مع نبيل الملحم.. من الكتابة إلى الإنصات

ليست الحوارات مجرد وسيلة للحصول على إجابات، بل هي، محاولة لإصغاءٍ أعمق إلى الأسئلة التي تشغل زمننا، ومن هذا الإيمان جاءت هذه السلسلة، التي تجمع أصواتاً من الكتابة والفكر والمجال العام، لا لتقديم حقائق نهائية، بل لفتح نوافذ على تجارب ورؤى ومواقف تستحق أن تُسمع، لتنتهي في مآلها إلى كتاب يجمع هذه الحوارات ليصدر عن صور.
حرصنا في هذه الحوارات على أن يكون الحوار مساحةً للتفكير أكثر منه مساحةً للجدل، وأن يتقدم السؤال بوصفه أداةً للاكتشاف لا للمحاكمة، وأن يحضر الضيف كما هو، بأفكاره وتردده ويقينه وأسئلته.
بهذه الروح، يبدأ الحوار الأول، مع الروائي السوري نبيل الملحم، دون نسيان تقديم الدعوة إلى كتّابنا بأن يكونوا ضيوفاً لحوارات صور اللاحقة.
لو كانت الرواية انعكاساً، لكان الصحفي أفضل روائي، ولكانت كاميرات المراقبة أعظم الأعمال الفنية.
والمومس لا تهمني لأنها باعت جسدها، بل لأنها كثيراً ما ترى الوجه الحقيقي للرجل، بعد أن يسقط قناعه الأخير.. الشخصيات التي تُقصى من المجتمع تكتسب، على نحو غريب، قدرة على رؤية ما لا يراه المندمجون فيه.
الهامش ليس أكثر فضيلة، بل أكثر انكشافاً، فيه أيضاً القسوة، والأنانية، والوحشية، لكن الوحشية هناك لا ترتدي ربطة عنق، ولا تختبئ خلف الخطب، إنها تظهر كما هي، وهذا ما يجعلها قابلة للفهم، وربما للرحمة.
الصمت، أحياناً، يضيء ما تعجز اللغة عن قوله، ولهذا، إذا خرج القارئ من هذه الصفحات وهو يعرف نبيل الملحم أكثر، فسنكون قد فشلنا، أما إذا خرج وهو يعرف الإنسان أكثر، فربما يكون هذا الحوار قد أدى مهمته.
يتغير العالم بالأفكار الكبرى، ثم يفسده الذين يظنون أنهم أصبحوا مالكيها، هذه هي المأساة، الفكرة تولد حيّة، ثم يأتي المؤمنون بها، ويحنّطونها.. ألم يبدأ "الله" فكرة ثم تحوّل إلى قاطع طريق؟
الطغاة متشابهون إلى حد الملل، الذي يدهشني ليس الجلاد، بل الذي يواصل الضحك وهو يعيش تحت المقصلة.. الرواية ليست مهتمة بمن يملك السلطة، بل بمن ينجو منها دون أن يفقد عقله.
ربما لهذا أسميت الكتاب : "سيّدة النجاة"، لأن النجاة ليست دائماً أن تصل إلى الضفة الأخرى، أحياناً، أن تجد، وسط العاصفة، ما يمنع روحك من الغرق، وهذا ما فعلته فيروز بي، وبأجيال كاملة، أكثر مما نحب أن نعترف.
كتبت عن الذين مرّوا في الحياة دون أن يلتفت إليهم أحد، لأنني كنت أخشى أن يغادروا العالم مرتين؛ مرة حين عاشوا، ومرة حين نسيهم الجميع.
مع نبيل الملحم.. من الكتابة إلى الإنصات
ليست كل الحوارات محاولة للحصول على أجوبة، بعضها يُكتب من أجل اكتشاف الأسئلة التي ظل صاحبها يؤجلها سنوات طويلة، هذا الحوار واحد منها.
لم نكن نريد في "صور" أن نسأل نبيل الملحم عن تاريخ ميلاده، ولا عن عدد رواياته، ولا عن بداياته الصحفية، فالسيرة، مهما اتسعت، لا تكفي لفهم الكاتب، لأن الكاتب الحقيقي يعيش في المنطقة التي لا تصل إليها السيرة حسب تعبيره.
كان همّنا في "صور" أن ندخل إلى الورشة الداخلية لرجل ظل، طوال عقود، يكتب عن المهمشين أكثر مما كتب عن المنتصرين، وعن الخوف أكثر مما كتب عن السلطة، وعن الزمن أكثر مما كتب عن الأحداث.
لهذا لم تكن الأسئلة مرتبة وفق التسلسل الزمني، بل وفق التسلسل الروحي:
ـ بدأنا بالرواية، فانتهينا إلى الموسيقى.
ـ بدأنا بالسياسة، فانتهينا إلى الضمير.
ـ بدأنا بالثورة، فانتهينا إلى الإنسان.
ولعل أكثر ما فاجأنا في هذا الحوار أن الكاتب الذي ظننا، في البداية، أنه يريد أن يفسر العالم، انتهى إلى الاعتراف بأنه لم يعد يسعى إلى كتابة العالم، بل إلى الإنصات إليه، ذلك الاعتراف وحده كان كافياً ليجعلنا نعيد قراءة أعماله كلها من زاوية مختلفة.
هذا ليس حواراً مع كاتب يبحث عن يقين، بل مع رجل تعلم، بعد عمر طويل من الكتابة، أن السؤال قد يكون أكثر رحمة من الجواب، وأن الصمت، أحياناً، يضيء ما تعجز اللغة عن قوله، ولهذا، إذا خرج القارئ من هذه الصفحات وهو يعرف نبيل الملحم أكثر، فسنكون قد فشلنا، أما إذا خرج وهو يعرف الإنسان أكثر، فربما يكون هذا الحوار قد أدى مهمته.
صور: قبل الدخول في أعمالك الروائية، دعنا نبدأ من آخر اصداراتك، من كتاب "السيدة.. تمرين على النجاة"، كنا نظن انه كتاب يؤرخ لسيرة العظيمة "فيروز"، ثم اكتشفنا كما لو أنك تؤرخ لنفسك.. أليس هذا ماحدث؟
نبيل الملحم: نعم، أنا لست كاتب سيرة، ولا مؤرخاً لحوادث الزمن وارتداداته، أنا مؤرخ لمشاعري، انطباعاتي، تلك الأسئلة التي صاغتني.. السيّدة ليست بحاجتي لأؤرخ سيرتها، هذه مهنة "الأراشيف"، انا اكتبها من نافذة الحياة لا من نوافذ الأراشيف.. فيروز بالنسبة لي هي "الزمن".
صور: ولكن كيف ارتسمت الفكرة برأسك؟ نعني الكتابة عن فيروز.. كيف رسمت فكرتك عنها؟
نبيل الملحم: أنا لا أبدأ من الفكرة، بل من الارتجاج الداخلي.. الفكرة تأتي لاحقاً لتشرح ذلك الارتجاج، لا لتصنعه.. هذا هو معياري في الكتابة، وأظن أنه معيار بسيط وصارم في آن واحد.
صور: طالما كنت مشغولاً بالزمن، حتى ثمة من وصفك بـ "مريض فوبيا الزمن"، في معظم رواياتك، أقلّه في "إنجيل زهرة" و "بانسيون مريم" يبدو الزمن خصماً شخصياً، لا مجرد إطار للحكاية، لماذا تخوض معركتك معه لا مع البشر؟
نبيل الملحم: "فوبيا الزمن"، يستهويني هذا المصطلح، أنا فعلاً مصاب بـ "فوبيا الزمن"، لم أتصالح معه يوماً، على الدوام كنت في عراك معه.. عراك في معركة خاسرة، لأن البشر يموتون، أما الزمن فلا، تستطيع أن تغفر لإنسان، وأن تصالح مدينة، وأن تنسى خيانة، لكنك لا تستطيع أن تفاوض دقيقة واحدة مضت، نحن لا نهزم الطغاة أولاً؛ نحن نهزم أعمارنا، كل ما عدا ذلك تفاصيل.
صور: في أكثر من مناسبة قلت إن الرواية لا ينبغي أن تكون انعكاساً للواقع، بل واقعاً يُخلق باللغة، لكن القارئ سيقول: أنا أرى في رواياتك سوريا، وأرى السجون، والثورة، والمنفى. كيف تطلب مني ألا أقرأها بوصفها انعكاساً لواقع، أليس "سرير بقلاوة" انعكاساً لواقع الانتهاكات التي شهدتها بلدك؟
نبيل الملحم: الإنعكاس لا يضيف شيئاً إلى ما يعكسه، هو سطح أملس، بينما الرواية حفرة، القارئ لا يدخل الرواية ليطمئن إلى ما يعرفه، بل ليخرج منها وهو يشك فيما كان يظنه يقيناً.. حين أكتب عن مدينة سورية، فأنا لا أدوّن جغرافيتها، بل أفتش عن المدينة التي لم يستطع التاريخ أن يراها.. قد تكون الأزقة حقيقية، لكن العتمة التي تسكنها ليست عتمة الكهرباء، بل عتمة الروح، لو كانت الرواية انعكاساً، لكان الصحفي أفضل روائي، ولكانت كاميرات المراقبة أعظم الأعمال الفنية.
صور: في أعمالك نشعر أنك لا تنحاز إلى الأبطال، أحياناً يبدو أن اهتمامك يتجه نحو الشخص الذي مرّ في الهامش، وقال جملة، ثم اختفى.
نبيل الملحم: لأن التاريخ كذبة نبيلة، يكتب أسماء المنتصرين، وينسى الذين حملوا الحجارة، أو فتحوا باباً، أو خبأوا طفلاً، أو ماتوا دون أن يعرفهم أحد، الرواية، كما أفهمها، ليست محكمة لتوزيع الأوسمة، بل محاولة متأخرة لإنصاف الذين لم يلتفت إليهم أحد.. أحياناً أشعر أن الرجل الذي حمل جثة مجهولة من الشارع أهم من الجنرال الذي أصدر ألف أمر عسكري.
صور: هل لهذا السبب تحضر في أعمالك شخصيات المومس، والمجنون، والمتسوّل، والعابرون أكثر من السياسيين؟
نبيل الملحم: السياسي يتحدث بلغة يريد أن يقنعك بها، أما المهمّش فلا يملك إلا حياته، ولذلك نادراً ما يكذب.. المجنون لا يهمني لأنه مجنون، بل لأنه لم يعد يخشى الخسارة ، والمومس لا تهمني لأنها باعت جسدها، بل لأنها كثيراً ما ترى الوجه الحقيقي للرجل بعد أن يسقط قناعه الأخير.. الشخصيات التي تُقصى من المجتمع تكتسب، على نحو غريب، قدرة على رؤية ما لا يراه المندمجون فيه.
. صور: أخشى أن يبدو هذا الكلام رومانسياً؛ كأن الهامش دائماً أكثر فضيلة من المركز
نبيل الملحم: لا، الهامش ليس أكثر فضيلة، بل أكثر انكشافاً، فيه أيضاً القسوة، والأنانية، والوحشية، لكن الوحشية هناك لا ترتدي ربطة عنق، ولا تختبئ خلف الخطب، إنها تظهر كما هي، وهذا ما يجعلها قابلة للفهم، وربما للرحمة.
صور: في رواياتك لا يبدو الشر مطلقاً، حتى في أكثر الشخصيات قسوة.. لماذا؟
نبيل الملحم: لأنني لا أؤمن بالشخصيات المسطحة، ولا بالبشر المسطحين.. الإنسان، في رأيي، لا يولد جلاداً، هناك طريق طويل من الخوف، والهزيمة، والطمع، والمهانة، قد يقوده إلى أن يصبح جلاداً.. هذا لا يعفيه من مسؤوليته، لكنه يجعل فهمه ممكناً.. أنا لا أكتب لأوزع صكوك البراءة أو الإدانة.. المحكمة تحتاج إلى أدلة، أما الرواية فتحتاج إلى بصيرة.
صور: لكن بعض القراء قد يرون في هذا نوعاً من التسامح مع الشر.
نبيل الملحم: الفهم ليس تبريراً، الطبيب الذي يدرس السرطان لا يدافع عنه، هو يحاول أن يعرف كيف ينمو، حتى يستطيع مقاومته، الرواية أيضاً تشرّح الشر، لكنها لا تحتفل به.
صور: اسمح لنا هذه المرة ألا نكتفي بالسؤال، أنت تتحدث كثيراً عن الإنسان، وعن هشاشته، وعن ضرورة فهمه، لكننا نخشى أن هذا الفهم يتحول أحياناً إلى نوع من التسامح مع التاريخ، كأن الجلاد يصبح ضحيةً لظروفه، والطاغية أسيراً لخوفه.. سنلاحظ هذا في مسرحيتك "أنا وهو والكلب"، أليس في هذا ظلم للضحايا؟
نبيل الملحم: سؤال عادل، وأظن أن كثيرين قد يوجهونه إليّ، لكنني أميز دائماً بين الفهم والغفران.. الفهم فعلٌ معرفي، أما الغفران فهو فعل أخلاقي، وليس من حق الروائي أن يمنح الغفران نيابةً عن الضحايا.
صور: ولكنك ترفض أن تكتب شخصيات شريرة بالمطلق.
نبيل الملحم: لأنني أرفض الكسل الأدبي، حين أكتب جلاداً بوصفه شيطاناً كاملاً، فأنا أعفي نفسي من المهمة الأصعب:
ـ كيف أصبح هذا الإنسان قادراً على أن يفعل ما فعل؟
إذا لم نفهم ذلك، فسوف ننتج جلادين جدداً، ثم نجلس كل مرة نبكي الضحايا أنفسهم.
صور: دعنا نذهب إلى اعتراض آخر.. أنت كثيراً ما تنتقد الأيديولوجيات، حتى ليبدو للقارئ أنك لم تعد تؤمن بشيء، هل انتهيت إلى نوع من العدمية؟
نبيل الملحم: لا، العدمية تقول إن لا شيء يستحق، أما أنا فأقول إن الإنسان يستحق أكثر مما تمنحه الأيديولوجيات.. هناك فرق.. أنا لا أهاجم الأحلام، أنا أخاف من الأحلام حين تتحول إلى مؤسسات مغلقة.
صور: لكن من دون الأفكار الكبرى، كيف يتغير العالم؟
نبيل الملحم: يتغير بالأفكار الكبرى، ثم يفسده الذين يظنون أنهم أصبحوا مالكيها، هذه هي المأساة، الفكرة تولد حيّة، ثم يأتي المؤمنون بها، ويحنّطونها.. ألم يبدأ "الله" فكرة ثم تحوّل إلى قاطع طريق؟
صور: ثمة من يرى أنك هربت من السياسة إلى الرواية؟
نبيل الملحم: ربما.
صور: لو عاد بك الزمن إلى عام 2011، وأنت تحمل كل ما عرفته بعد ذلك، هل كنت ستنزل إلى الشارع مرة أخرى؟ أم أن المعرفة المتأخرة تجعل الشجاعة مستحيلة؟
نبيل الملحم: هذا السؤال لا يجيب عنه العقل وحده، يجيب عنه أيضاً الذين ماتوا، وأنا لا أملك حق الكلام باسمهم، لكنني أستطيع أن أتكلم باسم الرجل الذي كنته آنذاك، وأقول: نعم، كنت سأخرج، لا لأنني كنت أعرف أن الثورة ستنتصر، بل لأنني كنت أعرف أن الصمت سيهزمني.. هناك لحظات في حياة الشعوب لا يكون السؤال فيها: هل سنربح؟ بل: هل نستطيع أن نستمر في العيش كما نحن؟
صور: هل تشعر بالهزيمة بعد ما آلت إليه الثورة؟
نبيل الملحم: أشعر بالحزن، والحزن ليس الهزيمة.. الهزيمة أن تتوقف عن التفريق بين الجلاد والضحية، الهزيمة أن يصبح الموت خبراً عادياً، الهزيمة أن تتصالح مع الكذب لأنه أكثر راحة، أما الحزن، فهو آخر ما يبقى من إنسانيتنا.
صور: اسمح لنا أن نسألك سؤالاً نتردد في طرحه.. ما موقفك من الطائفة؟ ومن الدين؟ ومن الإيمان؟
نبيل الملحم: سأجيبك بالعكس، لن أبدأ بالدين، سأبدأ بالخوف.. أعتقد أن الطائفة، في كثير من الأحيان، ليست عقيدة، بل ملجأ للخائف، حين يخاف الإنسان، يبحث عمن يشبهه، وحين يشتد الخوف، يضيق تعريفه للذين يشبهونه.. يبدأ بالوطن، ثم ينتهي بالعائلة، وربما بنفسه، لهذا لا أرى الطائفية مشكلةً دينية في المقام الأول، إنها مشكلة خوف، أنا لا أخاف من الطوائف، أخاف من تحويلها إلى قدر.
صور: وماذا عن الدين؟
نبيل الملحم: الدين، كما أفهمه، سؤال، وما إن يتحول إلى جواب نهائي، حتى ندفنه، أنا لا أستطيع أن أحتقر التجربة الدينية، لأنني رأيت أناساً منحهم الإيمان قدرة مذهلة على الاحتمال، وعلى الصفح، وعلى محبة لا تفسير لها، وفي الوقت نفسه، رأيت الدين نفسه يُستخدم لتبرير أبشع أشكال القتل.. إذن المشكلة ليست في الله، المشكلة فيما يفعله البشر باسم الله.
صور: وهل أنت مؤمن؟
نبيل الملحم: أخشى أن أجيب بـ"نعم"، فأبدو واثقاً أكثر مما ينبغي، وأخشى أن أجيب بـ"لا"، فأكون كاذباً، الإيمان، بالنسبة إليّ، ليس بطاقة عضوية، إنه قلق، إنه سؤال لم أسأله مطلقاً، ولكن كلما ادّعى إنسان أنه احتكر الله، بدأت أخاف على الله منه.
صور: تبدو، في حديثك، أقل ثقة بالأفكار الكبرى مما كنتَ عليه فيما سبق.
نبيل الملحم: وربما ستجدني ما بعد نشر هذا الحوار غير ماكنت قبله.
صور: كيف؟
ـ نبيل الملحم: لأنني متقلّب الأهواء والأمزجة، والموجة تدفع بالموجة التي تليها حتى إذا وصلت الشاطئ، خمدت، ولهذا لا أرغب الوصول إلى الشاطئ.
صور: وهل فقدت إيمانك بالأيديولوجيات؟
نبيل الملحم: الاديولوجيات؟! ارتكبت الكثير من الفواحش، باستثناء هذه الفاحشة.
صور: ثانية، دعنا نبتعد قليلاً عن الكاتب، ونقترب من الرجل.. هل تخاف الشيخوخة؟
نبيل الملحم: لا أخاف التجاعيد، ولا ضعف الجسد، أخاف أن يصبح الإنسان متحفاً لذاكرته.. أن يجلس كل صباح يعدّ أسماء الذين غابوا، ويقيس يومه بما فقده لا بما يمكن أن يكتشفه.. الشيخوخة ليست رقماً، الشيخوخة تبدأ حين يتوقف الشغف، لكن الزمن... هذا خصم آخر.. لم أتصالح معه يوماً، ربما لهذا يظهر في كل ما أكتب، حتى عندما لا أذكره بالأساس.
صور: سنبقى في"الزمن" في معظم رواياتك يبدو الزمن خصماً شخصياً، لا مجرد إطار للحكاية.. لماذا تخوض معركتك معه لا مع البشر؟
نبيل الملحم: أجبت عن هذا السؤال، وٍاعيد اجابتي: لأن البشر يموتون، أما الزمن فلا.. تستطيع أن تغفر لإنسان، وأن تصالح مدينة، وأن تنسى خيانة، لكنك لا تستطيع أن تفاوض دقيقة واحدة مضت، نحن لا نهزم الطغاة أولاً؛ نحن نهزم أعمارنا، كل ما عدا ذلك تفاصيل.
صور: تحكي عن الطغاة، ومع ذلك، نادراً ما يظهر الطاغية في رواياتك بوصفه الشخصية المركزية.
نبيل الملحم: لأن الطغاة متشابهون إلى حد الملل، الذي يدهشني ليس الجلاد، بل الذي يواصل الضحك وهو يعيش تحت المقصلة.. الرواية ليست مهتمة بمن يملك السلطة، بل بمن ينجو منها دون أن يفقد عقله.
صور: بعد كل هذه الرحلة، وبعد هذا العدد من الروايات والكتب، ما المشروع الذي تعمل عليه الآن؟ ما الرواية التي تريد أن تكتبها؟
نبيل الملحم: ربما سأفاجئك إذا قلت إنني لم أعد أفكر في كتابة العالم.. في بداياتي، كنت أظن أن الرواية تستطيع أن تقول العالم، ثم ظننت أنها تستطيع أن تفسره، أما اليوم ازداد يقيني بأن العالم أكبر من كل ما يمكن أن نكتبه عنه، ولهذا تغير مشروعي، لم أعد أريد أن أكتب العالم، أريد أن أُنصت إليه.
صور: ما معنى أن يُنصت الروائي إلى العالم؟
نبيل الملحم : أن يتخلى قليلاً عن رغبته في الشرح، أن يقاوم إغراء الحكمة، أن يترك للشخصيات حقها في أن تفاجئه.. لقد اكتشفت أنني كلما حاولت أن أفرض على الرواية ما أعرفه، ماتت، وكلما أصغيت إلى ما لا أعرفه بدأت الحياة تدب فيها.
صور: هل يعني هذا أنك أصبحت أقل يقيناً؟
نبيل الملحم: بل أصبحت أكثر احتراماً للغموض، في الماضي، كنت أبحث عن الإجابة، اليوم، يهمني أن يكون السؤال جميلاً بما يكفي كي أعيش معه.. لا أريد أن أغلق العالم بجملة، أريد أن أترك نافذة مفتوحة يدخل منها الهواء.
صور: وهل تغيّر دور الكاتب في نظرك؟
نبيل الملحم: نعم، لم أعد أراه ذلك الذي يقف فوق التل ويصف ما يحدث.. أراه رجلاً يجلس في آخر الصالة، يصغي، يصغي إلى ما يقوله الناس، وإلى ما لا يقولونه.. يصغي إلى الصمت أيضاً، لأن الصمت، في كثير من الأحيان، أكثر بلاغة من الكلام.
صور: إذن، لو طلبنا منك أن تلخص مشروعك الروائي اليوم في جملة واحدة، فماذا تقول؟
نبيل الملحم: سأقول، لم أعد أحاول أن أكتب العالم.. أحاول أن أكون جديراً بالإنصات إليه، لأنني أعتقد أن العالم كان يتكلم دائماً.. كنت مشغولاً بصوتي أكثر مما ينبغي.
صور: واليوم؟
نبيل الملحم: اليوم بتّ اظن أن الكتابة الحقيقية تبدأ حين يتواضع الكاتب أمام الحياة، ويكتشف أن مهمته ليست أن يمنحها صوته، بل أن يعيرها أذنه.
صور: آخر كتبك حمل عنوان "الجمهور القاتل"، ألا تعتقد بانه عنوان استفزازي؟
نبيل الملحم: ما المستفز فيه؟
صور: العنوان، في حد ذاته، يوجّه إصبع الاتهام إلى الجمهور لا إلى القاتل.. لماذا؟
نبيل الملحم: لأنني، بعد سنوات طويلة من تأمل الحروب والثورات والديكتاتوريات، اكتشفت أن القاتل لا يولد وحده.. نحن نحب أن نتخيل التاريخ كما لو أن الشر يصنعه أفراد استثنائيون، لكن الحقيقة أكثر التباساً، كل طاغية يحتاج إلى جمهور، وكل جلاد يحتاج إلى من يبرر فعله، وأحياناً يكفي أن يصمت الناس، حتى يصبح الصمت نفسه شريكاً في الجريمة.
صور: لكن كلمة "الجمهور" تبدو قاسية.. أليست تعميماً؟
نبيل الملحم: لو كنت أريد التعميم، لما كتبت الكتاب، أنا لا أتهم الناس لأنهم جمهور، أنا أسأل: متى يفقد الإنسان فرديته داخل الحشد؟ متى يتوقف عن رؤية الضحية لا بوصفها إنساناً، ويبدأ برؤيتها شعاراً، أو رقماً، أو خبراً عابراً؟ هذه اللحظة هي التي أخافتني.
صور: إذن، أنت لا تتحدث عن الجمهور بوصفه كتلة سياسية فقط؟
نبيل الملحم: أتحدث عن حالة إنسانية، يمكن أن يكون الجمهور في ملعب كرة قدم، وفي مظاهرة، وفي معبد، وفي حزب، وفي وسائل التواصل الاجتماعي.. حين يذوب الضمير الفردي داخل الجماعة، يصبح الإنسان قادراً على أشياء كان سيخجل منها لو كان وحده.
صور: هل هذا يعني أنك أصبحت تخاف من الجماهير؟
نبيل الملحم: لا أخاف من الجماهير، أخاف من اللحظة التي تتوقف فيها عن التفكير.. كل إنسان، وهو وحده، يملك ضميراً، لكن الضمير، وسط الحشود، يحتاج إلى شجاعة نادرة، ولهذا رأيت، في تاريخنا، أن أكثر الجرائم لم يرتكبها وحوش، ارتكبها أناس عاديون، أقنعوا أنفسهم أنهم ينفذون إرادة الجماعة.
صور: وما الذي أردت أن تقوله بهذا الكتاب في النهاية؟
نبيل الملحم: أردت أن أنقل السؤال من القاتل إلى المتفرج، لأن القاتل، في الغالب، يعرف أنه يقتل، أما المتفرج فقد يقضي عمره كله وهو يعتقد أنه بريء، وأنا لست واثقاً من هذه البراءة، لهذا لا أسأل الإنسان فقط "ماذا فعلت"؟، أسأله أيضاً "أين كنت، حين كان الآخر يُسحق أمامك"؟ ربما يكون هذا السؤال، في النهاية، أصعب من كل الأسئلة الأخرى.. فيما مضى كنت، أبحث عن القاتل، أما اليوم، فأبحث عن الذي صفق له، لأن القاتل، مهما بلغت قوته، يبقى فرداً، أما التصفيق، فهو الذي يحول الجريمة إلى لذّة.
صور: في كتابك الجديد "السيّدة.. تمرين على النجاة"، وهو كتاب يبحث في عوالم المطربة فيروز والرحابنة.. لماذا اخترت النجاة، لا الصوت، ولا الغناء، ولا الأسطورة؟
نبيل الملحم: لأنني لم أكتب عن مغنية، ففي عالم عربي امتلأ بالضجيج، بقي صوت "فيروز" مكاناً يستطيع الإنسان أن يعود إليه، لا ليهرب من العالم، بل لينجو منه، ولهذا لم يخطر في بالي أن أسمي الكتاب "صوت فيروز"، أو "أسطورة فيروز".. النجاة كانت الكلمة الوحيدة التي شعرت أنها تقترب منها.
صور: النجاة ممَّ؟
نبيل الملحم: من القسوة، من الابتذال، من الضجيج، من تلك الطبقة السميكة التي تغطي دمنا كل يوم.. هناك أصوات كثيرة، لكن قليلاً منها يذكرك بأنك ما زلت إنساناً.. "فيروز"، بالنسبة إليّ، هي هذا الصوت.
صور: ألا تخشى أن يتحول الكتاب إلى مديح؟
نبيل الملحم: وهل تحتاج فيروز إلى كاتب مثلي ليطوّبها؟ كل مافعلته هو أن أحاول أن أرتقي إلى اللحظة التي أسمح لنفسي بالكتابة عنها.
صور: لهذا اخترت كلمة "سيّدة"؟
نبيل الملحم: نعم، لكن ليس بمعنى اللقب، بل بمعنى الحضور.
صور: هل كان هذا الكتاب عن "فيروز"، أم عنك أنت؟
نبيل الملحم: كل كتاب صادق هو، في النهاية، اعتراف مقنّع.. حين نكتب عن شخص أثّر فينا، فإننا نكتب أيضاً عن الجزء الذي استيقظ فينا بسببه، لهذا، نعم.. الكتاب عن "فيروز"، لكنه أيضاً عن الرجل الذي كان، في لحظات كثيرة من حياته، يحتاج إلى أن يسمع صوتاً يقول له إن الجمال لم يغادر هذا العالم بعد.
صور: وهل يمكن لصوت أن ينقذ إنساناً؟
نبيل الملحم: لا أعرف إن كانت كلمة "ينقذ" دقيقة، لكنني أعرف أنه يستطيع أن يؤجل السقوط، وهذا، في بعض مراحل العمر، شكل من أشكال النجاة، ربما لهذا أسميت الكتاب : "سيّدة النجاة"، لأن النجاة ليست دائماً أن تصل إلى الضفة الأخرى، أحياناً، أن تجد، وسط العاصفة، ما يمنع روحك من الغرق، وهذا ما فعلته فيروز بي، وبأجيال كاملة، أكثر مما نحب أن نعترف.
صور: وهل أضفت جديداً في كتابك هذا؟
نبيل الملحم: لم أكتب هذا الكتاب لأضيف كتاباً جديداً إلى المكتبة التي كُتبت عن فيروز، بل لأفهم لماذا، كلما ضاق العالم، اتسع صوتها.
صور: سؤال ولكن عن المكان، ما الذي يعنيه المكان بالنسبة لك، بل ما الذي تعنيه برلين بالنسبة لك وانت كثير الاسفار؟
نبيل الملحم: المكان، بالنسبة إليّ، لا يبدأ بالحجر.. يبدأ بالذاكرة، المكان ليس عنواناً.. إنه الحالة التي تصبح فيها أقل اغتراباً.
صور: ولكن برلين مدينة استثنائية، بتاريخها وثقافتها وحريتها.
نبيل الملحم: لا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، برلين مدينة تعلمت من خرابها، وهذه فضيلة نادرة.. هي مدينة لا تخفي جراحها، بل تجعلها جزءاً من وعيها، ولهذا أشعر باحترام كبير لها، لكن الاحترام شيء، والانتماء شيء آخر.
صور: لا تشعر بالانتماء إليها؟
نبيل الملحم: لا أنتمي إلى أيّ من الأمكنة، ولكنني أشعر بالامتنان لهذه المدينة، لقد منحتني الأمان، ومنحتني الحق في أن أتكلم، وأن أكتب، وأن أعيش بلا خوف، وهذا ليس قليلاً، لكن الكاتب لا يسكن بالأمان وحده، الكاتب يسكن أيضاً بالفوضى التي كوّنت ذاكرته.
صور: هذا يعني أنك تنتمي إلى سوريا؟
نبيل الملحم: لا، لقد استهلكت ذاكرتي السورية، كتابتها كانت بمثابة الممحاة، وواقعها بات واقعاً طارداً.
صور: قلت مرة إنك تشعر أحياناً بأن برلين "سجن مرفه"، ألا يبدو هذا حكماً قاسياً؟
نبيل الملحم: القسوة ليست على برلين، بل على نفسي، برلين ليست مسؤولة عن ذاكرتي، المدينة قدمت لي ما لا تستطيع مدينة أن تقدمه، أما الذي ينقصني، فلا تستطيع مدينة أن تمنحه.. ينقصني ذلك الاحتكاك الخام بالحياة ذلك الاضطراب الذي كانت تولده المدن الشرقية، بكل تناقضاتها، وبؤسها، ومدافنها.
صور: وهل تخشى أن يغيّرك المنفى؟
نبيل الملحم: انا في منفى طوعي منذ البداية، ولكن المنفى قسرياً أو طوعياً، يغيّر الجميع، ولهذا قد اغيّر من صيغة السؤال.. السؤال ليس: هل يغيّرك؟ بل: ماذا يبقي منك؟ أنا لا أقاوم برلين، ولا أقاوم المنفى.. أنا أقاوم النسيان.
صور: إذن، لو طلبنا منك أن تختصر مشروعك الروائي كله في جملة واحدة؟
نبيل الملحم: ربما أقول، كتبت عن الذين مرّوا في الحياة دون أن يلتفت إليهم أحد، لأنني كنت أخشى أن يغادروا العالم مرتين؛ مرة حين عاشوا، ومرة حين نسيهم الجميع.
صور: هل سيكون هذا حال روايتك المقبلة؟
نبيل الملحم: سبق وقلت لكم، لن يكون ثمة رواية أخرى.
صور: يعني أقلعت عن الكتابة؟
نبيل الملحم: لا، ولكن العيش اكثر نبلاً من أن أروي العيش.. الكتابة ليست سوى احتيال على العيش، لن استمر في الاحتيال على العيش، سأعيش بما يكفي للاستغناء عن الكتابة.