هندسة الاستبداد المعاصر... سقوط النخب في فخ إعادة إنتاج السلطانية

إن مقاربة التحولات السياسية البنيوية في سوريا تتطلب تجاوز السرديات السطحية والخطاب الانفعالي، نحو تفكيك سوسيولوجي وتاريخي عميق لتجارب التحول الديمقراطي في سياق أنماط الحكم المتجذرة. لقد أثبت مسار التاريخ السياسي البشري أن الانتقال من النظم الاستبدادية والدكتاتوريات الشمولية إلى الفضاء الديمقراطي لا يتحقق بمجرد تبديل الوجوه أو تدوير الأزمات الطائفية والإثنية. بل إن جوهر هذا التحول يكمن في تفكيك راديكالي لبنيان الدولة الريعية والأجهزة الأمنية التي تشكل عماد الاستبداد السلطوي (3) (4)*.
غير أن غياب هذا الفهم العميق عن الوعي النخبوي، قد حول الفعل السياسي مراراً إلى أداة لترسيخ منظومات استبدادية أعتى، متكئةً على بنى تقليدية وعصبيات ما قبل الدولة. هذا النمط من الحكم، الذي يمكن وصفه بـ"النيوباتريمونيالية"، حيث تتشخصن السلطة وتعتمد على الولاءات بدلاً من المؤسسات، يمثل إشكالية بنيوية متكررة في المشهد السوري (1) (2)*.
تتجلى هذه الإشكالية البنيوية بوحشيتها حين نستعرض الجذور التاريخية لصعود حافظ الأسد. فالقراءات الوثائقية والشهادات التاريخية تشير إلى أن انقلاب عام 1970 لم يكن قطيعة مع مأزق الدولة الوطنية، بل كان تدشيناً لأنماط الحكم الاستبدادي الحديث، حيث جرى توظيف شعارات الأيديولوجيات القومية لتغليف استبداد عسكري فئوي (3)*. في تلك المرحلة المفصلية، سقطت النخب السياسية والمعارضة في فخ "القراءة الوظيفية الخاطئة". فتعامل قسم منها مع الانقلاب باعتباره "فرصة تاريخية" أو بداية إصلاحية، بينما لجأ آخرون إلى التهادن أو البحث عن مصالح ضيقة.
في المقابل، بقيت قلة قليلة مسيجة بالوعي النقدي الصلب الذي أدرك المآلات الكارثية لذلك التحول. لقد غاب عن تلك النخب أن غياب المؤسسات الدستورية الحقيقية، وتغييب صناديق الاقتراع، والفصل الصارم بين السلطات، يعني حتمياً تحويل المجتمع إلى رعايا مسلوبي الإرادة السياسية. وعليه، يتحمل الجيل السابق وزر عجزه ومسؤوليته التاريخية كاملة، ومن العدل تحميله المسؤولية السياسية والأخلاقية عن مهادنتهم للسلطة (4)*.
لقد تكرر هذا "العته البنيوي" بل وتعمق مع انتقال السلطة إلى بشار الأسد، وهو مشهد عاصرته وشهدت تفاصيله عن قرب. إذ استندت النخب السياسية -بما فيها قوى داخل الحركة السياسية الكردية- إلى "أوهام إصلاحية زائفة" (5)*. كان التحليل السياسي في تلك الحقبة يتكئ على خلفيته الأكاديمية الطبية، آملين أن تكون سنوات عيشه في بريطانيا قد جعلته رئيساً ديمقراطياً، متجاهلين بنية السلطة الاستبدادية المتجذرة. ولم يكن متنفس "المنتديات" السياسية والثقافية التي سُمح بها آنذاك سوى اختبار لـ"العته السياسي" ووسيلة لجس نبض الشارع. استهلكته النخب باعتباره "متنفساً ديمقراطياً"، متجاهلةً الأبنية الصلبة لجهاز الأمن العميق الذي لا يقبل الشراكة ولا الإصلاح (6)*.
لقد تحولت تلك النقاشات النخبوية إلى مجرد "خطاب شوارع" يفتقر لأدنى درجات التحليل السياسي العميق، مما مهّد الطريق لتفاقم العنف التاريخي الذي دمر البنيان الاجتماعي والسياسي للبلاد.
اقرأ أيضاً:
المجتمع المدني العميق: حين تتحول المنظمات إلى أذرع للسلطة ( 2 )
وها نحن اليوم، في عام 2026، نشهد إعادة إنتاج النسخة الأكثر خطورة من هذا التدهور السياسي عبر صعود الجولاني وتكريس منهج حكم بمرجعيات دينية وصبغة أغلبية، حيث تتكرر الكارثة بذات الآليات (7)*. غير أن الإدانة الأشد هنا توجه للتيارات التي طالما ادعت الديمقراطية والعلمانية واشتغلت في الشأن العام ومنظمات المجتمع المدني. فهؤلاء، بغض النظر عن سلامة نواياهم الفردية أو الذاتية، يتحملون مسؤولية سياسية، وأخلاقية، واجتماعية مباشرة، وتاريخية. إن انخراطهم اليوم في مهادنة النظام الجديد أو تبرير استبداده القادم بحجة "الواقعية" أو "المرحلة الانتقالية" لا يمكن فصله عن كونه مشاركة فعلية في تكريس وترسيخ بنية استبدادية جديدة (8) (9)*. فكما لا يمكن وضع العربة امام الحصان لا يمكن وضع الانتقال السياسية امام القيم والمعايير المؤسسية وخير مثال مجلس شعب يعين الجولاني ثلثي اعضاءه ضاربا بعرض الحائط كل الكلام المعسول في القاعات والاجتماعية المحلية والدولية. ومسارات الانتقال الديمقراطي في جنيف وغيرها.
تؤكد التجربة التاريخية المقارنة للديمقراطيات الحديثة أن المشروع السياسي القائم على الأيديولوجيات المغلقة لا ينتج سوى استبداد أكثر شراسة، لأنه يدمج المجال العام بالمقدس، ويُلغي فكرة المواطنة التعاقدية لصالح تراتبيات الولاء والطائفة. وحين تمنح النخب السياسية والمجتمع المدني الغطاء والشرعية لهذا المسار عبر الانتهازية أو التخاذل، فإنها لا ترتكب خطيئة سياسية عابرة، بل تؤسس بوعي أو دونه لنظام استبدادي جديد سيكون أشد قذارة ودموية وشمولية من سلفه (10)*.
إن الغاية البنيوية للصراعات السياسية في سوريا لم تكن يوماً إنجاز الانتقال الديمقراطي الحقيقي، ولا ترسيخ سيادة القانون، ولا حماية حقوق الإنسان أو المساواة وفصل الدين عن الدولة؛ بل كان الصراع اختزالاً ميكانيكياً لإحلال شخص مكان شخص، وطائفة مكان طائفة، وعصبية مكان عصبية. وعليه، فإن المساءلة التاريخية، السياسية، والأخلاقية ستكون قاسية وصارمة أمام الأجيال المقبلة بحق هذا الجيل من الفاعلين والنخب، الذين يدفعون المجتمع نحو الهاوية، ويثبتون أنهم الشريك الأساسي في بناء سجن الاستبداد القادم.
* المراجع:
- 1- سورية تحت حكم الأسد: حالة نظام أبوي جديد
- 2- باتريمونيالية جديدة تقوّض المرحلة الانتقالية في سوريا
3-الدولة والحكومة والنظام السياسي في سورية
4- أسس النظام السياسي المقترح للحوكمة الرشيدة
5- الكرد في سوريا منذ الاستقلال إلى حزب البعث.. محاولات
6- حصاد التحوُّلات الكبرى في 2025 وآفاق العام الجديد
7- ما هي استراتيجية هيئة تحرير الشام لترسيخ سلطتها على
8- الشعب من المجلس وأعضائه براء. حدْس - 02 يوليو/تموز 2026 كان مأمولًا، بعد
9- سورية الجديدة: مخاض الانتقال وتحديات بناء الدولة - قراءة في
10- تأسيس المواطنة التعددية في سوريا بعد الأسد: نحو تجاوز الانقسامات الطائفية