ذاكرات الحروب والعمارة المُدمَّرة؟

هل نمحو آثار الكارثة كي نبدأ من جديد؟ أم نُبقي بعض الجراح كي لا ينسى القادمون؟
(من أوعية الذاكرة)
بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية، لم تكن برلين مدينة مهدمة فقط، كانت ذاكرة مكسورة، الجدران التي سقطت لم تكن جدرانًا عادية، كانت تحمل آثار دولة صنعت العنف، وآثار حرب ابتلعت ملايين البشر، وآثار مدينة اضطرت بعد ذلك أن تسأل نفسها:
ـ كيف تعيش فوق أرض تحمل كل هذا التاريخ؟
لم يكن إعادة البناء مجرد مهمة هندسية، كان سؤالاً سياسياً وأخلاقياً:
ـ أي مدينة نعيد؟ وأي ذاكرة نتركها؟ هل نمحو آثار الكارثة كي نبدأ من جديد؟ أم نُبقي بعض الجراح كي لا ينسى القادمون؟
العمارة هنا، لا تبني المكان فقط، إنها تختار أيضاً ما الذي يستحق أن يبقى ظاهراً، وما الذي لابد وأن يُنسى.
وفي الجهة الأخرى من أوروبا، تقف الكاتدرائيات القديمة كأنها رسائل حجرية طويلة، لم تكن الكنيسة تبني جدراناً مرتفعة فقط، كانت تبني حضوراً وتقول للإنسان الذي يدخل تحت قبابها:
ـ هناك ما هو أكبر منك، هناك زمن يتجاوز عمرك، هناك ذاكرة تمتد قبل ولادتك وبعد موتك، لم يكن الترف المعماري مجرد رغبة في الجمال المعماري، كان لغة القوة، فالمبنى الديني العظيم لم يكن مكاناً للعبادة فقط، كان إعلاناً عن سلطة الفكرة التي تقف خلفه:
ـ سلطة الكنيسة.
الحجر هنا لم يكن حجراً، كان إيماناً متجسداً، وكانت القبة، والبرج، والزجاج الملون، والنقوش، كلها طرقاً لكتابة ذاكرة لا تُقرأ بالعين فقط، بل بالجسد، لهذا لم تكن العمارة يوماً منفصلة عن السياسة.. كل سلطة تعرف أن أفضل طريقة لكي تبقى ليست أن تكتب اسمها فقط، بل أن تبني شيئاً يحمل اسمها حتى بعد رحيلها:
ـ القصر، المعبد، النصب، الساحات.
كلها محاولات للإمساك بالزمن.
ولعل كاتدرائية نوتردام في باريس واحدة من أكثر الشواهد بلاغة على ذلك، فلم تكن حجارتها ترتفع لتقاوم المطر والريح فقط، كانت ترتفع لتعلن حضور الكنيسة في قلب العالم، لقد استغرق بناؤها ما يقرب من قرنين، لم يكن الذين وضعوا حجر الأساس هم أنفسهم الذين شهدوا اكتمالها.. مات البناؤون، وتعاقب الملوك، وتبدلت الأجيال، بينما كانت الحجارة تواصل صعودها ببطء، كأن الزمن نفسه يعمل في الورشة، ولم يكن ذلك البطء عجزاً، كان إعلاناً، فالكنيسة، وهي ترفع أبراجها إلى هذا العلو، لم تكن تبني مكاناً للصلاة، كانت تقول إن الإيمان ينبغي أن يكون أعلى من المدينة، وأكثر دواماً من أعمار ساكنيها، فحين يدخل الزائر إلى ذلك الفضاء الهائل، لا يحتاج أحد إلى أن يشرح له سلطة الكنيسة في أوروبا الوسيطة، فالارتفاع نفسه يتكلم، والضوء الذي ينساب عبر الزجاج الملون يتكلم، والحجر الذي حُفر بعناية لا تكاد تُرى من مستوى الأرض يتكلم، كأن العمارة كانت تقول ما تعجز الخطب عن قوله، ولهذا لم تكن الكاتدرائيات كتباً من حجر فقط:
ـ كانت مؤسسات للذاكرة
مؤسسات تعلّم الناس كيف ينظرون إلى السماء، وكيف يفهمون الزمن، وكيف يرون أنفسهم جزءاً من قصة تبدأ قبل ميلادهم، وتستمر بعد موتهم، ولعل أكثر ما يلفت التأمل أن الحريق الذي أصاب نوتردام في عام 2019 لم يُقرأ في أنحاء العالم بوصفه احتراق مبنى تاريخي فحسب، بدا لكثيرين وكأن جزءاً من الذاكرة الأوروبية نفسها قد أصيب، ولهذا لم يكن القرار بإعادة ترميمها قراراً هندسياً فقط، كان قراراً يتعلق بحماية ذاكرةٍ رأت أوروبا أنها لا تزال تسكنها، بعد أكثر من ثمانية قرون، غير أن نوتردام لم تكن وحدها، فالحضارات الكبرى، على اختلاف عقائدها، التقت عند فكرة واحدة، وإن اختلفت لغاتها:
ـ أن الذاكرة، كما تحتاج إلى "ثور" فإنها تحتاج إلى "حَجَر".
في القدس، لم تكن قبة الصخرة مجرد بناء يتلألأ تحت الشمس، كانت إعلاناً بأن العقيدة تستطيع أن تتحول إلى عمارة، وأن الإيمان، حين يبحث عن البقاء، لا يكتفي بالنصوص، بل يرفعها في الفضاء، وفي القسطنطينية، وقفت آيا صوفيا شاهدة على تقلبات الإمبراطوريات أكثر مما وقفت شاهدة على تعاقب الطقوس.. تغيرت هويتها أكثر من مرة، لكن حجارتها بقيت تحفظ طبقات التاريخ جميعها، كأنها تعلم أن الحجر أكثر صبراً من السياسة، وفي قرطبة، لا يحتاج الداخل إلى الجامع الكبير، الذي صار لاحقاً كاتدرائية، إلى كثير من الشرح.. يكفي أن يرفع رأسه ليرى كيف يمكن لذاكرتين، بل لعصرين كاملين، أن يسكنا المكان نفسه، ذلك ان ليست الأعمدة وحدها هي التي تحمل السقف، بل تحمل أيضاً تعاقب الحضارات، وحوارها، وصراعها، وما بقي منها بعد أن رحل أصحابها، وكأن العمارة، في لحظاتها الكبرى، لم تكن تبني معابد لله، فالله إن كان موجوداً فلن يحتاجها، كانت العمارة تبني ذاكرةً للإنسان، ولعل هذا ما يفسر ذلك الترف المدهش الذي بذلته الحضارات في تشييد مبانيها الكبرى.
لم يكن الأمر إسرافاً في الجمال، ولا منافسة في الارتفاع، كان الإنسان يخشى أن يضيع، فاكتشف أن الحجر أقل نسياناً منه، فكتب عقيدته بالحجر، وكتب سلطته بالحجر، وكتب انتصاراته بالحجر، وحتى هزائمه، كتبها بالحجر، ولهذا، حين يسقط معبد، أو تحترق كاتدرائية، أو يُنسف مسجد، لا يسقط البناء وحده، إنما تُصاب الذاكرة في أحد أوعيتها، ولهذا أيضاً، لم يكن ترميم تلك المباني مجرد عمل هندسي، كان محاولة لترميم شيء غير مرئي، شيء يسكن في البشر قبل أن يسكن في الجدران.
اقرأ أيضاً:
ـ ذلك هو الاسم الآخر للذاكرة.
لكن المفارقة أن الحَجَر، رغم صلابته، لا يطيع دائماً من بناه، فقد يبني حاكم نصباً لخلوده، ثم يصبح النصب شاهداً على سقوطه كما حال تلك التماثيل الأقل جودة من النحت كتمثالي صدام حسين في بغداد، وتماثيل حافظ الأسد في سوريا، فيما تُبنى كنيسة لتثبيت سلطة، ثم تتحول بعد قرون إلى ذاكرة إنسانية تتجاوز أصحابها، فالعمارة لا تحفظ فقط ما أراد صانعوها حفظه، أحياناً تحفظ ما حاولوا إخفاءه، وهنا تكمن قوتها، إنها لا تمنع النسيان فقط، بل تكشفه، فحين يُرفع الحجر، يظن الإنسان أنه أنهى مهمته، لكن الحَجَر، في الحقيقة، يبدأ مهمته، فالمبنى لا يعيش فقط بما صُمم له.. إنه يعيش بما يراه الناس فيه بعد سنوات، وبعد قرون، قد يُبنى النصب ليخلّد انتصاراً، ثم يأتي زمن آخر فيراه تذكيراً بكارثة، وقد يُشاد القصر ليعلن قوة حاكم، ثم يتحول بعد سقوطه إلى شاهد على سخافة القوة:
ـ الحجر لا ينسى، لكنه لا يتكلم بلغة واحدة.
لهذا كانت المعركة على الذاكرة دائماً معركة على المكان، من يملك الساحة، يملك جزءاً من الحكاية، ومن يضع النصب، يقترح على الأجيال القادمة ماذا تتذكر، لكن الاقتراح لا يصبح دائماً حقيقة، فالزمن يدخل شريكاً في البناء، والأجيال اللاحقة تعيد قراءة الحجارة كما تعيد قراءة الكتب.
بعد الحروب الكبرى، لم يكن السؤال فقط:
ـ كم مدينة دُمرت؟
كان السؤال الأصعب:
ـ كيف نبني فوق مكان يحمل كل هذا الألم؟
في بعض المدن، اختار الناس إعادة ما تهدم، كأنهم يريدون استعادة زمن انقطع، وفي مدن أخرى، اختاروا ترك آثار الخراب حاضرة، كأن الندبة نفسها أصبحت جزءاً من الذاكرة، فليس كل ترميم شفاءً، وليس كل خرابٍ نسياناً، أحياناً يكون الخراب هو الشاهد الوحيد الذي بقي، ولهذا أصبحت النصب التذكارية من أكثر الأماكن صعوبة في تاريخ العمارة، لأنها لا تبني مكاناً فقط، إنها تبني طريقة للذاكرة:
ـ كيف نخلّد ضحايا الحرب؟ كيف نتذكر المذنبين؟ كيف نحفظ الألم دون أن نحوله إلى كراهية؟ كيف نمنع الجريمة من أن تتحول إلى مجرد رقم في كتاب؟
قد تكون الإجابة في:
ـ ترك الخراب كوعاء للذاكرة.
هل ثمة مثال عن هذا؟
من قال أن ليس للـ"خراب" ذاكرة كما حال "العمارة"؟
هاهي كنيسة القيصر فيلهلم البرلينية تحكي ذلك، وهي كنيسة كانت قد بُنيت، في أواخر القرن التاسع عشر تكريماً للإمبراطور فيلهلم الأول، لكنها تعرضت لقصف عنيف خلال الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في غارة عام 1943، فتهدم معظمها وبقي برجها الغربي مدمراً، بعد الحرب دار نقاش واسع:
ـ هل تُهدم بقاياها ويُبنى مكانها مبنى جديد، أم تُرمم بالكامل؟
لكن برلين اختارت طريقاً ثالثاً؛ فقد أُبقي البرج المهدّم كما هو، وأُنشئت إلى جانبه كنيسة حديثة، ومنذ ذلك الحين صار البرج المدمّر يُعرف بين سكان برلين باسم:
ـ الضرس المجوف.
وأصبح أحد أشهر رموز المدينة.. لم يُترك الخراب إهمالاً، بل عن قصد.. لقد أراد الألمان أن يبقى الحجر شاهداً على ما تفعله الحروب بالمدن والإنسان، وأن تتحول الكنيسة إلى وعاء للذاكرة، لا إلى مجرد أثر معماري، فالأنقاض هنا لا تروي قصة مبنى تهدم، بل تحذر كل جيل جديد من الثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تستسلم للحرب والكراهية، وأظن أن هذا المثال سيكون بالغ القيمة لأنه يقدّم فكرة عميقة عن "اوعية الذاكرة"، ذلك أن إزالة الخراب في لحظة ما، قد يتحوّل إلى:
ـ خيانة للذاكرة.
ليس الحّجَر وحده وعاء للذاكرة، فالذاكرة تحتاج إلى ضمير، ربما لهذا تبدو بعض النصب الحديثة مختلفة عن النصب القديمة، لم تعد تبحث عن العظمة، بل عن الصمت، عن الفراغ، عن غياب الشيء، فأحيانًا يكون ما لا يُرى أقوى مما يُرى:
ـ مساحة فارغة قد تحمل ذاكرة أكثر من تمثال ضخم.
ـ حفرة في الأرض قد تقول ما لا يستطيع البرونز قوله.
وهكذا تصبح العمارة (بما فيها المدمّرة)، أكثر من بناء، تصبح ذاكرة خارج الجسد، يحملها الإنسان معه دون أن يحملها، ويمر بجانبها طفل لا يعرف القصة كاملة، لكنه يشعر بأن المكان يطلب منه التوقف، وهنا تحقق العمارة أعظم وظائفها:
ـ أن تجعل الماضي حاضراً، دون أن تسمح له بأن يصبح ماضياً فقط.