القضية الكردية وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

لم تخرج قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بحلول مباشرة للأزمات المعقدة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأزمة السورية، لكنها عكست اتجاهاً سياسياً متزايداً نحو إعادة ترتيب الأولويات وتوزيع الأدوار بين القوى الإقليمية والدولية. ورغم أن الملف السوري لم يكن محوراً رئيساً في جدول أعمال القمة، فإن مخرجاتها تعكس توجهاً عاماً في إدارة ملفات الأمن الإقليمي، بما ينعكس على مستقبل الأزمة السورية. فالمسألة لم تعد تتعلق بحسم الصراعات عسكرياً بقدر ما أصبحت مرتبطة بإدارة التوازنات واحتواء الأزمات ضمن معادلة أمنية وسياسية جديدة.
وتبدو سوريا اليوم إحدى أهم ساحات اختبار هذه المقاربة. فبعد سنوات من الحرب، تتجه الحسابات الدولية نحو تثبيت قدر من الاستقرار يحول دون عودة الفوضى والتنظيمات المتطرفة، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة وفتح المجال أمام ترتيبات سياسية وأمنية أكثر رسوخاً. إلا أن الوصول إلى هذا الهدف يصطدم بتعارض أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم تركيا، التي لا تزال تنظر إلى التطورات في شمال وشرق سوريا من منظور أمني، بينما تسعى القوى الكردية إلى تثبيت المكاسب السياسية والإدارية التي حققتها خلال سنوات الحرب، في حين تتمسك دمشق باستعادة سلطتها على كامل الأراضي السورية.
وفي قلب هذه المعادلة، لم تعد القضية الكردية شأناً سورياً داخلياً، بل تحولت إلى ملف إقليمي يتقاطع مع أمن الحدود، والعلاقات التركية–الغربية، ومستقبل العراق، فضلاً عن التوازنات داخل سوريا نفسها. ومن ثم، فإن أي مقاربة تتعامل مع هذه القضية باعتبارها مجرد ملف أمني تبدو قاصرة عن إنتاج استقرار دائم، كما أن أي مشروع سياسي يتجاهل اعتبارات الأمن الإقليمي سيكون بدوره عرضة للاهتزاز.
اقرأ أيضاً:
وتكشف التحولات الجارية أن الأولوية الدولية لم تعد، كما كانت خلال الحرب على تنظيم داعش، قائمة على دعم الشركاء العسكريين المحليين بقدر ما أصبحت موجهة نحو بناء ترتيبات سياسية تقلل من احتمالات الصراع. وهذا يدفع القوى الكردية إلى الانتقال من مرحلة الاعتماد على الإنجازات العسكرية إلى مرحلة ترسيخها عبر ضمانات دستورية وسياسية، وبناء شراكات وتحالفات أوسع مع مختلف المكونات السورية والقوى الوطنية الديمقراطية، بما يسهم في تشكيل جبهة وطنية واسعة قادرة على الإسهام في صياغة المرحلة المقبلة. فتعزيز الحضور الكردي بوصفه جزءاً من مشروع وطني جامع، قائم على المواطنة والاعتراف بالتعددية القومية والدينية والثقافية، لا باعتباره امتداداً لتجاذبات إقليمية، من شأنه أن يزيد فرص الوصول إلى تسوية أكثر استقراراً ودائمة.
وفي المقابل، تبدو السلطة في دمشق بقيادة الجولاني مطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المركز والمناطق، بما يسمح بإيجاد صيغ أكثر مرونة للإدارة المحلية ضمن إطار الدولة. كما تحتاج تركيا إلى مقاربة توازن بين متطلباتها الأمنية المشروعة وإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة. فالهواجس المرتبطة بأمن حدودها الجنوبية ومنع تحوّل أي ترتيبات داخل سوريا إلى مصدر تهديد لأمنها القومي ستظل عنصراً أساسياً في حساباتها الاستراتيجية، إلا أن استمرار إدارة هذا الملف من منظور أمني صرف قد يحد من فرص التوصل إلى حل دائم، بينما قد يتيح الجمع بين الضمانات الأمنية والتسوية السياسية بناء بيئة أكثر استقراراً وديمومة لجميع الأطراف.
ولا تشير المؤشرات الراهنة إلى أن المنطقة تتجه نحو تسوية شاملة بقدر ما توحي بدخول مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ. فالولايات المتحدة تميل إلى إدارة التوازنات بأقل قدر ممكن من الانخراط المباشر، وتركيا تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية مؤثرة، بينما تحاول أوروبا الحفاظ على حضورها السياسي والأمني، وتراقب إسرائيل هذه التحولات من زاوية انعكاساتها على أمنها القومي. أما روسيا وإيران، فعلى الرغم من تقلص هامش مناورتهما مقارنة بسنوات سابقة، فإنهما لا تزالان طرفين لا يمكن تجاهلهما في أي معادلة سورية مستقبلية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو القضية الكردية أحد أهم الاختبارات أمام أي نظام إقليمي جديد. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن سياسات الإقصاء لم تُنهِ القضايا القومية، كما أن الرهان على القوة العسكرية وحدها لم ينتج استقراراً دائماً. وفي المقابل، لا يمكن لأي ترتيبات سياسية أن تستقر إذا تجاهلت المخاوف الأمنية المشروعة للدول المجاورة أو سعت إلى فرض وقائع أحادية.
ومن هنا، فإن فرص الاستقرار في سوريا ترتبط بقدرة الأطراف المختلفة على إنتاج معادلة توازن تقوم على الاعتراف بالتعددية القومية والدينية والثقافية، وتوسيع اللامركزية الإدارية أو تبني أي صيغة دستورية يتم التوافق عليها وطنياً، بما يضمن حقوق جميع المكونات ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة وسيادتها.
إن نجاح أي مقاربة سياسية في المرحلة المقبلة لن يتوقف على تفاهمات القوى الإقليمية والدولية فحسب، بل سيعتمد أيضاً على قدرة القوى السورية على بناء شراكات وطنية عابرة للهويات الضيقة، تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على المواطنة والشراكة السياسية، والاعتراف بالتعددية القومية والدينية والثقافية، بما يعزز الثقة بين مختلف المكونات ويكرس مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات ضمن إطار الدولة السورية. فالتحدي الحقيقي لم يعد يكمن في رسم خرائط نفوذ جديدة، بل في بناء عقد سياسي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية، ويحوّل التنوع من مصدر للصراع إلى ركيزة للاستقرار الدائم.
ولعل أبرز ما تكشفه التحولات الراهنة هو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي أكثر مما يدخل مرحلة إنهاء الصراعات. وفي هذا السياق، ستظل القضية الكردية أحد المفاتيح الرئيسة لقياس قدرة القوى الإقليمية والدولية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء تسويات قابلة للحياة، لأن الأمن الدائم لا يقوم على توازنات القوة وحدها، بل على إرادة سياسية تعترف بالتعددية القومية والدينية والثقافية، وتؤسس لشراكة وطنية حقيقية بين جميع مكونات الدولة، في إطار يحفظ وحدتها وسيادتها، ويصون حقوق مواطنيها، ويعزز الاستقرار الدائم في سوريا والمنطقة.