الدولة الحبيسة، رهينة المحبسين

لم أزيّن جداري بالخرائط، وهذا عيب، لن يغفره لي رجل بحجم "محمد حسنين هيكل" وقد سبق ونصح من لايقرأ الجغرافية بالصمت، وإن بلغة هيكل بالغة التهذيب، ولهذا ربما لن أغفره لنفسي وأنا من لم يلتفت له فيما سبق من "زلازل" تستحق أن تحترق بأسئلتها، غير أن ثمة من يلتحق بالمسافات الضائعة، أو يلحق بها.
اليوم، والعالم الذي يتسع إلى حدود "القرية الواحدة"، ثمة من يحِن إلى "بلاده الدولة"، إما ليستعيد حقاً يعتبره ضائعاً، وإما من صيغة أضاعته، ولابأس من الانتقال ما بين ضياعين.
ما استوقفني هو الخريط، يعني الخطوط والألوان، والدول، والأسوار، وتحديداً ما استوفقني هو ما يمكن تسميه بـ "الدولة الحبيسة" فهناك دول لا تحتاج إلى أسلاك شائكة كي تشعر بالحصار، لأن اليابسة نفسها تؤدي وظيفة السور، ولأن الجغرافيا، في بعض الأحيان، تتحول إلى أكثر السجانين صمتاً وقسوة.. قد تبدو الحدود، في كتب الجغرافيا، مجرد خطوط تفصل بين ألوان مختلفة، لكنها في التاريخ كثيراً ما كانت خطوطاً تفصل بين مصائر مختلفة.
ـ هذا هو الحال، والحال ربما يحتاج إلى بعض الاستطراد.
الدولة التي لا ترى البحر ليست بالضرورة دولة فقيرة، كما أن الدولة المطلة على المحيطات ليست بالضرورة مزدهرة، غير أن البحر لم يكن يوماً مجرد مساحة من الماء، كان دائماً الطريق الأقصر إلى العالم، والنافذة التي تتنفس منها الأمم، والمجال الذي تتحول فيه التجارة إلى قوة، والانفتاح إلى سياسة، منذ أن عرف الإنسان السفينة، لم يعد البحر جغرافيا فحسب، بل صار شكلاً من أشكال الحرية، وعليك أن تتخيل، دولة بلا بحر، أو نافذة اليه؟
الدولة التي وُلدت حبيسة اليابسة، فإنها تبدأ تاريخها وهي تحمل عبئاً لم تختره، عليها أن تفاوض الآخرين كي تصل إلى الموانئ، وأن تثق بأن الطرق التي تمر في أراضي جيرانها لن تتحول غداً إلى وسائل ابتزاز أو حصار، وهكذا يصبح الوصول إلى البحر قضية سيادة، لا مجرد قضية نقل.. هذا في الحال العادي، في أحوال حسن العلاقة مع الجيران.
لكن الحبس الجغرافي لا يبدأ من غياب البحر وحده، بل من اجتماع الجغرافيا بالسياسة، فقد تعوض الدولة الحبيسة افتقادها إلى الساحل بجيران يفتحون لها أبوابهم، كما قد تتحول تلك الأبواب نفسها إلى أقفال إذا سكنت العداءات العلاقات السياسية، عندها لا يصبح الحصار تضاريس، بل قراراً، ولا يعود الطريق إلى الميناء يُقاس بالكيلومترات، بل بدرجة الثقة بين الدول، وتخيّل أن تنساق للعداوة مع الجار، أو تستجيب لعداوته، دون ان تبحث عن "جار الرضى"، او توسّع الهوة بينكما، حتى لا يتبقى بينكما مجرد جسر، ولو من سور اللغة؟
اقرأ أيضاً:
أفغانستان، دولة ليست بلا موارد وليست بلا تاريخ فهي جبال من المعادن النادرة والتاريخ النادر أيضاً، تقدم أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا القدر الجغرافي، فمنذ قرون وهي تعيش في قلب اليابسة، تحيط بها الجبال أكثر مما تحيط بها الطرق، وتتقاطع فوق أرضها الإمبراطوريات لأنها عقدة عبور لا ميناء وصول.
لم يكن البحر جزءاً من ذاكرتها السياسية، ولذلك ظل العالم يصل إليها بالسلاح أسرع مما يصل إليها بالتجارة، ولأنها محاطة بحدود معقدة، وبجيران يحمل كل منهم مشروعه المضاد، بقيت الجغرافيا تمارس ضغطها اليومي على السياسة، حتى بدا وكأن الدولة لا تستطيع أن تتحرر من موقعها مهما تغيرت الأنظمة أو تبدلت التحالفات.
الجغرافيا لا تفرض دائماً حكمها بالصورة ذاتها، فهناك دول لا يمكن وصفها بأنها حبيسة بالمعنى القانوني، لكنها تعيش ضيقاً جغرافياً لا يقل أثراً، والعراق واحد من هذه النماذج.
بشيء من المجاز، إنه يشبه فيلاً ضخماً يمتد خرطومه إلى الماء، بينما يبقى جسده كله على اليابسة، يمتلك منفذاً بحرياً، لكنه منفذ ضيق لا يمنحه الحرية البحرية التي تمتلكها الدول المفتوحة على البحار، لم يكن ذلك المنفذ كافياً لكي يتحول البحر إلى أفق استراتيجي، بل ظل أقرب إلى نافذة صغيرة يطل منها بلد كبير.
ربما لو رسمت الجغرافيا العراق بصورة أخرى، بما يعني لو امتد غرباً حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، لتغير شيء من معادلاته الكبرى، ليس لأن البحر يصنع التاريخ وحده، بل لأنه يوسع خيارات الدول، ويقلل من قابليتها للحصار، ويمنحها أكثر من طريق إلى العالم، غير أن الجغرافيا لم تمنحه ذلك الامتداد، والسياسة لم تحاول تعويضه، فعلى طرفي الحدود، وقف نظامان ينظر كل منهما إلى الآخر بعين الريبة؛ دكتاتور في بغداد، ودكتاتور في دمشق، وبين سلطة تخشى سلطة، وحدود يسيطر عليها منطق الأمن أكثر مما يسيطر عليها منطق المصالح، بقي البحر الأبيض المتوسط أقرب على الخريطة منه في السياسة.
ـ كانت الجغرافيا تعرض احتمالاً، وكانت السياسة تغلقه.
وهنا تكمن المفارقة، فالدول لا تسجنها الجغرافيا وحدها، بل قد تسجنها خياراتها أيضاً، فقد يتحول الجار إلى جسر، وقد يتحول إلى جدار، وقد يصبح المنفذ البحري بلا قيمة إذا كانت السياسة عاجزة عن تحويله إلى منفذ للحياة، ولذلك فإن أكثر ما تفعله الجغرافيا بالدول ليس أنها تحدد طرق تجارتها، بل أنها تعيد تشكيل شخصيتها السياسية، فالدولة التي تشعر دائماً بأن منفذها الوحيد يمكن أن يُغلق، تميل إلى تضخيم هواجس الأمن، وإلى النظر إلى الحدود بوصفها خطوطاً للحياة أو الموت، وكلما ضاق مجالها الحيوي، ازدادت حساسيتها تجاه كل تغير يقع خلف الحدود، وهكذا تتحول الجغرافيا، بصمت، إلى أحد المهندسين الخفيين للسياسة.
يشبه الأمر إنساناً يعيش في بيت ذي باب واحد.. إنه لا ينظر إلى ذلك الباب كما ينظر إليه من يملك أبواباً كثيرة، يصبح الباب جزءاً من شعوره بالأمان، وجزءاً من خوفه أيضاً، وكذلك الدول، فكل منفذ وحيد يتحول إلى مسألة وجود، وكل طريق إلى الخارج يصبح شرياناً لا يجوز أن ينقطع، فكيف لك أن تفكّر بـ "دولة بلا طريق"، او بطريق يفتح على جحيم لن يكون فيه إلاّ "المكان الطارد"؟
مع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن البحر وحده يصنع القوة، لقد أثبت التاريخ أن بعض الدول الحبيسة استطاعت أن تكتشف بحاراً أخرى، جعلت من المعرفة ميناءً، ومن الصناعة طريقاً إلى العالم، ومن المال جسراً يعوض ما حرمته منها الطبيعة، فالجغرافيا تفرض شروط البداية، لكنها لا تكتب النهاية وحدها، ولكن كم من دولة حبيسة خرجت من محبسها بمهارات وإراداتها ناسها؟
ـ اظنها قليلة وقلقة بآن.
غير أن هذا لا ينفي حقيقة أخرى؛ فالعالم، رغم ثورته الرقمية، ما زال محكوماً إلى حد بعيد بالموانئ، والمضائق، وخطوط الطاقة، والممرات التجارية، وما زالت الدول تتصارع على البحار كما كانت تفعل قبل قرون، لأن البحر لم يفقد مكانته بوصفه شريان القوة، بل ازدادت قيمته مع تعقد الاقتصاد العالمي، ولعلني سأكون مخطئاً، خطأً كبيراً، إن رأيت الدول الحبيسة بوصفها تصنيفاً جغرافياً جامداً، فهي ليست مجرد دول بلا سواحل، بل هي حالات سياسية، واقتصادية، ونفسية أيضاً، فبعض الدول قد تكون حبيسة وهي تمتلك شاطئاً، إذا كان ذلك الشاطئ لا يمنحها حرية الحركة، أو إذا كانت قراراتها مرهونة بإرادة الآخرين، وفي المقابل، قد تكون دولة أخرى بلا بحر، لكنها أكثر اتصالاً بالعالم لأنها نجحت في صناعة منافذ أخرى، سياسية واقتصادية ومعرفية، وهذا الـ :
ـ الممكن.
هو:
ـ الاستثناء النادر، والمهدّد على الدوام.
لهذا لا يبدو السؤال الحقيقي:
ـ هل للدولة منفذ على البحر؟
قد يذهب السؤال إلى اتجاه آخر، إلى السؤال الأعمق وهو:
ـ كيف تتعامل الدولة مع جغرافيتها؟ هل تستسلم لها باعتبارها قدراً نهائياً، أم تحولها إلى تحدٍّ يدفعها إلى الابتكار؟ فالجغرافيا تمنح الأمم شروطها الأولى، لكنها لا تمنحها حكمها الأخير.
غير أن بعض الجغرافيات قاسية إلى الحد الذي تجعل التحرر منها يحتاج إلى أكثر من الإرادة؛ يحتاج إلى سياسة ترى في الجار شريكاً قبل أن تراه خصماً، وفي الحدود معبراً قبل أن تراها متراساً، وفي البحر أفقاً للتعاون لا ميداناً للصراع .بغير ذلك ستكون دولة "رهينة المحبسين"، ولكن لا بعبقرية أبو العلاء، ولا بحكمته.