الواقعية السياسية في زمن الشعارات: لماذا اختارت قسد الاتفاق مع دمشق؟

*تنويه: هذه الصورة معدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي
من السهل جداً أن تطلب من الآخرين مواصلة الحرب، خاصةً عندما تكون بعيداً عن جبهاتها، ومن الممكن أيضاً أن تصف الاتفاقات السياسية بـ"الاستسلام"، وتتهم قادتها بالتفريط، وتطالبهم بالقتال حتى النهاية.
لكن السؤال الأصعب ليس: لماذا لم تقاتل؟ بل: إلى أين كان يمكن أن تقاتل؟ ومع من؟ وبأي غطاء دولي؟ ولأي نتيجة؟
هذه الأسئلة تغيب غالباً عن النقاش الذي أعقب الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وعن الانتقادات التي تطال مظلوم عبدي، والتي تراوحت بين العتب السياسي والتخوين الصريح.
بالنسبة إلى قسمٍ من المنتقدين، كان المطلوب من "قسد" الاستمرار في المواجهة، ورفض أي اندماج في المؤسسات السورية، والحفاظ على البنية العسكرية كما كانت، لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن السياسة لا تُدار بالرغبات، بل بموازين القوى.
فالاتفاق المبرم، لم يأتِ من فراغ، لأن "قسد" لم تدخل المفاوضات مع دمشق من موقع الراحة أو فائض القوة، بل تحت ضغطٍ إقليمي وعسكري وسياسي متزايد، مع حضور تركيا في خلفية المشهد بوصفها العصا الأغلظ فوق رأس المشروع الكردي في سوريا.
التهديدات العسكرية، والتلويح باجتياح المناطق الكردية، واستحضار ورقة العشائر والفزعات المحلية، جميعها كانت أدوات ضغط لإيصال رسالة واحدة مفادها؛ إما أن تجد "قسد" صيغة جديدة لموقعها داخل سوريا، أو تواجه احتمال الدخول في مرحلة استنزاف جديدة لا تعرف أين تنتهي، ولا ننسى أيضاً، أن الموقف الأميركي كان أقل تأثيراً.
فالولايات المتحدة لم تدخل في تحالفٍ مع قوات سوريا الديمقراطية بهدف تحقيق مشروع سياسي كردي مستقل، بل في إطار مهمة واضحة وهي محاربة تنظيم داعش، لكن مع تغير الظروف السياسية وظهور سلطة جديدة في دمشق، أصبحت الرسالة الأميركية أكثر وضوحاً، وهي: إذا دخلتم حرباً ضد الدولة السورية، فلا تفترضوا بالضرورة أن واشنطن ستقاتل إلى جانبكم.
هنا فقدت "قسد" إحدى أهم أوراق قوتها، وبالتالي مطالبتها بالذهاب إلى حرب مفتوحة في ظل غياب ضمانة أميركية واضحة، ووجود ضغط تركي متصاعد، هي بمثابة مقامرة بمصير ملايين المدنيين.
ومن أكثر المفارقات وضوحاً في ردود الفعل على الاتفاق، هو موقف بعض القوى السورية المعارضة لدمشق، والتي كانت تنظر إلى "قسد" باعتبارها حليفاً استراتيجياً يفترض أن يستمر في مواجهة السلطة الجديدة، بل إن بعض الأصوات أبدت امتعاضاً من الاتفاق وكأنها فقدت قوة كان حرياً بها أن تبقى في حالة حرب دائمة.
هنا يجب التوقف أمام سؤال جوهري: لماذا كان يفترض أن يكون الكرد و"قسد" رأس الحربة العسكرية في معركة لا تتطابق بالضرورة مع قضيتهم ومصالحهم؟
قضية الكرد قضية قومية وسياسية لها تاريخها الخاص، ولا يجوز اختزالها في الصراعات التي تخوضها قوى سوريّة معارضة، ومن حق كل المكونات السورية أن يبحثوا عن ضمانات لمستقبلهم، لكن ليس من حق أحد أن يفترض أن الكرد ملزمون بتحويل مناطقهم إلى جبهة حرب دائمة نيابة عن الآخرين، في النهاية، الكرد في سوريا ليسوا جيشاً احتياطياً لكل من يريد إسقاط دمشق، ولا قوة انتحارية تُرسل إلى الحرب كلما احتاج طرف آخر إلى تغيير موازين القوى.
اقرأ أيضاً:
مع ذلك، لا ينبغي تحويل اتفاق (قسد- دمشق) إلى انتصار كامل أو تصويره على أنه تحقيق لجميع الأهداف، فالأسئلة الصعبة لا تزال قائمة، وربما تكون المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً من مرحلة توقيع الاتفاق نفسها، رغم ذلك، من الخطأ تجاهل ما يمكن أن يحمله الاتفاق من مكاسب إذا تحولت التعهدات إلى واقع.
فالاعتراف باللغة الكردية وتدريسها ضمن إطار رسمي، وفتح المجال أمام معالجة قضية الإدارة المحلية ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية، كلها مسائل لم تكن تفصيلية بالنسبة إلى شعبٍ حُرِم لعقود من الاعتراف بهويته القومية.
أما قوات سوريا الديمقراطية، فهي ليست مجرد تشكيل عسكري يمكن الحديث عن تفكيكه أو دمجه وكأن شيئاً لم يكن، هذه القوة دفعت ثمناً باهظاً في الحرب ضد داعش، وقدمت، بحسب ما هو متداول، أكثر من عشرين ألف مقاتل ومقاتلة بين قتيل وجريح وخسائر بشرية جسيمة في مواجهة التنظيم وجماعات مسلحة أخرى.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا قبلت قسد بالاندماج؟
بل: ما الذي ستحصل عليه مقابل ذلك؟ وهل ستتحول التفاهمات إلى ضمانات حقيقية أم إلى وعود مؤجلة؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل الانتقاد الأكثر واقعية الموجه إلى "قسد" والإدارة الذاتية، فهناك من يسأل: كيف يمكن لقوة كانت تسيطر على مساحات واسعة من سوريا، تضم موارد نفطية وزراعية واقتصادية مهمة، أن تتخلى عن هذه الأوراق مقابل مناصب قد تكون في النهاية رمزية؟ وهو سؤال مشروع.
ربما لم يكن هذا الاتفاق ما حلم به الكرد، وربما لم يكن بحجم التضحيات التي قدمتها قوات سوريا الديمقراطية في الحرب ضد داعش، لكن السياسة لا تمنح دائماً ما نستحقه، بل ما تسمح به موازين القوى.
فالمشاركة في مجلس الشعب أو الحصول على مناصب استشارية، لا يعني الكثير إذا كانت بنية السلطة نفسها مركزية إلى درجة تجعل القرار الحقيقي محصوراً في يد رأس الدولة، المتمثّل بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع.
لهذا، فإن قيمة الاتفاق يجب أن تُقاس بمدى تأثير الكرد فعلياً في القرار المتعلق بمناطقهم، وبمدى قدرة المؤسسات المحلية على حماية مصالح السكان، وبوجود ضمانات دستورية وسياسية لا يمكن التراجع عنها بسهولة.
بالعودة إلى موجة الانتقادات التي لمّا تزل تطال "قسد" وعبدي، ربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه هو أن نسبة كبيرة ممن يطالبون قوات سوريا الديمقراطية بمواصلة الحرب يعيشون خارج سوريا.
بعضهم يحمل جنسية أوروبية أو إقامة دائمة، وينظر إلى المشهد من خارج مناطق الحرب والمعاناة، ومن حق الجميع إبداء الرأي، بالتأكيد، لكن هناك فرقاً بين أن تحلل حرباً وبين أن تعيش تبعاتها، فالمغترب يستطيع أن يرى الحرب من زاوية الشعارات، أما من آثر البقاء، فإنه ينظر إليها من زاوية مختلفة: الأمن، الكهرباء، الاقتصاد، المدارس، الطرق، الرواتب، الخدمات، ومستقبل أطفاله.
لذلك، لم يكن غريباً أن يرى الباقون على الأرض في الاتفاق فرصة لتجنب حرب جديدة، وتحسين مستوى المعيشة، وإنهاء حالة الانسداد التي استمرت سنوات بين الإدارة الذاتية ودمشق، لأن الشعوب في النهاية تحتاج أيضاً إلى مدارس تفتح أبوابها، واقتصاد يتحرك، وخدمات تستمر، وطرق مفتوحة، وعائلات لا تعيش كل يوم تحت احتمال اندلاع حرب جديدة.
وعليه، فإن اختزال ما فعله مظلوم عبدي و"قسد" بكلمة "استسلام" يبدو تبسيطاً شديداً لمشهد أكثر تعقيداً، فمن يطالب الآخرين بالقتال يجب أن يجيب أولاً عن سؤالٍ بسيط: هل هو مستعد لتحمل نتائج تلك الحرب؟
بالمحصلة، "قسد" ليست دولة عظمى، والكرد في سوريا ليسوا قوة عسكرية يمكنها مواجهة تركيا ودمشق وقوى إقليمية متعددة في وقت واحد، خصوصاً إذا اختار الحليف الأميركي الوقوف جانباً.
لهذا، قد لا يكون الاتفاق نهاية المشروع الكردي، كما يتخوف البعض، وقد لا يكون أيضاً ضمانة لمستقبله، المسألة ببساطة هي انتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة اختبار أكثر صعوبة، هي مرحلة اختبار السياسة.
اليوم، لم يعد السؤال الأهم لماذا وقّع مظلوم عبدي الاتفاق؟ بل ماذا سيفعل بعده؟
هل سيتمكن من تحويل ما تبقى من القوة العسكرية والسياسية التي امتلكتها "قسد" إلى ضمانات حقيقية للكرد؟
هل ستُترجم الوعود المتعلقة باللغة والهوية والإدارة المحلية إلى قوانين ومؤسسات؟
وهل يستطيع الكرد الحفاظ على ما تحقق خلال سنوات الحرب من دون أن يتحول الاندماج إلى مجرد عودة مقنّعة إلى المركزية القديمة؟