info@suwar-magazine.org

حين تصل فاتورة التحرير

حين تصل فاتورة التحرير
Whatsapp
Facebook Share

 


ثمة أوهام سياسية لا تسقط عندما تسقط الشعارات، بل عندما يبدأ الناس بدفع ثمنها من خبزهم وكرامتهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. وهذا هو الثمن الذي بدأ يدفعه أولئك الذين هلّلوا للجولاني ووالوه؛ وظنوا أن انتقال رجل خرج من بيئة التنظيمات الإرهابية إلى قصر الحكم يكفي وحده ليحوّل الماضي إلى شرعية، والسلاح إلى دولة، و"الانتصار "  العسكري إلى تفويض سياسي.

 


لكن تلك لم تكن شرعية. فالاستيلاء على السلطة لا يصنع الشرعية، والانتقال من موقع المسلح إلى موقع الحاكم لا يمحو الماضي، ولا يمنح صاحبه براءة سياسية أو أخلاقية. ومن أراد أن يبني دولة على أنقاض مرحلة العنف، فعليه أولاً أن يجيب عن أسئلة الدم، لا أن يطالب الآخرين بالصمت.

 


واليوم يدفع بعض الذين صنعوا تلك اللحظة بالهتاف ثمن خياراتهم هم أنفسهم. فالسلطة التي ظنوها خلاصاً بدأت تتحول، بالنسبة إلى كثيرين، إلى عبء؛ والسلطة التي صفقوا لها لم تمنحهم الازدهار الذي وُعدوا به، بل وضعتهم أمام اقتصاد منهك، وفقر متزايد، وخوف من تغوّل السلطة، واتساع الهوة بين وعود الأمس وواقع اليوم.
وهنا المفارقة التي يصعب الهروب منها: لقد والوا السلطة طلباً للخلاص من القهر، فإذا بهم يكتشفون أن من منحوه ولاءهم قادر على إنتاج قهر جديد.

 


ولهذا، كلما اشتدت الأسئلة، يعود الخطاب نفسه إلى "التحرير"، وكأن الجولاني هو مَن حرّر وأسقط الأسد، وليس قرار الدول التي وافقت على وصوله للسلطة ليكون مطية لها ؛ وكأن ذلك يمنحه حصانة أبدية، وتأسيس سلطة لا تُسأل، وكأن دماء مرحلة سابقة تستطيع أن تغطي دماء مرحلة لاحقة، وكأن من هتفوا بالأمس مطالبون بأن يصمتوا إلى الأبد لأنهم هتفوا.

 

اقرأ أيضاً:

 

                            توماس باراك وانفصام الرؤية

                   لماذا وصلت السويداء إلى حافة القطيعة مع السلطة؟


لكن خطاب التحرير الزائف ليس تفويضاً بالاستبداد. والثورة التي تسلقتها سلطة الجولاني ليست تفويضاً للقتل. وما أسموه بانتصار عسكري لن يكون أبداً دستوراً. وتصفيق القطيع لهذه السلطة ليس عقد إذعان أبدي بين الشعب وهذه السلطة المجرمة
أما جرائم الجولاني ومن ارتبط به، وما ارتُكب باسمه أو تحت سلطته من انتهاكات، فلا يمكن أن تُمحى بتغيير الخطاب، أو تبديل الزي، أو رفع علم الدولة، أو إعادة تقديم الماضي في صورة سياسية جديدة. الجرائم لا تصبح أقل فظاعة لأن مرتكبها أصبح حاكماً، والضحية لا تصبح أقل استحقاقاً للعدالة لأن الجاني امتلك مؤسسات الدولة.

 


وإذا كان هناك من يعتقد أن الزمن سيجعل الضحايا ينسون، فهو لا يفهم طبيعة الذاكرة السورية. الجرائم لا تُمحى، والضحايا لا يُمحون، والوقائع لا تُمحى بتغير السلطة.


أما الذين وقفوا خلف السلطة الجديدة، وبرروا لها ودافعوا عنها ومنحوها غطاءً شعبياً وأخلاقياً، فعليهم أن يفهموا أن الموالاة ليست دائماً مكسباً؛ أحياناً تكون فاتورة. وقد بدأت الفاتورة تُدفع من اقتصادهم، ومن قوتهم، ومن مستقبلهم، ومن قدرتهم على مساءلة السلطة التي ساعدوا على إلباسها ثوب الشرعية.

 


والأقسى أن يكتشف الإنسان أنه ساعد بنفسه على صناعة السلطة التي باتت تضيق عليه، وأنه سلّم حريته إليها بحجة أنها "تحررت" من عدو سابق.

 


لذلك لا تحاولوا إسكات الغضب بشعارات "التحرير". فالشعب لا يأكل الشعارات، ولا يعيش على أمجاد المعارك، ولا يستطيع أن يدفع فواتير السلطة بالهتاف. وحين يتحول الفقر إلى واقع، والاستبداد إلى ممارسة، والدم إلى ذاكرة، يبدأ السؤال الحقيقي بالظهور: ماذا بقي من كل ذلك "التحرير" إذا كان السوري نفسه أصبح مطالباً بدفع ثمنه من كرامته وحريته ولقمة عيشه؟

 


وقد يقول أحدهم: كنا نظن أننا اخترنا الطريق الصحيح. وهذا مفهوم؛ فالناس تخطئ في تقدير الخيارات، والسياسة مليئة بالرهانات التي لا تظهر نتائجها إلا بعد فوات الأوان. لكن التاريخ لا يسأل فقط عما كنت تظنه، بل يسأل عما فعلت عندما أصبح بإمكانك أن ترى الحقيقة.

 


هل راجعت موقفك؟ هل دافعت عن الضحية عندما أصبحت الضحية من الطرف الذي كنت تؤيده؟ أم جعلت من اختيارك السابق سبباً للاستمرار في الدفاع عن الظلم؟
فقد تتغير السلطة، وقد تتغير الأسماء، وقد تتغير الرايات، لكن الحساب الأخلاقي والسياسي لا يتغير. ومن اختار أن يقف خلف الظلم لن يستطيع أن يطالب التاريخ بأن يسجل له أنه كان مجرد متفرج.

 


الجرائم لن تُمحى، والضحايا لن يُمحوا، والوقائع لن تُمحى. ومن ظن أن السلطة تحميه من حساب التاريخ، سيكتشف أن السلطة نفسها قد تكون أول ما يسقط حين يبدأ التاريخ بطرح أسئلته.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard