوطن، أو يؤدى إلى تكوّن "دولة داخل الدولة"، أو يتسبب في تهميش مواطن آخر بسبب هويته، فهنا ينتهي "التعالق الإيجابي" ويبدأ الخطر الفعلي.

 

 

ومن هنا يصبح الشرط التالي أصلا غير قابل للتفاوض: الوطني الحقيقي هو فقط من يعترف بالتساوي التام في الوطن مع كل من ينتمون إليه، أياً كانت هوياتهم وجماعاتهم؛ والاعتراف هنا أعمق من مجرد "التسامح"، الذي قد يعني التحمّل على مضض؛ فالاعتراف بالتساوي هو وعي وإقرار بأن للآخر حقا أصيلا في الوطن مساويا تماما لحق الذات، بصرف النظر عن هويته؛ أما من يحتاج إلى تهميش الآخر أو الاستعلاء عليه ليثبت وطنيته، فهو يكشف عن عجز أو مسخ في فهمه للوطن، لا عن قوة في انتمائه إليه.

 

 

ثامنا: حين تنقلب الجماعة القوية على الميثاق

 

من هذا الأساس يمكن استخلاص نتيجة منطقية صارمة: من يُعلي هويته الجماعوية ومصلحته الفئوية فوق الهوية الوطنية والمصلحة الوطنية، ويغالي في ذلك ويتعصّب له، ويسعى لفرضه بالقوة على سواه، هو فعليا ينسف الوطنية والأساس الذي قام عليه الوطن.

 

 

فإذا ارتأت جماعة ما، بحكم قوتها العددية أو غيرها، أنها الجماعة الأساسية في وطنها، وأن هذا الوطن ملك لها تتصرف فيه كما تشاء دون اعتبار لمواقف الجماعات الأخرى، واعتبرت شركاءها في الوطن مجرد هامش لا وزن له، وعليه أن يخضع لها، فإنها بذلك تكون قد استبدلت "الحالة الوطنية" بـ"حالة فِرقية" أو "طائفية"، وحطّمت الحالة الوطنية فعليا، وجعلت الجماعات الأخرى في حِلٍّ تام من أي التزام وطني تجاهها.

فالوطن هنا يتحول من "بيت للجميع" إلى "غنيمة: بيد الأقوى، وهذا بحد ذاته إلغاء لفكرة الدولة، التي هي بطبيعتها مُلكية عامة لا ملكية لأي مكوّن ديموغرافي مهما بلغت قوته؛ كما أنه يسقط شرعية الالتزام المدني تجاه هذه الدولة لدى الآخرين؛ فالعقد الاجتماعي قائم على التبادلية، وإذا أعلنت الجماعة القوية تنكّرها لحقوق الشراكة، فإنها تُقوّض عمليا الأساس الأخلاقي والسياسي الذي يقوم عليه التزام المواطنين بالدولة، لأن هذا الالتزام  مشروط أصلا بكون الوطن وطنا لهم جميعا بالتساوي، لا امتيازا لفئة دون أخرى.

 

 

ومن هنا تنقلب موازين تهمة "الخيانة" على نحو جذري: فالجماعة التي تمزّق الميثاق الوطني" بفرض منطق القوة والهيمنة هي "الخائن الأول والأكبر" لهذا الميثاق، بصرف النظر عن الشعارات الوطنية التي قد ترفعها؛ والخيانة فعليا ليست عملا لصالح العدو وحسب، بل هي خيانة الثقة التي جعلت الناس يجتمعون في هذا الوطن أصلا؛ ومن خان هذا العهد فقد الأهلية الأخلاقية لتوزيع تهمة الخيانة على غيره.

 

وإضافة إلى ذلك، كيف يمكن مطالبة الآخرين بالالتزام الوطني في وطن تحوّل إلى مُلك خاص لجماعة واحدة؟ إن المطالبة بهذا الالتزام في هذه الحالة هو مطالبة بالخضوع لا بالوطنية، وحين يرفض الطرف المستهدَف هذا الخضوع، فهو لا يمارس خيانة قطعا، بل يمارس دفاعا عن الذات، ورفضا للمشاركة في عملية هدم الميثاق الوطني التي تقوم بها الجماعة المهيمنة، فالمواطن الذي يرفض المشاركة في عملية هيمنة تُصادر حق الشراكة، يرفض الهيمنة لا الوطن؛ أما الجماعة المهيمنة فهي من يرفض الوطن الحقيقي -البيت الجامع- وتستبدله بكيان فئوي، وهي الخائنة الحقيقية لمفهوم الوطن.

 

 

تاسعا: حين يتحول الانقلاب على الميثاق إلى عنف وإبادة

 

ما تقدم من تحليل يظل، حتى هذه النقطة، في حدود الانقلاب "السلمي" نسبيا على الميثاق، أي في حدود الهيمنة السياسية أو الاقتصادية أو اارمزية؛ لكن ماذا لو تجاوزت الجماعة المهيمنة هذا الحد إلى العنف المفرط، وارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة بحق شركائها في الوطن، ورافقت كل ذلك بحملات تحريض وتحقير عنصري ممنهجة، بل واحتفت بهذه الجرائم واعتبرتها مآثر تُذكر بفخر؟

 

هنا تنتقل الحالة من "أزمة سياسية" أو "انحراف عن المواطنة" إلى مستوى القطيعة الوجودية وحالة الحرب الفعلية؛ فالجماعة التي تستخدم العنف المفرط وتفتخر بجرائمها تُنهي عمليا أي ادعاء بالانتماء إلى الوطن المشترك؛ فهي لا تعود "جماعة مهيمنة" فحسب، بل تتحول إلى قوة معادية عدوانية فعلية تجاه من تستهدفهم؛ والوطن، في هذه الحالة بنظر هؤلاء الضحايا، لا يعود بيتا مشتركا بل ساحة تهديد وجودي.

 

 

وهذا يستدعي مصطلحا دقيقا من الفلسفة السياسية، هو مصطلح "البربرية"، وهي الحالة التي يسقط فيها كل عهد أو قيمة إنسانية جامعة، وتصبح القوة الغاشمة وحدها معيار العلاقة مع الآخر؛ ويصبح الاحتفاء بالجرائم وكأنها مآثر قمة هذا للتوحش والتحلل الأخلاقي، لأنه يعني أن مرتكبيها لم يعودوا يرون في ضحاياهم بشرا لهم حقوق إنسانية، بل مجرد "أهداف" للاستئصال"؛ وهذا هو جوهر ما يُعرف في الأدبيات الأخلاقية والسياسية بـ"نزع الإنسانية"، وهي الحالة التي تسبق الإبادات وتصاحبها عادة.

 

 

في مثل هذه الحالة القصوى من العنف والخطر يبرز مبدأ أصيل في الفلسفة الأخلاقية والسياسية، عرفته تقاليد فكرية متعددة منذ "حق المقاومة" عند جون لوك:، إنه "حق حماية الوجود"؛ فحين تتحول جماعة من شريك في الوطن إلى تهديد مصيري لوجود جماعة أخرى، يسقط العقد الوطني المبرم مع هذه الجماعة المعتدية، وتسقط معه كل الالتزامات الأخلاقية والسياسية تجاه الكيان الذي تمثله هذه الجماعة المعتدية،  كما يسقط أيضا كل التزام مماثل تجاه السلطة  التي  تقود هذا العدوان أو تشارك فيه أو تدعمه، أو حتى تعجز عن ردعه؛ ويصبح الالتزام الأول عند الجماعة المعتدى عليها هو حماية الحياة والوجود ذاته؛ وهنا لا يعود السؤال المطروح "هل هذا الدفاع مشروع دستوريا أو وطنيا أو دوليا؟"، بل يصبح "هل هذا الدفاع كافٍ لدرء الخطر الوجودي القائم؟"؛ فحين تُمارَس الإبادة أو ما يقاربها، لا يبقى ثمة عقد اجتماعي أو وطني يمكن الاحتكام إليه؛ إذ يكون طرف واحد قد فرض بالفعل "قانون الغابة"، فيضطر الطرف المهدَّد إلى اتخاذ التدابير التي يراها كفيلة بحماية بقائه.

 

 

غير أن الاعتراف بحق الدفاع عن الوجود عند انهيار الميثاق الوطني لا يعني بالطبع أن المقاومة تتحرر من كل قيد، ولا أن الضرورة الوجودية تبرر الانزلاق إلى منطق المعتدي نفسه، فحين تُفرض على جماعة أو شعب مواجهة حرب عدوانية تهدد وجوده، يصبح الدفاع عن النفس والهوية والحق في البقاء حقا مشروعا، بل ضرورة تفرضها شروط البقاء؛ إلا أن التحدي الأصعب يكمن في أن تحافظ المقاومة، قدر الإمكان، على الفارق الأخلاقي والسياسي بينها وبين القوة العدوانية الغاشمة التي تواجهها  بحيث يبقى هدف هذه المقاومة حماية الإنسان واستعادة الحق، لا تحويل الألم والمعاناة إلى ثأر وانتقام.

 

 

وبهذا يكتمل المعنى المقلوب للخيانة: فالجماعة أو الجهة التي دمّرت الميثاق بالعنف والإبادة والتحريض تغدو هي الخائن الحقيقي لمعنى الوطن، ولا يحق لها أن تصم بالخيانة من يرفض الخضوع لها أو يدافع عن وجوده في مواجهة توحشها؛ ففاقد الإنسانية لا يمكنه أن يكون وطنيا، وفاقد الوطنية لا يعطيها، ومن استباح حق شركائه ليس فقط في المساواة، بل وفي الحياة نفسها، لا يملك قطعا أن يتحدث باسم "الوطن" الذي كان هو أول من خانه وغدر به.

 

 

خاتمة

 

يكشف هذا التفكيك المفهومي أن "الوطن" ليس معطى ثابتا يُفترض الولاء الدائم له بصرف النظر عن مضمونه، بل هو إنجاز أخلاقي وسياسي وحقوقي متجدد، قوامه الاعتراف المتبادل بالمساواة بين جميع المنتمين إليه.

 

كما ويبين أن "الخيانة" ليست قطعا فعل من يرفض أو يعارض أو حتى يقاوم حالة فاسدة أو جائرة أو عدوانية تحاول فرصها سلطة أو جماعة معينة تتقنع بقناع وطني، بل قد تكون -في أحيان كثيرة- فعل من يدّعي حراسة الوطن بينما يمارس عمليا نقيضها،  الذي هو تحويل الوطن من بيت مشترك إلى مُلكية فئوية، ومن ميثاق متبادل إلى أداة هيمنة.

 

 

والدرس الأعمق الذي يجب على كل وطني حقيقي وعيه هو أن استقرار الأوطان لا يُبنى على القوة العددية أو العسكرية أو الاقتصادية أو سواها لأي طرف في الوطن المفترض، بل على مدى نجاح الدولة في الوقوف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، وضمان حقوقهم الإنسانية بلا أي تميبز، وأن يبقى الانتماء إلى الوطن انتماء مباشرا بين الفرد وهذه الدولة، لا وساطة ولا دور فيه لأي جماعة مهما بلغت قوتها؛ فحين يغيب العدل، وتُحكم الهويات بمنطق القوة العارية، يفقد الوطن معناه ويتحول إلى ساحة صراع وجودي؛ وحين يتحقق هذا العدل، تصبح الوطنية أقوى الروابط الإنسانية وأكثرها قدرة على احتواء التعدد دون أن يبتلع بعضه بعضا، وعلى الارتقاء به إلى تعاون إنساني بنّاء.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard