info@suwar-magazine.org

من يزرع الكراهية بين السوريين… ومن يصنع الخطر الحقيقي؟

من يزرع الكراهية بين السوريين… ومن يصنع الخطر الحقيقي؟
Whatsapp
Facebook Share

 

 

 تقول حكاية قديمة إن الدودة قالت لأولادها: "لا تخافوا من الأسد والنمر… احذروا الدجاج والبط" قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تحمل معنى أبعد من السخرية. فالخطر ليس دائماً ذلك الوحش الذي نراه بوضوح ونستعد لمواجهته، بل قد يكون شيئاً آخر يتسلل بهدوء، يتكرر أمامنا كل يوم، حتى نعتاد عليه ونكف عن السؤال، من أين جاء؟ ومن يدفع إليه؟

 

 وهنا ربما علينا أن نطرح السؤال الأصعب في سوريا، هل خطاب الكراهية الذي نراه بين السوريين مجرد نتيجة طبيعية للحرب والانقسام، أم أن هناك من يصنعه ويغذيه ويستخدمه؟ فالكراهية لا تحتاج دائماً إلى أن تبدأ برصاصة. قد تبدأ بكلمة، بتحريض، بإشاعة، بتصوير جماعة كاملة على أنها عدو، وبتكرار فكرة أن الخطر موجود في "الآخر"، حتى يصبح الخوف منه حقيقة في عقول الناس، ثم يصبح استهدافه أمراً يمكن تبريره. وهنا تتحول الهوية من مجرد انتماء إلى تهمة. لا يعود الإنسان يُسأل، ماذا فعل؟ بل يُسأل، من أي طائفة أنت؟ وعندها يصبح الانتماء نفسه سبباً للعقاب. وهذا هو المنحدر الأخطر.

 

 وحين نتحدث عن هذا الخطر، لا يجوز أن نتذكر مأساة وننسى أخرى. علينا أن نتذكر التفجيرات التي استهدفت الكنائس ودور العبادة، وما تعرض له الكرد من انتهاكات، كما حدث في الأشرفية والشيخ مقصود، إلى جانب المجازر والانتهاكات التي طالت الدروز والعلويين وغيرهم من السوريين. فالمأساة واحدة مهما اختلف اسم الضحية، والخطر واحد حين تصبح هوية الإنسان أو انتماؤه الديني أو القومي سببًا لاستباحة حياته.

 

لا يجوز أن تكون هناك ضحية تستحق التعاطف وضحية أخرى يجري البحث عن مبررات لما حدث لها. ولا يجوز أن ننتقي من دماء السوريين ما يخدم روايتنا ونصمت عن الدم الآخر. إن تفجير كنيسة، أو قتل علوي، أو استهداف درزي، أو الاعتداء على كردي، أو قتل أي سوري بسبب هويته، كلها جرائم تنتمي إلى المنطق نفسه، منطق تحويل المختلف إلى هدف.

 

 

وإذا كنا جادين في كسر دائرة الدم، فعلينا أن نرفض هذا المنطق كله، لا أن نرفضه عندما يصيب جماعتنا فقط. فحين شهدنا هذه المجازر والانتهاكات، لم تكن الكارثة في سقوط الضحايا وحدهم، بل في محاولة جرّ المجتمع إلى منطق الثأر الجماعي، هذا قتل من طائفتنا، إذن كل أبناء الطائفة الأخرى مسؤولون.

 

وهكذا يصبح دم الضحية وقوداً لجريمة جديدة. لكن علينا أن ننتبه إلى شيء أساسي، القاتل لا يمثل طائفته. والجريمة لا تصبح أقل بشاعة لأن ضحيتها من طائفة معينة، ولا تصبح أكثر تبريراً لأن مرتكبها ينتمي إلى جماعة أخرى. حاسبوا القاتل لأنه قاتل، لا لأنه علوي، أو سني، أو درزي، أو مسيحي، أو كردي. ولا تجعلوا من هوية القاتل ذريعة لإدانة ملايين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بجريمته.

 

اقرأ أيضاً:

     

       الكراهية ليست عرَضاً: بنية التحريض في التاريخ السوري الحديث

   محتوى مضلل وخطاب طائفي: شبكة قنوات مترابطة تغذّي الصراع في السويداء

       

 لكن في الوقت نفسه، لا يكفي أن نسأل، من قتل؟ يجب أن نسأل أيضاً، من غذّى الكراهية؟ من نشر الخوف؟ من حوّل الاختلاف إلى عداوة؟ ومن يستفيد عندما يصبح السوري خائفاً من السوري؟ لأن السلطة، أيّاً كانت، تستطيع أن تستخدم الانقسام والكراهية وسيلة للسيطرة، وقد تستطيع أطراف أخرى أيضاً أن تستثمر في هذا الانقسام لمصالحها. ولهذا يجب ألا نتعامل مع خطاب الكراهية وكأنه دائماً عفوي أو بريء. فحين تتكرر الرسائل نفسها، وتُضخ المخاوف نفسها، وتُختزل جماعة كاملة في صورة عدو، يصبح من حقنا أن نسأل، هل نحن أمام كراهية نشأت وحدها، أم أمام كراهية جرى تصنيعها وتغذيتها؟

 

والأخطر من ذلك أن ينتهي الأمر بالناس إلى محاسبة بعضهم بدل محاسبة من ارتكب الجريمة فعلًا. أن يتحول الجار إلى متهم بسبب هويته، وأن يبحث الناس عن ضحية جديدة بدل البحث عن قاتل، وأن تصبح المجزرة مناسبة لتوسيع دائرة الانتقام، بدل أن تكون مناسبة لإقامة العدالة.

 

هنا تحديداً يجب أن نتوقف. لأن العدالة ليست ثأراً، والعدالة لا تعني أن نستبدل ضحية بضحية، أو جلاداً بجلاد. العدالة تعني أن يُحاسب من ارتكب الجريمة، ومن أمر بها، ومن حرّض عليها، ومن شارك فيها، وفق قانون واحد لا يتغير بتغير هوية الضحية أو القاتل. لكن يبقى السؤال الأصعب، ومن سيحاسب هؤلاء؟ من يملك سلطة التحقيق؟ ومن يملك قضاءً مستقلاً؟ ومن يحاسب من يملك السلاح والنفوذ والحماية؟

 

هذه الأسئلة ليست هامشية، لأنها جوهر المشكلة. فمن دون مؤسسات قادرة على محاسبة الجناة، تبقى عبارة "حاسبوا القاتل" مجرد أمنية. وسوريا لن تخرج من دائرة الدم إذا ظل كل طرف ينتظر دوره في الانتقام. لن تخرج إذا بقي السوري يرى في هوية أخيه خطراً. ولن تخرج إذا استمر من يملك القوة في استخدام الخوف والكراهية لتقسيم المجتمع وإدارة صراعاته.

 

الخطر الحقيقي، إذن، ليس فقط في البندقية التي تطلق النار. الخطر يبدأ قبل البندقية بكثير. يبدأ عندما نقنع الإنسان بأن جاره عدو، وعندما نجعل الهوية تهمة، وعندما نعتاد على خطاب يقول إن دماً أغلى من دم، وعندما نبحث للضحية عن ذنب، وللجريمة عن مبرر، وللقاتل عن عذر. الأسد والنمر يمكن رؤيتهما من بعيد.

 


أما الخطر الأكثر خبثاً، فهو أن نجعل الناس يقتلون بعضهم وهم يظنون أنهم يدافعون عن أنفسهم. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم، من هم الدجاج والبط؟ بل، من أقنعنا بأن بعضنا دجاج وبط، وأن بعضنا الآخر أسود ونمور؟ فإذا لم نكتشف من يصنع الخوف، ومن يغذي الكراهية، ومن يستفيد من تحويل الهوية إلى تهمة، فسنبقى ندور في الدائرة نفسها. يتغير اسم القاتل، تتغير الضحية، تتغير الشعارات، لكن النتيجة واحدة، سوري يقتل سورياً… ومن أشعل الكراهية يراقب الدائرة وهي تستمر.

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard