الكراهية ليست عرَضاً: بنية التحريض في التاريخ السوري الحديث

شهدت سوريا خلال السنوات الماضية إضافة إلى التحولات العميقة على المستويات السياسية والاجتماعية والإعلامية، تبدّلاً في طبيعة الخطاب العام المتداول بين أفراد المجتمع السوري، ومكوناته وفي المنصّات الإعلامية والرقمية، ومع تصاعد الانقسام واشتداد الصراع، الذي تحوّل إلى نار تلتهم في طريقها كلّ شيء على الأرض، برزت في واقع الحياة السورية ظواهر سلبية كثيرة، لعلّ أبرزها خطاب الكراهية، كأحد أخطر الظواهر التي غذّت العنف، وعمّقت الشرخ الاجتماعي، وخلقت بيئة للتمييز والإقصاء.
في مجتمع هشّ درسَتْها الحرب برحاها دون انتقاءٍ جغرافيٍّ، كان للحرب دور في تهيئة بيئة خصبة للكراهية ومكّنت كلّ المحرّضين والمستفيدين من بثّ سموم الكره وخطاباته سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى الرغم من أنّ خطاب الكراهية غير مقتصر على سوريا والسوريين فحسب، إلا أنّ حساسية الأوضاع التي تلت سقوط الأسد وانقسام المجتمعات على اساسات دينية وطائفية وسياسية وأيديولوجية ساهمت بتضخّم صوت ونبرة الخطاب لتخرج بأشكال عنفية وتحريضية.
من الصعب تعقّب جذور تصاعد خطاب الكراهية وتأثيرها في سوريا بدقة إلا أنّ الأكيد أنّ للإرث السلطوي التراكمي المتمثل بحكومة ونهج حزب البعث دور كبير وهو الذي حكم البلاد على مدى 54 عاماً، وصاغ طيلة هذه السنوات المجال العام على نحو يمنع أو يقبل بتشكل أي فضاء تداولي مستقل بقبضة حديدية منحازة، فقط وبشكل جلي لطائفة سياسيّة والتي تدين للسلطة بالولاء، والتي لم تتوانى عن ضخّ خطاب الكراهية وزرعه ونشره في سوريا، وقد دأب نظام الأسدين الأب والأبن على استخدام خطاب كراهية مركّز ضد فئات معينة للتبرير الحكم السلطوي القمعي، ولكن هذا الخطاب لم يكن يخرج في الإعلام وإنما بشكل مجتمعي أقرب إلى الصمت، لكن يُشعل النيران تحت ركامٍ من الخوف.
ربما تبرز أحداث مدينة حماة كأحد الأمثلة التي رافقت شيطنة فئة من الإسلام السياسي وهي "الإخوان المسلمين" لكنّها لم تتوقّف عندهم فحسب بل تجاوزته إلى أهالي حماة نفسها لردحٍ طويلٍ من الزمن، حيث برز كمثال من الدعوة للكراهية إلى عنفٍ منظّم، لكنه كان عنفا رمزيا مجتمعيا وعنفا واقعيا من قبل الدولة أدت إلى مقتل أكثر من 40 ألف ضحية بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
وإن كان مثال حماة يكلّل حقبة الأسد الأب، فإنّ أحداث "انتفاضة قامشلو" التي جرت في ملعب القامشلي من مجرّد لعبة كرة قدم إلى خطاب تحريضي وكراهية ضد الكرد، حيث السياق السياسي آنذاك كان يُحيل إلى التغيّرات الكبرى التي طالت المنطقة وأبرزها حرب العراق التي افضت إلى إسقاط نظام البعث هناك.
كان لتلك الأحداث وجهٌ مبنيّ على الكراهية من اللفظ إلى العنف، وأفضت تلك الأحداث المأساوية إلى مقتل أكثر من 35 شاباً، وكراهية منظّمة ضدّ الكرد، ترافقت مع أعمال سلب ونهب لممتلكات الكُرد، وهنا كانت الأداة مجتمعية، حيث جعل النظام السوري حينها أبناء المناطق الشرقية في دير الزور والحسكة في الضدّ من بعضهم البعض، وكان الضحايا هم الكرد فريسة للكراهية والعنف.
اقرأ أيضاً:
محتوى مضلل وخطاب طائفي: شبكة قنوات مترابطة تغذّي الصراع في السويداء
ومع نهاية حقبة الأسد الابن وسقوط نظامه برز خطاب الكراهية كأداة جديدة للنيل من مكونات الشعب السوري، كانت بدايته مع العلويين "فلول النظام" حيث ساهم ذلك في حشد الحشود في وسائل التواصل الاجتماعي بداية للنيل منهم في جبهة عنفية رمزية، لتنتقل إلى الواقع عبر ارتكاب مجازر بحقّهم، وبعدها بأشهر قليلة في أحداث السويداء وجرمانا التي ترافقت ميدانيا بمجازر وانتهاكات واسعة النطاق، واستهداف المسيحيين بعنف رمزي وواقعي كان من تأثيراته تفجير كبير في كنيستهم بدمشق عدا عن حالات العنف الرمزي التي انتهت أخيرا وليس آخرا بإزالة تمثال ذو رمزية دينية مسيحية من باب شرقي بدمشق.
وقد كان ختامها أخيرا وليس آخراً بخطاب كراهية يبدو ممنهجا ضدّ قوات سوريا الديمقراطية بداية تجاوزتها لاحقا لتنال من الكُرد كقومية، حيث تم إطلاق هتافات تحريضية عقب احتفالات جرت في دمشق بمناسبة الذكرى الأولى لسقوط النظام (للتحرير) من قبل أفراد من وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية المؤقتة مثلت نهجاً واضحاً يهدف إلى تأجيج الكراهية وإحياء خطاب صارخ يدعو إلى انتهاك السلم الأهلي والتوترات في سوريا خاصة مناطق شمال وشرق سوريا.
إذاً نرى هنا بأنّ خطاب الكراهية كان ومازال له أشكال متنوعة ضدّ مكونات سوريا فلم يكن البعث وحكمه الحاضنة الوحيدة لهذا الخطاب، بل زادت وتيرته رغم تغير السلطة في دمشق الأمر الذي عكس واقعاً مخالفاً لهواجس السوريين بالقضاء على هذه الطاهرة وكل من يساهم في توسيع انتشارها.
في السياق السوري بات من الضروري، وبما أن سوريا كانت وماتزال لها حصة الأسد من استهلاك خطاب الكراهية وتأجيج الصراع والانقسام وضع أسس وقوانين صارمة في معالجة ظاهرة خطاب الكراهية أهمها:
- تجريم خطاب الكراهية عبر قوانين واضحة توازن بين حرية التعبير وحقوق الجماعات إضافةً لضرورة إجراء التعديلات في بعض القوانين وتشديد العقوبات، وخاصة ضدّ الأشخاص ذوي الصفات الاعتبارية.
- العمل على تطوير إعلام مسؤول ومواثيق شرف مهنية للحدّ من خطاب الكراهية التي يقودها إعلاميون.
- تفعيل دور المجتمع المدني عبر إطلاق حملات توعية وتنفيذ برامج مصالحة ومحلية.
- تقديم الدعم النفسي الاجتماعي والقانوني لضحايا خطاب الكراهية.
- تطوير برامج تعليمية تزرع قيم التسامح وقبول الآخر.
- إطلاق حوار وطني شامل يضم كلّ المكونات السورية يهدف على التوافق لرؤية مشتركة تعيد بناء الثقة وتكافح خطاب الكراهية وجذوره.
لم تكن سوريا البلد الوحيد الذي تعرّض للصراعات بكافة أشكالها وأنواعها ولخطاب الكراهية الذي تم تغذيته بتقنية عالية لتوسيع بؤرة الانقسام والاختلاف وزيادة الشرخ في الصميم السوري، إلا أنّ الواقع قد يعيد ترتيب أوراقه من جديد بصورة تعكس حقاً تماسك وتظافر المجتمع السوري الذي انصهر في طيات خطاب زرع السواد لعقود طويلة في كل بيت وزاوية، وأخذت الكثير من جمالية روح حياة المجتمع السوري.