info@suwar-magazine.org

العمى السوري: حين يرى الجميع ولا أحد يبصر

العمى السوري: حين يرى الجميع ولا أحد يبصر
Whatsapp
Facebook Share

 

 

قراءة في رواية "العمى" لخوسيه ساراماغو بوصفها استعارة للكارثة الأخلاقية في سوريا

 

"نحن لم نُصب بالعمى، بل نحن عميان منذ الولادة... عميان يستطيعون أن يروا، لكنهم لا يرون."

خوسيه ساراماغو

حين كتب خوسيه ساراماغو روايته العمى، لم يكن يتحدث عن مرضٍ بصري بقدر ما كان يُشخّص خللاً أخلاقياً عميقاً. في الرواية، يفقد الناس قدرتهم على الإبصار فجأة، وتتحول المدينة إلى فضاء فوضوي تنهار فيه القيم، وتغيب فيه القوانين، ويُترك الإنسان لمصيره العاري.

 

تحاول هذه المقالة قراءة بعض ملامح الواقع السوري من خلال هذه الاستعارة: ليس بوصف ما جرى عمىً جسدياً، بل بوصفه عمىً أخلاقياً، محلياً ودولياً، سمح باستمرار العنف، وتطبيع الألم، وتحويل المأساة إلى خبر عابر.

 

العمى كحالة عامة

في بداية الرواية، يُصاب رجل بالعمى عند إشارة مرور, لا ظلام في عينيه، بل بياض كثيف, وسرعان ما تنتقل العدوى إلى الآخرين، في مشهد يوحي بأن ما يُفقد ليس القدرة على الرؤية فقط، بل الإرادة في النظر.

 

في الحالة السورية، لم تبدأ الكارثة بانفجار شامل، بل بتدرج: احتجاجات، قمع، تصعيد، ثم انزلاق إلى مستويات غير مسبوقة من العنف, ومع الوقت، بدا أن نوعاً آخر من "العدوى" ينتشر: الإنكار، الخوف، الصمت.

 

الخوف، هنا، لم يكن مجرد رد فعل، بل أصبح إطاراً ناظماً للحياة اليومية، حيث أعاد تشكيل العلاقات بين الناس، وحدّد ما يمكن قوله وما يجب السكوت عنه، وفي ظل هذا المناخ، لم يعد الصمت خياراً فردياً فحسب، بل شرطاً من شروط البقاء.

 

 

من شهادة معتقلة سورية سابقة:

"في الزنزانة، لم نكن نعرف الليل من النهار. ضوء أصفر لا ينطفئ أبداً. كنت أغلق عيني، فأشعر أني أرى أكثر."

 

 

 

العزل بوصفه سياسة

في رواية العمى، يُنقل المصابون إلى مكان مغلق تحت الحراسة، ويُتركون هناك دون رعاية حقيقية، والهدف ليس علاجهم، بل احتواءهم، داخل هذا الفضاء المغلق تنهار القواعد تدريجياً، ويظهر العنف بأشكاله المختلفة، من السيطرة إلى الإذلال.

 

يمكن قراءة كثير من التجارب السورية ضمن هذا الإطار: مراكز الاحتجاز، المناطق المحاصرة، وبعض المخيمات التي وُضعت خارج الاهتمام الفعلي. في هذه الأماكن، كما توثق تقارير وشهادات متعددة، لا يكون الخطر في فقدان الموارد فقط، بل في تآكل الكرامة الإنسانية.

 

اقرأ أيضاً:

 

                       عن نبيذ الأغنياء وعرق الفقراء

               معارض الكتاب الكردية… حين يصنع الورق والحبر وطناً

 

 

من شهادة نازحة في مخيم الركبان:

"قالوا اصبروا... قريباً ستُفتح الحدود. لكننا ما زلنا نأكل الخبز الجاف، وننتظر."

في مثل هذه الظروف، لا يعود الصمت تعبيراً عن القبول، بل نتيجة مباشرة للاستنزاف. حين يتجاوز الضغط حداً معيناً، يصبح البقاء نفسه أولوية، حتى على حساب الاحتجاج.

 

 

تآكل الهوية

لا يمنح ساراماغو شخصياته أسماء، بل يكتفي بصفات عامة. هذا الخيار السردي يعكس فقدان الهوية في ظل الانهيار الجماعي.

في السياق السوري، يمكن ملاحظة مسار مشابه: تحوّل الأفراد إلى أرقام في السجلات، أو "حالات" في التقارير، أو "ملفات" في مؤسسات اللجوء, ومع اتساع المأساة، يصبح الحفاظ على الاسم، بوصفه دلالة على الفردية والوجود، مسألة بحد ذاتها.

 

 

من شهادة لاجئ سوري:

"أخي غرق في البحر ولم نجد جثته. كتبنا اسمه على حجر صغير. شعرت أن الاسم هو الشيء الوحيد الذي بقي منه."

 

الشهادة وحدها لا تكفي

في الرواية، تبقى شخصية واحدة قادرة على الرؤية، ترى ما يحدث، لكنها تعجز عن تغييره. حضورها يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكفي المعرفة وحدها؟

في الحالة السورية، لم يكن النقص في الشهادات، على العكس، وثّق صحفيون وناشطون وناجون قدراً هائلاً من التفاصيل: صور، تقارير، روايات, لكن هذه المعرفة لم تتحول دائماً إلى فعل.

 

 

من شهادة صحفية سورية في المنفى:

"كتبنا كثيراً، وأرسلنا كل ما لدينا. لكن الرد غالباً كان أن الوضع معقد."

 

هذا الفاصل بين المعرفة والاستجابة يفتح باباً للحديث عن شكل آخر من العمى: ليس العجز عن الرؤية، بل غياب الإرادة السياسية أو الأخلاقية للتعامل مع ما هو مرئي.

 

هل من عودة؟

في نهاية الرواية، يستعيد الناس بصرهم بشكل مفاجئ. لا تفسير واضح، لكن الإيحاء قائم بأن الخروج من العمى ممكن.

في الواقع، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالمشكلة لا تتعلق بحدث عابر يمكن أن ينتهي فجأة، بل ببنية ممتدة من العنف والتواطؤ والصمت، لذلك، فإن "استعادة البصر" لا تعني فقط توقف العنف، بل إعادة بناء منظومة القيم التي تضررت.

 

 

من شهادة معتقل سابق:

"حين خرجت، احتجت وقتاً طويلاً لأعتاد النظر إلى الضوء."

 

 

الكتابة كفعل مقاومة

لا تقدّم رواية العمى حلولاً جاهزة، لكنها تطرح تحذيراً واضحاً: الخطر لا يكمن فقط في الكارثة، بل في الاعتياد عليها.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها محاولة لمقاومة هذا الاعتياد. ليست بديلاً عن الفعل، لكنها تذكير مستمر بأن ما يحدث لا ينبغي أن يصبح طبيعياً.

الكتابة لا تعيد البصر، لكنها ترفض أن يكون العمى هو القاعدة.

تفتح مساحة للذاكرة، في وجه النسيان، وتُبقي الأسئلة حيّة، في زمنٍ يميل إلى إغلاقها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard