info@suwar-magazine.org

السيدة.. تمرين على النجاة

السيدة.. تمرين على النجاة
Whatsapp
Facebook Share

 

لم تكن مغنية في حياتي، كانت جغرافيا، كانت طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

ـ هل من مغنيّة في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟

ـ نعم:

ـ إنها فيروز.. السيّدة.

كيف يمكن أن أؤرخ لها؟ من أين يبدأ تاريخ فيروز؟ من يوم ولدت؟ أم من اللحظة التي أصبح فيها لبنان ممكناً بصوت امرأة؟ أم من ذلك المتوسط القديم الذي كان يحمل السفن الفينيقية محمّلة بالأرجوان والخشب والأساطير، قبل أن يحمل الأغنيات؟

 

 

أعتقد أن الكتابة عنها تستدعي تاريخين معاً؛ تاريخها، وتاريخي (لا تقللوا مني، رجل مثلي أصغى بما يكفي لفيروز، يستحق أن يعانقه التاريخ.. أيّ غرور هذا؟ ليس غروراً إنه شهادة كفاءة) ، لكنني كلما حاولت الفصل بينهما، اكتشفت أنهما تشابكا إلى حد يستحيل معه التمييز بين من كان يضيء الآخر.

 

أنا ابن سورية التي كانت تبحث دائماً عن نافذة تطل على البحر، وكانت فيروز ذلك البحر، لم تكن الحدود السياسية تعرف طريقها إلى الأغنيات.. كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة:

ـ حنين.

ولذلك، كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط نفسه يغني، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرةً، ذلك البحر الذي مرّ عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية.

 

 

لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية.. لم تعد بكفيا أو أنطلياس أو بشري أو زحلة  أو (بمهرية موطن أحفادي)، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

 

 

وحين أقول الرحابنة، فإنني لا أتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن.

 

ـ ثم جاءت اللغة.

ذلك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت المحكية من كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر. منذ ميشال طراد، مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة. كان هؤلاء يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من رسميتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان في قرية لا يعرفها أحد.

ولعل فيروز كانت الجسد الموسيقي لتلك اللغة.. كانت القصائد تجد فيها حنجرتها الأخيرة.

 

 

لكن علاقتي بفيروز لم تأت من الأغنيات وحدها، جاءت أيضاً من زياد.

في الصداقة، كما في الموسيقى، يحدث أحياناً أن نتعرف إلى النهر من أحد فروعه، ومع زياد كنت أتعرف، مرة أخرى، إلى ذلك العالم الذي صنعته عائلته الكبيرة؛ عالم لا ينفصل فيه الفن عن الأخلاق، ولا الأغنية عن الحياة، ولا الجملة الموسيقية عن الصمت الذي يسبقها.. كنت أشعر أنني لا أتعرف إلى أفراد، بل إلى شجرة كاملة، تمتد جذورها في جبال لبنان، بينما تظل أغصانها مفتوحة على العالم.

ولهذا، إذا كتبت يوماً عن فيروز، فلن أكتب عن امرأة اسمها فيروز.

ـ سأكتب عن حضارة صغيرة نجت من الخراب.

سأكتب عن لبنان الذي قاوم الانهيار أكثر مما قاومه السياسيون.. لبنان الذي حفظته القصيدة حين عجزت الدولة، وحفظته الأغنية حين فشلت البنادق، وحفظه المسرح حين انطفأت المنابر.

وسأكتب أيضاً عن نفسي:

ـ عن الطفل الذي كان يظن أن الأصوات تأتي من السماء، ثم اكتشف أن بعضها يأتي من البشر، لكنه يظل سماوياً.

ـ سأكتب عن المدن التي تهدمت، بينما بقيت أغنية واحدة قادرة على إعادة بنائها داخل القلب.

سأكتب عن الأزمنة التي تغيرت فيها الأعلام، وتعاقبت الأنظمة، وسقطت الشعارات، وبقي صوت واحد لا يحتاج إلى تفسير.

 

 

ربما لهذا لا أخاف على فيروز من الموت، فالموت يعرف أن بعض البشر لا يمكن أن يربحه.. لقد ربح أجساداً كثيرة، لكنه خسر أصواتاً قليلة، وكانت فيروز واحدة من تلك الهزائم النادرة.

وحين يأتي ذلك اليوم، سواء سبقتني إليه أو سبقتها أنا، فلن أضع وردة على قبرها، لأن القبور لا تتسع لمن أصبح جزءاً من الهواء.

 

ـ سأفتح نافذة.

سيكون الصباح قد بدأ ينسج خيطه الأول فوق المتوسط، وسأفهم، للمرة الأخيرة، أن بعض البشر لا يعيشون في التاريخ، بل يجعلون التاريخ يعيش فينا.

الجذور لا تحب الضوء.. إنها تعرف أن مهمتها ليست أن تُرى، بل أن تحمل ما يُرى، وربما لهذا السبب أخطأ كثيرون في قراءة فيروز.. رأوا الشجرة، ولم ينتبهوا إلى الغابة التي تقف خلفها، ولا إلى الجذور التي تمتد في طبقات التاريخ.. كانت الأغنية بالنسبة إليهم حدثاً فنياً، بينما كانت بالنسبة إليّ وثيقة أنثروبولوجية، يمكن أن يُقرأ فيها تاريخ الإنسان المشرقي أكثر مما يُقرأ في كثير من الكتب.

 

اقرأ أيضاً:

                 

                        امتناناً لـ نجوى فؤاد أكتب عن سيّد درويش  

                                في وداع "الكافر"

 

 

أحياناً أسأل نفسي:

ـ لماذا لم يحدث هذا في مكان آخر؟ لماذا لم تنجح دمشق، وهي الأقدم، في أن تنتج فيروزها؟ ولماذا لم تنجح القاهرة، وهي العاصمة الثقافية العربية الكبرى، في أن تصنع هذه الظاهرة؟ ولماذا بقي العراق، بكل عبقريته الموسيقية، يكتب ملحمته بطريقة أخرى؟

ـ لا أطرح السؤال للمفاضلة، فلكل أرض معجزتها، وإنما لأن الظواهر الكبرى لا تتكرر إلا إذا تكررت شروطها.

 

لبنان ليس وطناً بالمعنى الجغرافي وحده، إنه حادثة جيولوجية، البحر يصعد كل يوم إلى الجبل، والجبل ينزل كل يوم إلى البحر.. هذه الحركة اليومية بين الأعلى والأسفل، بين الصخر والماء، بين الانغلاق والانفتاح، صنعت إنساناً لا يستطيع أن يكون أحادي الهوية.. كان عليه أن يتقن الإصغاء قبل أن يتقن الكلام، فمن البحر تأتي اللغات، ومن الجبل تأتي العزلة، وبين اللغات والعزلة وُلد التأمل.

 

 

ربما لهذا لم يكن غريباً أن تتحول الموسيقى هناك إلى شكل من أشكال التفكير، ففي حضارات كثيرة كانت الفلسفة تسبق الموسيقى، أما هنا فأكاد أعتقد أن الموسيقى هي التي كانت تنتج الفلسفة.. لم يكن الناس يشرحون العالم بالمفاهيم، بل بالألحان، وما عجزت اللغة عن قوله، كانت تقوله طبقة صوت.

 

لهذا أيضاً أشعر أن قراءة الرحابنة بوصفهم ملحنين فقط ظلم لهم.. كانوا يكتبون ما يشبه الميتافيزيقا الشعبية.. كانوا يأخذون أفكاراً ثقيلة؛ الزمن، الغياب، الموت، الوطن، البراءة، الخيانة، ويخفونها داخل أغنية يستطيع طفل أن يرددها في الطريق إلى المدرسة.

ـ تلك ليست حيلة فنية، بل معرفة عميقة بطبيعة الإنسان.. الإنسان لا يعيش بالأفكار التي يفهمها، بل بالأفكار التي تسكنه من دون أن يدري.

 

كنت أقرأ، في سنوات مبكرة، رسائل فان غوخ إلى أخيه ثيو وهي من ترجمة عاصم الباشا الذي اشتغلت بدوري على ترجمة المترجم نفسه، لم أكن أفهم كل ما فيها، لكن بقيت جملة تلاحقني أكثر من اللوحات نفسها، كان فان غوخ يحاول أن يرسم ما لا يُرى، لا ما يُرى.. بعد سنوات طويلة فقط أدركت أن الرحابنة كانوا يفعلون الشيء نفسه، لكن بالموسيقى.. كانوا لا يلحنون الكلمات، بل يلحنون الفراغ الذي بين الكلمات، ولذلك بقيت أغنياتهم قادرة على احتمال الزمن.. الزمن لا يهزم إلا ما هو مكتمل، أما ما يترك مساحة للقارئ أو للمستمع كي يضيف شيئاً من روحه، فإنه يتجدد مع كل جيل.

 

 

ولعل هذا ما جعل فيروز تبدو، في كل مرحلة، كأنها ابنة ذلك العصر.. في الخمسينيات كانت حديثة، وفي السبعينيات كانت حديثة، واليوم لا تزال حديثة، ليس لأنها تسبق الزمن، بل لأنها لم تنتمِ إليه أصلاً.. كانت تقيم في طبقة أعمق، حيث تتحرك الأشياء ببطء شديد، كما تتحرك القارات.

 

 

ليس مصادفة، في رأيي، أن تخرج هذه التجربة كلها من بلد كان مهدداً دائماً بالزوال.. هناك علاقة غامضة بين الهشاشة والإبداع.. الأمم الواثقة من خلودها لا تستعجل إنتاج الجمال، أما الأمم التي تشعر بأن الزلزال قريب، فإنها تودع أجمل ما عندها في القصيدة، وفي الأغنية، وفي اللوحة، كأنها تخبئ مستقبلها داخل معطف الفن.

ـ كلما فكرت في ذلك، عدت إلى سوريا.

ليس لأنني أريد المقارنة بين بلدين، بل لأن الإنسان لا يرى إلا من نافذة بيته الأول.. نشأت في بلد كان التاريخ فيه يكتب نفسه على الجدران تخليداً للزائل، ، وكانت نشرات الأخبار لا تخبرنا سوى لتكريس صممنا .. كان في الخطب، وفي صور القادة الموصوفين بشراهة القتل،  وكان التاريخ على الجانب الآخر منخفِض الصوت مالبث أن ارتفع صوته ملوّحاً بالسواطير،  أما حين كنت أستمع إلى فيروز، كنت أكتشف تاريخاً آخر، يمشي على أطراف أصابعه.. تاريخاً لا يهتم بمن حكم ومن سقط، بل بمن غنى، ومن كتب قصيدة، ومن زرع شجرة، ومن ترك نافذة مفتوحة على البحر.

 

 

ربما لهذا السبب بقيت أشعر أن فيروز لم تكن تنتمي إلى لبنان وحده.. كانت تنتمي إلى ذلك المشرق الذي لم يولد بعد، والذي ربما لن يولد أبداً.. المشرق الذي كانت حدوده ترسمها القوافل، لا الجيوش، وترسمها الأغاني، لا الخرائط.

هذا المشرق، الذي حلم به الشعراء أكثر مما حلم به الساسة، كان يظهر أحياناً لدقائق، كلما بدأت أغنية، ثم يختفي من جديد، تاركاً المستمع أمام سؤال محيّر:

ـ هل كانت الأغنية تروي حنيناً إلى الماضي، أم أنها كانت تتذكر مستقبلاً لم يحدث؟

 

 

 

ـ لا أثق كثيراً في التواريخ:

ليست مشكلة مع المؤرخين، بل مع الزمن نفسه.. الزمن كائن متحيز، يضيء ما حدث، ويترك في الظل ما جعل ما حدث ممكناً.. نعرف متى وُلدت فيروز، ونعرف متى وقفت للمرة الأولى أمام الميكروفون، ونعرف أسماء الأغنيات والمسرحيات، لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح:

ـ كيف أصبح ممكناً أن تظهر فيروز؟

هذا السؤال أهم من فيروز نفسها، لأن السؤال عن الفرد ينتهي عند الفرد، أما السؤال عن الإمكان، فيفتح باب الحضارة كلها.

 

 

كل ظاهرة عظيمة تسبقها طبقات غير مرئية من التاريخ.. لا يولد الأرز يوم يخرج من التراب، بل يوم تبدأ البذرة، في العتمة مفاوضتها الطويلة مع الحجر، ولا تولد القصيدة يوم يكتبها الشاعر، بل يوم تتغير علاقة اللغة بالعالم، وكذلك الأصوات، إنها لا تخرج من الحنجرة، بل من تاريخ طويل من الإصغاء.

ـ أكاد أعتقد أن الحضارات لا تُقاس بما تقوله، بل بما تسمعه.

هذه فكرة لم أجدها في كتاب، وربما لهذا أثق بها، فالأمم التي لا تعرف الإصغاء، لا تنتج سوى الضجيج، مهما امتلكت من فصاحة، أما الأمم التي تصغي عميقاً، فإنها تكتشف، بعد زمن، أن الموسيقى ليست فناً، بل طريقة في تنظيم الفوضى.

لهذا، كلما فكرت بفيروز، وجدتني أبتعد عنها، وأقترب من سؤال آخر:

ـ ما الذي كان يسمعه الفينيقي، وهو يعبر ليل  المتوسط؟

كان الليل آنذاك أوسع مما هو اليوم.. لم تكن هناك مدن تلوث السماء بالضوء، كانت النجوم أقرب، وكان البحر أكثر سواداً، وكانت المجاديف تضرب الماء بإيقاع يكاد يكون أول درس في الموسيقى.

ربما لم يكن الفينيقي يعرف أنه يؤسس لإمبراطورية تجارية، وربما لم يكن يدري أنه يحمل الأبجدية إلى العالم، لكنني أتصور أنه كان يعرف شيئاً آخر:

ـ أن الإنسان لا يهزم البحر بالقوة، بل بالإيقاع.. المجداف الذي يسبق الآخر بلحظة يغرق السفينة.. الإيقاع، قبل أن يكون فناً، كان شرطاً للبقاء.

 

أفكر أحياناً أن الموسيقى ولدت من الخوف، لا من الفرح، الخائفون هم أول من احتاجوا إلى الإيقاع، ليقنعوا قلوبهم بأن الفوضى يمكن ترويضها.. الأم تهدهد طفلها بإيقاع.. الجنود يسيرون بإيقاع.. البحارة يجدفون بإيقاع..  الفلاح يحصد بإيقاع.. وحتى الصلاة، قبل أن تصبح عقيدة، كانت إيقاعاً.

 

 

ـ من هنا، أبدأ بفهم الرحابنة بطريقة مختلفة.

لم يكونوا يصنعون أغنيات، بل كانوا يعيدون إلينا إيقاعات قديمة، فقدنا ذاكرتها وبقيت آثارها في أجسادنا، لهذا كنا نحفظ الأغنية من المرة الأولى، كما لو أننا لا نتعلمها، بل نتذكرها.

 

ـ أليست الذاكرة أغرب من أن تكون مجرد استعادة للماضي؟

أحياناً أشعر أن الذاكرة ليست صندوقاً لما حدث، بل جهازاً يلتقط ما لم يحدث أيضاً.. هناك أماكن لم نزرها قط، ومع ذلك نفتقدها،  وهناك أشخاص لم نلتقهم إلا مرة، لكنهم يسكنوننا كأنهم من طفولتنا، وهناك أصوات لا نستطيع أن نحدد أول مرة سمعناها، لأنها تبدو وكأنها كانت موجودة قبل أن نولد، وهناك ن يذهب إلى تفسير آخر يستعين  بـ "التقمص"، حيث يحل الصوت مكان الروح، في وليد حيّ بعد ان كان روحاً في جسد ميت.

ـ التقمص؟

ـ لمِ لا.

فأنا "درزي"، من سلالة متقمصة اضاعت "درزيتها" في تنوع سكّانها:

ـ فينيق، رومان، يونان، وشعوب صحراوية تعرف كيف تهتدي الإبل إلى موارد المياه دون الاستعانة بـ "غوغل ايرث".

 

 

لهذا، حين أقول إن فيروز رافقت طفولتي، أشعر أن العبارة ناقصة.. الأصح أنها رافقت طفولة الطفولة نفسها. كانت موجودة في ذلك الفراغ الذي يسبق الوعي، حيث لا يميز الطفل بين صوت أمه، وصوت الريح، وصوت الشجرة، هناك، في تلك المنطقة التي لا تصل إليها اللغة، كانت فيروز تبني بيتها.

ـ ربما لهذا السبب لم أتعامل معها يوماً كمطربة:

المطرب يؤدي أغنية، أما هي، فكانت تغير الصمت الذي يلي الأغنية، وهذه موهبة لا تُدرَّس في معاهد الموسيقى.

 

 

 

وها أنذا أتداعى، بما يبدو خارج فيروز وعوالمها، فكلما تقدمت بالعمر، ازددت اقتناعاً بأن الحضارات لا تُهزم حين تُحتل، بل حين تفقد صوتها:

ـ الجيوش لا تحتل إلا الجغرافيا، أما الصوت فهو آخر ما يسقط.. ربما لهذا بقي الإغريق يتكلمون بعد سقوط أثينا، وبقي الأرمن بعد المذابح، وبقيت الأندلس تعيش في الموسيقى بعد أن خرج آخر أهلها منها.

الصوت هو آخر أشكال المقاومة، ولذلك، حين أحاول أن أفهم فيروز، لا أبحث عنها في تاريخ الأغنية العربية، بل في تاريخ الأصوات التي أنقذت شعوبها من العدم.

 

 

ـ ربما يبدو هذا الكلام مبالغاً فيه، لكنه ليس كذلك.. اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً:

ـ لو احترقت مكتبات المشرق كلها، وضاعت الوثائق، واندثرت الصور، ثم بقي صوت فيروز وحده، ألا يستطيع مؤرخ ذكي أن يعيد، من ذلك الصوت وحده، بناء قسم كبير من صورة هذا الشرق؟

ـ سيعرف أن هناك بحراً.

ـ وسيكتشف أن هناك جبلاً.

وسيعرف أن الناس كانوا يؤمنون بأن القرية ليست تجمعاً من البيوت، بل طريقة في النظر إلى العالم، وسيلاحظ أن الحب لم يكن منفصلاً عن الشجر، ولا الصلاة عن الضوء، ولا اللغة عن الحجر، بل سيكتشف شيئاً أخطر، سيكتشف أن هذا الشرق، الذي يبدو في تاريخه السياسي شديد العنف، كان يخفي في طبقاته العميقة رقةً هائلة:

 

 

ـ التاريخ الرسمي لا يروي ذلك، التاريخ الرسمي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين وأنا لا أثق كثيراً بالتاريخ الرسمي.. التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات؛ يمشي وهو ينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعلني أشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وهناك فرق هائل بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً.. الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة:

 

 

ـ الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره.. الرحابنة لايعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقت بين البشر، أما عني فكلما تأملت هذه الفكرة، عدت إلى المتوسط.. ليس البحر المتوسط فالاسم نفسه يفضح وظيفته:

ـ إنه لا يقع في طرف العالم، بل في وسطه، في قلبه أو صدره، وربما في رئته، ليتنفس ويتنفس الكوكب معه.

ليس وسطاً جغرافياً فقط، بل وسطاً حضارياً أيضاً.. كل شيء فيه جاء من مكان آخر:

 

 

الأرز لم يبق في لبنان، والأبجدية لم تبق عند الفينيقيين، والفلسفة لم تبق في اليونان، والديانات لم تبق في فلسطين، والأندلس لم تبق في إسبانيا.. كأن المتوسط اخترع قانوناً لم تنتبه إليه الحضارات الأخرى:

ـ كل ما يبقى، يجب أن يهاجر.

 

 

وربما لهذا بقيت فيروز، لأنها لم تبق في لبنان..  خرجت منه، لكنها لم تغادره، وهناك فرق بين أن تخرج من المكان، وأن يغادرك المكان.

أعرف هذا جيداً، فمنذ غادرت سوريا، وأنا أكتشف أن البلاد لا تقيم في الجغرافيا، بل في البنية السرية للذاكرة.. قد تغير بيتك، وقد تغير لغتك اليومية، وقد تغير القارة التي تعيش عليها، لكنك، فجأة، تسمع جملة موسيقية، أو تشم رائحة خبز، أو ترى ضوءاً يهبط على شجرة زيتون، فتكتشف أن الوطن لم يكن خلفك قط:

ـ كان يسكن جهازك العصبي.

ولعل هذه هي العبقرية التي لم ينتبه إليها كثيرون في تجربة فيروز، هي لم تغنِّ الأوطان، بل جعلت الوطن وظيفة من وظائف الذاكرة.

ـ وهذا أصعب بكثير.

هامش :

ـ هذا فصل من كتاب قد يصدر قريباً "تمرين على الغياب".

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
الثلاثاء, 16 حزيران 2026
الأحد, 14 حزيران 2026
السبت, 13 حزيران 2026

إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard