info@suwar-magazine.org

بين سقوط الاستبداد وخيبة البديل: حين انتصر اليقين على السؤال

بين سقوط الاستبداد وخيبة البديل: حين انتصر اليقين على السؤال
Whatsapp
Facebook Share

 

سوريا، لم تكن يوماً مجرد صراع بين نظام ومعارضة، ولا كانت "حكاية شعب خرج من أجل الحرية ثم ضاعت منه الطريق".

 

هذه قراءة مريحة، كسولة، وإمعاناً في التهذيب (وهو لزوم ما لايلزم) فهي قراءة ضرورية لتخفيف وطأة الوقائع، مصحوبة برغبة في إنتاج معرفة  لا تكفي لفهم ما حدث، فالكارثة السورية أكثر تعقيداً من أن تُختصر في جلاد وضحية، أو في ثورة مضادة وثورة مغدورة.. ما حدث هو انهيار متزامن لعدة أوهام:

 

ـ وهم النظام الذي اعتقد أن القوة قادرة على إلغاء المجتمع، ووهم معارضة ظنت أن سقوط النظام أسهل من بناء الدولة، ووهم تيارات دينية بالغة التطرف والاستعانة بالله، وقد اعتقدت أن التاريخ يمكن إعادته إلى الوراء بمجرد امتلاك السلاح ورفع الشعارات المقدسة، مع رايات سوداء، طالما استغرقت بوعد بـ "الذبج جيناكم".

 

 

المؤلم  في التجربة السورية (وربما المضحك، من قال أن الفجائع لاتحمل بعض الكوميديا؟) أن البديل الذي حلم به كثيرون لم يكن جاهزاً لحظة سقوط القناع عن النظام، كانت هناك أصوات مدنية وعلمانية وديمقراطية كثيرة، لكنها بقيت في معظمها أصواتاً بلا سواعد، بلا تنظيم، بلا مشروع اجتماعي واضح، وبلا أدوات لحماية نفسها من التحولات العنيفة التي اجتاحت البلاد.

 

 

معارضة  امتلكت خطاباً أخلاقياً في كثير من الأحيان، لكنها لم تمتلك السياسة بمعناها العميق:

ـ  القدرة على قراءة الواقع، بناء التحالفات، فهم المجتمع، وإنتاج قوة قادرة على منافسة القوى التي تعرف كيف تخاطب الغرائز والخوف والهويات المغلقة.

 

اقرأ أيضاً:  

 

                       من اتفضلي ياست إلى اتستري ياحرمة

                      الثورات.. سيرة المقصلة الطويلة

 

 

لم يكن انتصار الخطاب التكفيري في سوريا نتيجة عبقرية سياسية لدى (سيوف الله المسلولة)،  بقدر ما كان نتيجة فراغ هائل تركته القوى الأخرى، والفراغ لا يبقى فارغاً؛ إنه يستدعي من يملؤه، وحين تفشل القوى المدنية في تقديم معنى، يأتي من يقدم يقيناً،  وحين تعجز عن بناء مشروع جامع، يأتي من يقدم هوية مغلقة، وحين تعجز عن مخاطبة الناس في خوفهم وفقرهم وقلقهم، يأتي من يبيعهم وعداً بالخلاص، فيما خلاصك طالما احتكر فنادق الأوتيلات، حتى أصبحت كلّك، مجرد سرير في فندق (وتتباهى على أولاد الحارة التي قدمت منها)".

ـ أليس هذا، كلّه او جلّه ماحدث؟

حتماً "جلّه" حدث، كي أجازف وأقول:

ـ كلّه.

 

 

التكفيريون لم ينتصروا لأن أفكارهم أكثر عمقاً، بل لأنهم كانوا أكثر قدرة على تحويل الألم إلى غضب، والغضب إلى طاعة، والطاعة إلى آلة سياسية وعسكرية، لقد عرفوا كيف يستخدمون لغة بسيطة في عالم معقد، وكيف يقدمون إجابات نهائية في زمن مليء بالأسئلة،  أما الخطر الأكبر في خطابهم فلم يكن في عنفه فحسب، بل في إلغاء الإنسان قبل قتله؛ ففي اللحظة التي يتحول فيها الآخر إلى كافر أو خائن أو نجس، يصبح قتله فعلاً مبرراً داخل منظومة مغلقة لا ترى في الجريمة جريمة، بل ترى فيها واجباً، وإذا ماحدث واستنكرت الجريمة، من باب المجاملة، فقد تعتبرها:

ـ مجرد.. زلّة قدم.

 

 

لكن مواجهة هذا الظلام لا تعني إعفاء القوى التي ادعت تمثيل البديل من مسؤوليتها التاريخية، فالمعارضة السورية، وخاصة السياسية منها، تحتاج إلى شجاعة نادرة للاعتراف بأن جزءاً كبيراً من خسارتها لم يكن بسبب قوة خصومها فقط، بل بسبب عيوبها، فسادها، ابتذالاتها، و"المعارضة باعتبارها حرفة لاسؤال حرية وخلاص".

 

 

حدث ودخل كثير من المعارضين إلى المشهد وهم يحملون أمراض النظام الذي عارضوه: الشخصنة، غياب المؤسسات، الصراع على المواقع، ضعف المحاسبة، البحث عن الاعتراف الخارجي قبل بناء الشرعية الداخلية.

 

كلّه حدث، وإذا لابد من الشاهد، فوزير خارجية قطر الأسبق (اسمه الأول حمد، نسيت كنيته، ولن أبذل جهوداً مع المعلّم "غوغل" لأثبته هنا)، كان قد قدّم شهادته، بمن "صنعهم"، وأظن أنها شهادة كفيلة بأن يتعرق جبين تلك المعارضات، إن كان ثمة "شرش حياء"، في الجسد الإنساني، يتتبع آثار الخجل.

 

كان من المفترض أن تكون المعارضة مدرسة جديدة في السياسة، فإذا بها في كثير من مراحلها تعيد إنتاج الزجليات القديمة بثياب جديدة، لتنتقل معظم مكوناتها من الاعتماد على المجتمع إلى الارتهان للخارج، ومن بناء المشروع الوطني إلى انتظار الدعم الدولي، ومن تقديم رؤيا لسوريا المستقبل إلى التنافس على مقاعد مؤقتة في مؤتمرات لا تغيّر شيئاً على الأرض السورية، بالقدر التي تقدّم الكثير من الأعلاف على موائد مؤتمرات التعارف، للذين يعرفون بعضهم جيداً.

 

 

المشكلة لم تكن في التحالف مع الخارج بحد ذاته؛ فكل الحركات السياسية في التاريخ بنت علاقات دولية.. المشكلة كانت في أن بعض قوى المعارضة فقدت القدرة على التمييز بين الاستفادة من الدعم الخارجي وبين التحول إلى وظيفة سياسية لدى الآخرين، وحين تصبح السياسة مجرد انتظار لما يقرره الآخرون، تفقد أي حركة قدرتها على صناعة التاريخ، وحين يأتي المزاد، فـ "الآخرون"، سيشترون من وظيفتة أعلى، كفاءته أعلى، وهاهم قد اشتروه، فالحرّاث لابد ويرغب بالثور الأقوى، من عجل مازال يرضع من ثدي أمّه حتى بعد أن كبر وبات :

ـ ثور.

 

والأكثر إيلاماً أن كثيراً من هذه القوى لم تتعلم من فشلها، فالفشل في السياسة ليس عيباً؛ كل المشاريع الكبرى عرفت الهزائم، لكن العيب أن يتحول الفشل إلى عقيدة، وأن يصبح الاعتراف بالخطأ خيانة، وأن يصبح نقد التجربة نوعاً من خدمة الخصم.. الأمم لا تسقط لأنها أخطأت، بل لأنها ترفض أن ترى أخطاءها، وان يكون مقدّسها:

ـ الإنكار.

 

 

كان المطلوب من المعارضة السورية المدنية أن تسأل نفسها أسئلة قاسية:

ـ لماذا لم تستطع أن تصبح صوتاً لمعظم السوريين؟ لماذا بقي خطابها ثرثرة في بلد أنهكته الفاقة والخوف؟ لماذا لم تنتج تصوراً واضحاً للدولة التي تريد بناءها؟ لماذا عجزت عن مخاطبة المخاوف العميقة لدى مكونات المجتمع السوري؟ ولماذا تركت الساحات الاجتماعية والثقافية فارغة، فدخل إليها أصحاب المشاريع المغلقة؟

 

 

إن نقد المعارضة لا يعني بأي شكل من الأشكال تبرئة النظام الذي حكم سوريا لعقود بالقمع والخوف، ولا يعني وضع الضحية والجلاد في ميزان واحد، لكنه يعني أن الشعوب لا تُبنى فقط بإسقاط الأنظمة، بل ببناء البدائل، والتاريخ مليء بالأمثلة على أن سقوط نظام مستبد لا يؤدي بالضرورة إلى ولادة الحرية المشتهاة؛ فقد يولد منه فراغ تستولي عليه قوى أكثر ظلامية.

 

 

ربما تكون المأساة السورية الكبرى أن كثيرين أرادوا إسقاط الاستبداد، لكنهم لم يتفقوا على معنى الحرية، فهناك من رأى الحرية نهاية حكم شخص، وهناك من رأى الحرية إقامة حكم عقائدي جديد، وهناك من رأى الحرية فرصة للانتقام، وهناك من رأى فيها مشروع دولة ومواطنة، وبين هذه المعاني المتصارعة ضاع السوريون، وهاهم اللحظة يكررون الأمس، كما لو أن الفاس لم يقع بالراس، وكما أن حصادهم لولو بلولو، شو هللولو.

 

التاريخ لا يكافئ أصحاب النوايا الطيبة، بل أصحاب المشاريع القادرة على البقاء.. النيات الحسنة لا تهزم التنظيم، والشعارات الجميلة لا تهزم الآلة السياسية، والرغبة في التغيير لا تكفي إن لم تتحول إلى معرفة وخبرة ومؤسسات.

 

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً ليس فقط بسبب استبداد السلطة، بل أيضاً بسبب عجز خصومها عن إنتاج بديل عاقل، ساخن أو بارد ليس مهماً، لكن ضرورة التاريخ وحكمته، تفيد بأن لايكون فاتراً فيتقيأه التاريخ والناس،   فينما كان بعضهم مشغولاً بإثبات أنه صاحب الحق الوحيد، كان المتطرفون يبنون شبكاتهم ويملؤون الفراغ، وبينما كان البعض يتجادل حول تعريف الثورة، كان الواقع يصنع تعريفاً آخر بالقوة.

 

ـ ما المطلوب اليوم؟

المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج المعارك القديمة، ولا البحث عن أبرياء كاملين ومذنبين كاملين، فالبشر لاينجون عبر عبادة الضحايا ولا عبر شيطنة الخصوم فقط، بل عبر امتلاك شجاعة النظر إلى التجربة، بعين نقدية صارمة.. بساطور الحقائق ووضوحها.. بـ :

ـ الاعتراف.

ـ بمديح الخيبة إن شئتم.

سوريا تحتاج إلى مراجعة عميقة لا تستثني أحداً، تحتاج إلى مواجهة التكفير لأنه مشروع إلغاء للإنسان، لكنها تحتاج أيضاً إلى مواجهة عجز النخب التي تركت المجال لهذا المشروع كي يتمدد.. تحتاج إلى رفض الاستبداد، لكنها تحتاج كذلك إلى رفض ثقافة المعارضة التي لم تتعلم من هزائمها.. لم تراجع تجربتها، ولم تعتذر، عن وعد يعد بـ تاج مملكة، لينتهي إلى أسمال مهرّج، خائب حتى في إنتاج المهزلة.

 

الخطر ليس فقط في من يحمل السلاح باسم الله، بل أيضاً في من يرفع راية الحرية دون أن يعرف كيف يحميها..  الخطر ليس في الذين يغلقون أبواب المستقبل باسم الماضي، بل أيضاً في الذين يتحدثون عن المستقبل دون أن يملكوا طريق الوصول إليه.

 

 

لقد خسرت سوريا كثيراً لأن أصحاب اليقين انتصروا على أصحاب الأسئلة، وربما يكون الطريق الوحيد للخروج من هذه الدائرة هو أن تعود السياسة إلى معناها الأول:

ـ  أن تكون بحثاً جماعياً عن الممكن، لا حرباً بين من يدّعون امتلاك الحقيقة بكمال موتها.

 

فمن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة، سواء لبس ثوب الدين أو ثوب الثورة أو ثوب الدولة، ينتهي غالباً إلى شيء واحد:

ـ  إلغاء الآخرين. والتاريخ علّمنا أن كل مشروع يبدأ بإلغاء الإنسان، ينتهي عاجلاً أم آجلاً إلى إلغاء الوطن.

 

ـ الوطن؟

نلك المفردة التي كتبت بالطبشور على السبورة المدرسية، وقد انهارت جدران المدرسة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard