لماذا يجب أن يطالب الكرد بالاستقلال؟

منذ أكثر من مئة عام، يعيش الكرد داخل أربع دول رئيسية: تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا، وخلال هذا القرن، اختلفت الأنظمة والحكومات، سقطت ملكيات وجاءت جمهوريات، حدثت انقلابات وثورات وحروب، وتغيّرت التحالفات الدولية مرات عديدة. لكن سؤالاً واحداً بقي بلا حل: كيف يمكن بناء علاقة مستقرة وعادلة بين الكرد والدول التي يعيشون ضمن حدودها؟
طوال عقود، كانت الإجابة تُبحث دائماً تقريباً داخل حدود الدول القائمة، من خلال أشكال مختلفة من الحقوق الثقافية والسياسية، أو الحكم الذاتي، أو اللامركزية، أو الفيدرالية. ومع ذلك، بقيت القضية الكردية مفتوحة، وعادت إلى الواجهة مع كل أزمة أو تحول كبير في المنطقة.
وربما لهذا السبب، حان الوقت للكرد لطرح السؤال بصورة مختلفة: بدلاً من السؤال الدائم عن كيفية حل «المسألة الكردية» داخل الدول القائمة، لماذا لا يسأل الكرد أنفسهم أولاً: لماذا لا تكون الدولة المستقلة أحد الخيارات السياسية المشروعة لمستقبلهم؟
لكن طرح هذا السؤال لا يتعلق بالكرد وحدهم، لأن أي تغيير في موقعهم السياسي سينعكس بالضرورة على الدول والمجتمعات المحيطة بهم. ومن هنا يأتي السؤال الأهم: هل قيام دولة كردية سيكون بالضرورة كارثة على تركيا وإيران والعراق وسوريا كما يُصوَّر عادة؟ أم أن تسوية تاريخية للقضية الكردية قد تكون، على المدى الطويل، أقل كلفة على هذه الدول من استمرار الصراع بصور مختلفة لعقود أخرى؟
قرن كامل يكفي للحكم على التجربة
منذ رسم النظام الإقليمي الحديث بعد الحرب العالمية الأولى، لم تكن هناك تجربة كردية واحدة مع الدولة المركزية، بل تجارب عديدة اختلفت في شكلها وحدّتها ونتائجها من دولة إلى أخرى ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى.
ففي جميع المراحل، جرى إنكار الهوية الكردية نفسها واضطهاد الكرد بأبشع الأساليب، قبل أن تشهد بعض الدول والمراحل تحولات متفاوتة مُنحت خلالها بعض الحقوق الثقافية والسياسية. وفي العراق، تطورت التجربة إلى حد الاعتراف الدستوري بإقليم اتحادي واسع الصلاحيات، بينما ظهرت في سوريا خلال الحرب صيغة مختلفة من الإدارة الذاتية. أما في تركيا، فانتقلت القضية بين الإنكار، والمواجهة المسلحة، ومحاولات الانفتاح والحوار، في حين بقيت المسألة الكردية في إيران مرتبطة إلى حد كبير بمركزية الدولة ومخاوفها الأمنية.
ورغم اختلاف هذه التجارب والمسارات، وتفاوت ما حققه الكرد في كل واحدة منها، فإن النتيجة الأساسية بقيت واحدة: لم تصل أي منها حتى الآن إلى تسوية نهائية ومتفق عليها للسؤال الكردي.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى هذه التجارب مجتمعة، لا إلى كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. فالمطالبة بالاستقلال لا تحتاج بالضرورة إلى الادعاء بأن التعايش بين الكرد وشعوب المنطقة مستحيل، ولا إلى تجاهل ما تحقق من حقوق في بعض المراحل. لكن بعد قرن من الانتقال بين الإنكار والصراع والاعتراف الجزئي والحكم الذاتي والفيدرالية، يمكن القول إن مئة عام من التجربة تمنح الكرد سبباً مشروعاً للتفكير في بديل سياسي آخر.
اقرأ أيضاً:
هندسة الاستبداد المعاصر... سقوط النخب في فخ إعادة إنتاج السلطانية
المجتمع المدني العميق: حين تتحول المنظمات إلى أذرع للسلطة ( 2 )
الاستقلال ليس إعلان حرب
هناك مشكلة في الطريقة التي يُناقش بها مفهوم الدولة الكردية، فبمجرد ذكر الاستقلال، يتحول النقاش سريعاً إلى الخرائط والحروب وتقسيم الدول، لكن الاستقلال في القرن الحادي والعشرين لا ينبغي أن يعني إرسال الجيوش لرسم حدود جديدة.
يمكن للكرد أن يطالبوا بحق تقرير المصير، وأن يجعلوا الاستقلال هدفاً سياسياً طويل المدى، مع التأكيد أن تحقيقه يجب أن يكون عبر الإرادة الشعبية والتفاوض والاتفاقات والضمانات الدولية، وليس عبر فرض الحدود بالقوة.
وهنا يوجد فرق كبير بين المطالبة بحق سياسي وبين تحديد الطريقة والتوقيت والشكل النهائي لممارسة ذلك الحق.
قد يستغرق الأمر سنوات أو عقوداً، وقد تبدأ العملية باتحادات، أو فدراليات أو ترتيبات انتقالية أو اتفاقات اقتصادية وأمنية مع الدول القائمة. لكن عدم إمكانية تحقيق الاستقلال غداً لا يعني أن على الكرد التخلي عن حقهم في طرحه اليوم.
العالم الذي قسّم الكرد لم يعد هو العالم نفسه
هناك سبب آخر يجعل طرح الاستقلال اليوم مختلفاً عما كان عليه قبل عقود: البيئة الجيوسياسية التي نشأ فيها النظام الإقليمي تغيّرت جذرياً.
الدول التي رُسمت داخلها المسألة الكردية قبل أكثر من قرن لم تعد بالقوة أو التماسك نفسيهما، كما أن موازين القوى الإقليمية والدولية لم تعد ثابتة. العراق تغيّر بعد 2003، وسوريا بعد 2011 ثم سقوط نظام الأسد، وتركيا وإيران تواجهان بدورهما تحولات داخلية وإقليمية، فيما أصبحت المنطقة ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية متعددة.
وفي وسط هذه التحولات، لم يعد الكرد مجرد جماعات تطالب بحقوقها داخل دول مركزية قوية، لقد أصبحوا، بدرجات متفاوتة، فاعلين سياسيين وعسكريين واقتصاديين في معادلات المنطقة.
في العراق، يمتلك إقليم كردستان مؤسسات سياسية وأمنية وعلاقات خارجية مباشرة منذ عقود. وفي سوريا، تحولت القوى الكردية خلال الحرب ضد تنظيم داعش إلى شريك عسكري مهم للتحالف الدولي، وأصبحت المناطق الكردية جزءاً من أي نقاش جدي حول مستقبل سوريا. وحتى في تركيا وإيران، لم يعد من الممكن التعامل مع المسألة الكردية باعتبارها قضية أمنية داخلية معزولة عما يحدث في العراق وسوريا والمنطقة الأوسع.
لكن هذه التجربة كشفت للكرد حقيقة أخرى أكثر قسوة: أن أهمية الكرد بالنسبة إلى القوى الكبرى لا تعني بالضرورة أن هذه القوى ستضمن مستقبلهم.
التاريخ الكردي الحديث مليء بتحالفات مؤقتة انتهت عندما تغيرت مصالح الدول. وفي العقود الأخيرة أيضاً، تعاونت قوى دولية مع الكرد عندما تقاطعت مصالح الطرفين، ثم غيّرت أولوياتها أو تراجعت التزاماتها عندما تغيرت الحسابات الإقليمية.
لكن الدرس من هذه التجارب ليس أن يتجنب الكرد التحالف مع القوى الدولية أو أن يبنوا مشروعهم السياسي على العداء للولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا أو غيرها. فالسياسة في النهاية تقوم على المصالح والتحالفات، وسيحتاج الكرد، مثل أي شعب آخر، إلى علاقات دولية قوية وشراكات قادرة على حماية مصالحهم.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التحالف من أداة لخدمة المشروع السياسي إلى بديل عنه، وعندما يصبح مستقبل الكرد مرتبطاً باستمرار التزام هذه الدولة أو تلك تجاههم. فهناك فرق جوهري بين التحالف مع دولة كبرى وبين وضع المصير السياسي لشعب في ضمانتها.
فالحكومات تتغير، والرؤساء يتغيرون، والحروب تنتهي، والأولويات الاستراتيجية تنتقل من منطقة إلى أخرى. وما يبدو اليوم تحالفاً استراتيجياً قد يصبح بعد عشر سنوات ملفاً ثانوياً في حسابات قوة كبرى.
ولهذا ربما يكون أحد أهم الدروس التي ينبغي للكرد استخلاصها من القرن الماضي هو أن الشعب الذي لا يمتلك مركز قراره السياسي سيبقى جزءاً من حسابات الآخرين.
وقيام دولة كردية مستقلة لا يضمن للكرد الأمن بصورة مطلقة، ولا يحميهم بالضرورة من التدخلات أو التهديدات الخارجية. لكنه يغيّر موقعهم داخل النظام الدولي: من شعب يبحث عن حامٍ، إلى دولة تمتلك قرارها السياسي، وتبني تحالفاتها، وتوقّع اتفاقاتها، وتنوّع علاقاتها، وتتحمل مسؤولية خياراتها. وهذا هو الفارق الجوهري. لذلك إذا كان النظام الإقليمي نفسه يدخل مرحلة إعادة تشكيل، فإن السؤال بالنسبة للكرد لا ينبغي أن يكون فقط: من سيحمينا في النظام القادم؟
بل:
ما الموقع الذي نريد أن نملكه نحن في هذا النظام؟
فالدول الكبرى قد تكون حليفاً مهماً، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن مشروع سياسي كردي مستقل، والتجربة تقول إن التحالفات تتغير بتغير المصالح، أما الشعوب فتبقى في جغرافيتها.
لماذا يحتاج الكرد إلى هذا المطلب أصلاً؟
لأن الشعوب التي لا تحدد سقف مطالبها بنفسها، غالباً ما تجد نفسها تفاوض داخل السقف الذي يحدده الآخرون لها.
إذا كان الحد الأقصى للمطلب الكردي هو بعض الحقوق الثقافية، يصبح النقاش حول مقدار هذه الحقوق.
وإذا كان المطلب هو اللامركزية، يصبح النقاش حول مقدار الصلاحيات التي يمكن للمركز منحها.
أما عندما يصبح تقرير المصير والاستقلال جزءاً مشروعاً من الخيارات السياسية، فإن طبيعة العلاقة نفسها تصبح موضع تفاوض.
وهذا لا يعني أن كل كردي يجب أن يؤيد الاستقلال، ولا أن كل جزء من كردستان سيختار الطريق نفسه.
لكن يجب أن يكون الاستقلال خياراً كردياً قابلاً للنقاش، لا محرّماً سياسياً يحدد الآخرون مسبقاً أنه غير مسموح للكرد حتى بالتفكير فيه.
لكن ماذا سيستفيد الجيران؟
منذ عقود، تنظر دول المنطقة إلى الدولة الكردية باعتبارها تهديداً وجودياً. لكن من المشروع قلب السؤال: كم كلّف غياب الحل حتى الآن؟
حروب وثورات وعمليات عسكرية ونزوح وتدمير مدن وقرى، وتوترات حدودية، وتدخلات خارجية، وصراعات على الموارد، وأجهزة أمنية ضخمة، وعلاقات متوترة بين الحكومات المركزية والمناطق الكردية، وبعد كل ذلك، لم تختفِ القضية الكردية.
ربما لأن المشكلة لا يمكن حلها أمنياً في الأساس.
وجود دولة كردية متفق عليها لن يجعل الكرد والعرب والترك والفرس جيراناً لأول مرة. هم جيران بالفعل منذ قرون.
الفرق أن العلاقة يمكن أن تتحول من صراع داخل الدولة على السلطة والهوية والسيادة إلى علاقة بين كيانات سياسية تستطيع التفاوض على مصالح واضحة.
تركيا مثال واضح
لنتخيل المسألة بعيداً عن الشعارات.
دولة كردية مستقرة لن تستطيع نقل تجارتها إلى البحر بالسحر. ستحتاج إلى طرق وموانئ وأسواق الدول المحيطة بها. وتركيا، بحكم الجغرافيا والاقتصاد، يمكن أن تكون أحد أهم شركائها.
وفي المقابل، يمكن للسوق الكردية ومصادر الطاقة والاستثمارات والممرات التجارية أن تكون ذات أهمية كبيرة لتركيا.
هناك بالفعل تجربة مصغرة لهذا المنطق في العلاقة الاقتصادية بين تركيا وإقليم كردستان العراق.
الخلافات السياسية لم تمنع ظهور مصالح تجارية وطاقة، واستثمار وعلاقات حدودية واسعة.
أي أن الجغرافيا التي تبدو اليوم سبباً للصراع يمكن أن تصبح غداً سبباً للتعاون.
الدولة الكردية لن تستطيع نقل جبال زاغروس بعيداً عن تركيا وإيران والعراق وسوريا، وهذه الدول لن تستطيع نقل الكرد إلى قارة أخرى.
لذلك سيبقى الجميع بحاجة إلى صيغة للعيش معاً.
والسؤال هو فقط: أي صيغة أقل كلفة؟
أما والعراق أيضاً
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، كانت العلاقة بين بغداد والحركة الكردية أحد أكثر ملفات العراق تعقيداً. حتى بعد سقوط نظام صدام حسين وإقرار النظام الاتحادي في دستور 2005، لم تختفِ النزاعات.
الميزانية، النفط، رواتب الموظفين، صلاحيات الحكومة الاتحادية، المناطق المتنازع عليها، كركوك، البيشمركة، وإدارة الموارد؛ كلها تحولت مراراً إلى أزمات سياسية بين بغداد وأربيل.
من المشروع هنا طرح سؤال، ماذا لو كانت دولتان متجاورتان، بعلاقات اقتصادية وأمنية واتفاقات واضحة، أكثر استقراراً من دولة واحدة تقضي عقوداً في التفاوض على حدود السلطة داخلها؟
ليس هناك جواب مضمون. لكن السؤال نفسه مشروع.
من الصراع الداخلي إلى الاعتماد المتبادل
إحدى أكبر نقاط ضعف الدولة الكردية المفترضة قد تصبح في الحقيقة أحد أسباب استقرارها. إنها دولة محاطة باليابسة. لا موانئ بحرية لديها، وبالتالي ستكون بحاجة إلى جيرانها. لكن الاعتماد متبادل.
المنطقة الكردية تقع بين تركيا وإيران والعراق وسوريا وعلى عقد مهمة من طرق التجارة والطاقة، وتمتلك موارد وأسواقاً وموقعاً جغرافياً مهماً.
لذلك فإن الدولة الكردية العقلانية لن يكون من مصلحتها أن تصبح عدواً دائماً لجيرانها. بل العكس.
سيكون أمنها الاقتصادي مرتبطاً بعلاقات جيدة معهم، وستحتاج هي الأخرى إلى أن تصبح الحدود أماكن للتجارة لا جبهات للحرب.
وهنا يمكن أن تتحول القضية الكردية تدريجياً من لعبة صفرية ـ إما أن يربح الكرد أو تربح الدولة المركزية ـ إلى شبكة من المصالح المشتركة.
ولكن ماذا عن الأقليات؟
إذا طالب الكرد بحق تقرير المصير لأنفسهم، فلا يمكنهم أخلاقياً وسياسياً أن ينكروا المبدأ نفسه على الآخرين.
هذه نقطة أساسية، فأي مشروع لدولة كردية يقوم على فكرة أن الأرض ملك حصري لقومية واحدة سيعيد إنتاج المشكلة التي يقول إنه يريد حلها.
في المناطق الكردية يعيش عرب وتركمان وآشوريون وسريان وأرمن ومكونات أخرى، إضافة إلى التنوع الديني والمذهبي الكبير داخل المجتمع نفسه، لذلك يجب ألا يكون السؤال فقط:
ما حقوق الكرد في الدول التي تحكمهم؟
بل أيضاً:
ما الحقوق التي سيضمنها الكرد لغير الكرد في دولة يحكمونها؟
إذا لم تكن الإجابة مقنعة، يفقد مشروع الاستقلال جزءاً كبيراً من شرعيته، فالدولة الكردية التي تستحق الدفاع عنها يجب أن تكون دولة مواطنة ودستور ومؤسسات، لا نسخة كردية من القومية المركزية التي عانى منها الكرد أنفسهم.
وماذا عن الحدود؟
هذه ربما أصعب قضية على الإطلاق.
كردستان التاريخية ليست مساحة يسكنها الكرد وحدهم، ولا توجد على الأرض خطوط إثنية نظيفة يمكن تحويلها ببساطة إلى حدود دولية.
هناك مدن ومناطق مختلطة وهويات متداخلة وموارد ومياه وطرق ومصالح لا يمكن تقسيمها بمسطرة.
لذلك فإن أي مشروع جدي للاستقلال يجب أن يتخلى منذ البداية عن وهم «الخريطة المثالية».
الحدود الواقعية لا تُرسم فقط بالتاريخ، بل بالسكان الحاليين والإرادة المحلية والمفاوضات والمصالح الاقتصادية والضمانات الأمنية.
وقد تحتاج بعض المناطق إلى ترتيبات خاصة، أو إدارة مشتركة، أو ضمانات دستورية، أو حتى بقاء الحدود مفتوحة أمام السكان والتجارة.
فالهدف من الاستقلال يجب أن يكون إنهاء نزاع تاريخي، لا إنتاج نزاع حدودي جديد.
المشكلة الكردية ليست مشكلة الكرد وحدهم
على مدى قرن تقريباً، تعاملت دول المنطقة مع القضية الكردية باعتبارها مشكلة كردية، لكن تاريخ المنطقة يقول شيئاً مختلفاً.
حين تشتعل القضية الكردية، لا تبقى داخل المناطق الكردية، تدخل فيها الحكومات والجيوش والدول المجاورة والقوى الدولية، وتتقاطع معها ملفات الديمقراطية وشكل الحكم والنفط والمياه والحدود والهجرة والإرهاب والتحالفات الإقليمية.
بمعنى آخر، عدم حل القضية الكردية له ثمن إقليمي، ولهذا يجب أن يكون حلها إقليمياً أيضاً.
ويجب أن نعي أن الاستقلال ليس عصاً سحرية
قيام دولة كردية لن يحل تلقائياً مشاكل الكرد.
قد تظهر صراعات داخلية.
قد تفشل المؤسسات.
قد تتحول المنافسة الحزبية إلى أزمة دولة.
وقد يكون الفساد وضعف الديمقراطية أخطر على الدولة الجديدة من أي عدو خارجي.
كما أن الانقسامات السياسية والجغرافية بين المجتمعات الكردية نفسها حقيقية، ولا يمكن إخفاؤها بخطاب قومي.
الدولة ليست علماً ونشيداً ومقعداً في الأمم المتحدة.
الدولة مؤسسات وقضاء واقتصاد ومساءلة وتداول للسلطة وقدرة على حماية مواطنيها.
ولهذا فإن المطالبة بالاستقلال يجب أن تترافق مع سؤال آخر لا يقل أهمية:
أي دولة يريد الكرد أن يبنوا؟
لماذا يجب إذن أن يطالب الكرد بالاستقلال؟
ليس لأن العيش مع العرب أو الترك أو الفرس مستحيل.
وليس لأن التاريخ يمنح شعباً ملكية أبدية للأرض.
وليس لأن الدولة المستقلة ستنهي جميع المشاكل.
بل لأن شعباً يبلغ تعداده عشرات الملايين، وله لغته وهويته وذاكرته السياسية ومناطقه التاريخية، وبعد أكثر من قرن من التجارب المختلفة، يملك على الأقل الحق في أن يضع تقرير مصيره الكامل على طاولة الخيارات السياسية.
ثم يقرر الناس ماذا يريدون.
والأهم أن على دول الجوار ألا تسأل فقط:
ماذا سنخسر إذا استقل الكرد؟
عليها أن تسأل أيضاً:
ماذا خسرنا جميعاً لأن القضية الكردية بقيت بلا حل طوال مئة عام؟
ربما تكون الإجابة في النهاية اتحاداً جديداً، أو كونفدرالية، أو حدوداً أكثر مرونة، أو دولة كردية مستقلة، أو أكثر من صيغة بحسب خصوصية كل جزء.
لكن ما يجب أن ينتهي هو الاعتقاد بأن الوضع القائم مقدس، وأن كل شيء قابل للنقاش باستثناء حق الكرد في تقرير مستقبلهم.
فالحدود وُجدت لكي تنظّم علاقة الشعوب، لا لكي تجعلها أسيرة لصراعات لا تنتهي.
وبعد قرن من محاولة إدارة القضية الكردية، ربما حان الوقت للتفكير في حلها.
ليس للكرد وحدهم.
بل للكرد وجيرانهم معاً.