المجتمع المدني العميق: حين تتحول المنظمات إلى أذرع للسلطة ( 2 )

المجتمع المدني العميق هو ذلك الجزء غير المرئي غالباً من المجتمع المدني، الذي لا يقتصر على المنظمات المسجلة أو المشاريع الممولة، بل يمتد إلى القيم الاجتماعية المتجذرة، وشبكات التضامن غير الرسمية ، الوعي الجمعي، المبادرات الذاتية، السلوك اليومي للمواطنين في الفضاء العام.
هو المجتمع المدني الذي يعمل حتى في غياب الدولة، أو ضد تشوهاتها، أو عندما تُفرغ المؤسسات الرسمية من مضمونها. وهذا يحتاج إلى بيئة ديمقراطية قوية.
نحن لا نبحث هنا عن هذا النوع، بل هناك نوع يظهر في البيئات غير الديمقراطية التي تحكمها سلطات أمر واقع أو أحزاب مهيمنة أو في حالات النزاعات المسلحة، حيث لا يُترك المجتمع المدني لينمو بشكل طبيعي، بل يُعاد تشكيله بعناية ليصبح جزءاً من منظومة الحكم نفسها. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ "المجتمع المدني العميق"، مجتمع مدني بالاسم، سلطوي بالوظيفة.
وهذا ما فعله حزب الاتحاد الديمقراطي وتف دم من خلال دعم وإنشاء العشرات من المنظمات والنقابات والمبادرات المجتمع المدني الذي لم يكن هدفه تمكين المجتمع أو الدفاع عن حقوقه، بل إدارته وضبطه. منظمات بدت مستقلة، شعاراتها حقوقية، لغتها حداثوية احيانا ، لكنها عملياً تتحرك داخل سقف سياسي مرسوم سلفاً، وتعرف جيداً أين تقف الخطوط الحمراء.
اقرأ أيضاً:
المجتمع المدني السوري: من التحول الديمقراطي إلى دولة الأمر الواقع (1)
المجتمع المدني العميق الذي تم تأسيسه لا يراقب تصرفات السلطة، بل يبررها، لايسأل عن القرار، بل يجمّله. وهو لم ينشأ صدفة، بل بنى عبر آليات واضحة، ترخيص انتقائي، تمويل مشروط، إنتاج نخب مدنية وظيفية، واحتكار الخطاب المدني باسم "الاستقرار" أو "الخصوصية السياسية".
الخطر هنا لا يكمن فقط في تبعية هذه المنظمات، بل في تشويه مفهوم المجتمع المدني نفسه. إذ يتحول العمل المدني من فعل نقدي مستقل إلى وظيفة، ومن مساحة للمساءلة إلى أداة ترويض ناعم. ومع الوقت، يفقد المجتمع ثقته بأي خطاب مدني، ويختلط عليه الفرق بين الناشط والموظف السياسي.
لجأ الحزب المسيطر في روجافا إلى هذا النموذج لأنه أقل كلفة من القمع، وأكثر قبولاً خارجياً. فوجود منظمات "مدنية" يمنحها شرعية شكلية، ويُستخدم كدليل على الانفتاح والتعددية، بينما الواقع يشير إلى العكس تماماً؛ إغلاق الفضاء العام بوسائل ناعمة.
ومن أهم الأسباب التي أدت إلى نشوء المجتمع المدني العميق هو الخوف المتبادل وانعدام الثقة بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. ففي البيئات المنقسمة سياسياً أو الخارجة من صراع، لا ترى الأحزاب وسلطات الأمر الواقع في المجتمع المدني شريكاً، بل احتمالاً للتهديد أو الاختراق. وفي المقابل، لا يثق المجتمع بالسلطة ولا بنواياها.
هكذا أجواء من انعدام الثقة تدفع السلطة إلى بناء مجتمع مدني خاص بها: منظمات "مضمونة الولاء"، ونشطاء "قابلين للضبط"، ومساحات عمل مدني خاضعة للرقابة غير المعلنة. الهدف ليس تمكين المجتمع، بل احتواؤه ومنع تحوله إلى قوة مستقلة.
في ظل هذا المناخ، يصبح الخوف أداة تنظيم؛ خوف السلطة من النقد، وخوف المنظمات من الإقصاء، وخوف الأفراد من الاتهام أو العقاب. ومع تراكم هذه المخاوف، يتشكل مجتمع مدني عميق يعمل بمنطق الوقاية لا التغيير، وبمنطق السلامة لا الاستقلال.
لا يولد المجتمع المدني العميق من فائض قوة، بل من عجز سياسي عن بناء الثقة، ومن فشل جميع الأطراف في قبول مجتمع مدني حُرٍّ كجزء طبيعي من المجال العام.
روجافا لم تكن استثناء؛ ففي السياق السوري، ومع تعدد مناطق النفوذ، بنت كل سلطة مجتمعها المدني الخاص. أصبح الاستقلال تهمة، وصار الحياد خطراً، وأي محاولة لبناء عمل مدني خارج الاصطفاف السياسي تُقابل بالتهميش أو الخنق، وبالنتيجة، تتكون مجتمعاتٌ مُفرغةٌ من المبادرة، تكثر فيها المنظماتُ، بينما يكاد التأثير الحقيقي يكون معدوماً.