توماس باراك وانفصام الرؤية

عندما كنا نخاطب مبعوثي الأمم المتحدة إلى سوريا، من ستيفان دي ميستورا إلى غير بيدرسن، كنا ندرك أن الطريق بين ما يراه المبعوث في الميدان وما يصل إلى صانع القرار الدولي ليس طريقاً مفتوحاً ولا مستقيماً؛ فالمبعوث، مهما امتلك من أدوات وخرائط وتقارير، يبقى في نهاية المطاف موظفاً لدى منظمة تستمد قدرتها على الفعل من إرادة الدول التي تملك الوزن الأكبر فيها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. أما "توماس باراك"، فهو يتحدث متبنياً رواية سلطة دمشق ومحولاً إياها لموقف رسمي أمريكي علّها تبني شرعية جديدة لها.
باراك لم يرَ من السويداء سوى حادثة واحدة تخدم الرواية التي تريد سلطة دمشق تكريسها؛ رأى ما حدث مع "شخص"، لكنه لم يرَ السويداء؛ لم يرَ الحصار الذي تفرضه السلطة على شعب كامل منذ أكثر من أسبوع، ولم يرَ القصف الذي طال المدنيين، ولا عشرات القرى المحروقة والمنهوبة ومن تشرّد منها. ولم يلتفت لأكثر من ألفي شهيد، ولا للانتهاكات التي تتكرر كل يوم. رأى واقعة واحدة، ثم وضعها في واجهة المشهد، بينما أُخرج المشهد الأكبر من إطار الصورة. وهنا لا تعود المسألة مجرد انتقائية إعلامية، بل تتحول إلى انتقائية سياسية في تعريف الحقيقة نفسها.
لم يكن يتحدث من موقع مراقب محايد؛ إنه، عملياً، ينقل رواية سلطة دمشق، ويمنح روايتها المشوهة والمجتزأة وزناً سياسياً أمريكياً يحولها من رواية طرف في الصراع إلى ما يشبه الحقيقة المرجعية. وهذه هي النقطة الأخطر: أن تصبح السلطة في دمشق هي العدسة التي ترى واشنطن من خلالها المشهد السوري، والسويداء خصوصاً. فعندما تُحجب الجرائم التي تحيط بها، لا تعود الدبلوماسية أداة لفهم الواقع، بل تصبح أداة لإعادة إنتاج رواية الطرف الذي جرّب الإبادة فلم تنجح معه، ولا يزال مستمراً في سياق انتهاكاته، فيقصف المدنيين، ويحصارهم.
اقرأ أيضاً:
التركيز على السويداء اليوم ليس صدفة؛ فالسويداء أصبحت الاختبار الحقيقي لسلطة لا تجرم بحق السويداء وحدها، وإنما تكشف، من خلال سلوكها فيها، طبيعة مشروعها تجاه السوريين جميعاً. ولذلك تحاول السلطة أن تقلب المعادلة: أن تجعل السويداء عقبة أمام الاستقرار، وأن تقدم من يدافعون عن أرضهم وكرامتهم وكأنهم المشكلة، بينما تتوارى خلف هذه الرواية مسؤولية سلطة مدعومة بالمال والنفوذ، ومسنودة بعشرات التشكيلات المسلحة والإرهابية التي تعيث في سوريا قتلاً ونهباً وفوضى.
العصابات التي يتحدث عنها "باراك" هي، في روايته، تلك التي دافعت عن أرضها وعرضها أمام الغزو الهمجي؛ لكنه يتناسى آلاف المسلحين الأجانب والتشكيلات المسلحة التابعة لسلطة الجولاني التي تنتشر في البلاد وتمارس القتل والنهب والترويع. يقدم السويداء باعتبارها عائقاً أمام بناء مؤسسات الدولة، لكنه يتجاهل حقيقة أكثر فجاجة: أن إرهابياً واحداً يستطيع أن يعطل قراراً لوزارة تابعة للسلطة، وأن مشاهد التطرف والإجرام لم تعد حادثة معزولة، بل جزءاً من مشهد سوري أوسع. فكيف يمكن أن تصبح السويداء هي المشكلة، بينما يجري تجاهل البنية المسلحة التي يفترض أنها جزء من الدولة أو تعمل تحت مظلتها؟
السلطة هي التي تملك القوة، وهي التي تملك المؤسسات، وهي التي تدعي أنها الدولة؛ ولذلك فإن عليها أن تقدم الدليل على أنها جاءت لتحمي لا لتُخضع، ولتبني الدولة لا لتعيد إنتاج منطق الغلبة. لكنها، في المقابل، تستمر في سياسة القمع والإجرام، وتقصف المدنيين وتحاصرهم وتحرض عليهم. ومن هنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً: هل المطلوب من السويداء أن تثق بسلطة لم تقدم أي دليل على أنها قادرة أو راغبة في حماية من يفترض أنهم مواطنوها؟
إذا كانت واشنطن جادة في حديثها عن وحدة سوريا، فعليها أن تدرك أن الوحدة لا تُقاس بقدرة سلطة مسلحة على فرض إرادتها على الأطراف. الخريطة ليست الدولة، والسيطرة ليست السيادة، والإخضاع ليس وحدة وطنية. الدولة التي تحتاج إلى القوة كي تُبقي مكوناتها داخلها لا تكون قد حلت مشكلة الانقسام؛ إنها فقط تؤجل انفجارها. والوحدة التي تُبنى على الخوف ليست وحدة، بل هدنة مؤجلة.
لقد تحدث باراك عن موت سايكس- بيكو، لكن المفارقة أن محاولة إعادة فرض مركزية دمشق بالقوة قد تكون عملياً إعادة إنتاج لمنطق تلك المرحلة: خرائط موحدة من الخارج، ومجتمعات غير متصالحة من الداخل. فإذا كانت سايكس- بيكو قد ماتت فعلاً، فإن الدرس ليس العودة إلى مركزية أشد صلابة، بل إدراك أن مستقبل المنطقة لن تصنعه الحدود وحدها، وإنما الشرعية والأمن والقدرة على حماية المكونات داخل الدولة.
السويداء ليست تفصيلاً محلياً يمكن اختزاله في حادثة أو شخص أو بيان سياسي. موقع السويداء جغرافياً وتاريخياً وسياسياً وروحياً في قلب المثلث السوري–اللبناني–الأردني، وعلى تماس مباشر مع إسرائيل، يجعل أمنها جزءاً من معادلة أمن إقليمي أوسع. ومن يريد السلام في المشرق لا يستطيع أن يصنعه عبر تجاهل الجنوب أو محاولة كسر إرادة مجتمعه.
السلام الذي يُبنى فوق خوف السويداء لن يكون سلاماً؛ سيكون هدنة بانتظار جولة جديدة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يوجه إلى توماس باراك ليس: لماذا رأيت شخصاً بعينه؟ بل: لماذا رأيته ولم ترَ السويداء؟ لماذا ظهر في خطابك، بينما اختفى آلاف المحاصرين؟ لماذا حضرت حادثة واحدة، وغابت الانتهاكات المتكررة؟ ولماذا أصبحت رواية السلطة مرئية بهذا الوضوح، بينما بقيت معاناة المدنيين خارج إطار الصورة؟
حين يحدث ذلك، يصبح الدبلوماسي، من حيث يدري أو لا يدري، أكثر من ناقل للرواية؛ يصبح جزءاً من إنتاجها وتكريسها. وهذا تحديداً ما ينبغي أن تحذر منه واشنطن. فأخطر ما يمكن أن تفعله قوة عظمى ليس أن تخطئ في توصيف حادثة، بل أن تتبنى رواية طرف في الصراع، ثم تستخدم ثقلها السياسي والدولي لمنح تلك الرواية صفة الحقيقة.
وإذا كانت الرسالة الأمريكية إلى دمشق هي أن سوريا يجب أن تبقى موحدة، فلتكن الرسالة واضحة: نعم، ولكن ليس على حساب من يتمسك بكرامته، وليس بالحصار، ولا بالقصف، ولا بتجاهل الانتهاكات، ولا بتحويل الضحايا إلى هامش في رواية السلطة.
وحدة سوريا لا يمكن أن تكون مشروعاً لإخضاع السوريين، والدولة لا تُبنى بإجبار مكوناتها على الخضوع، بل بإقناعها بأن الدولة جاءت لتحميهم لا لتقتلهم.