info@suwar-magazine.org

إدارة الخراب غازي العريضي.. حين تصبح الكارثة سياسة

إدارة الخراب غازي العريضي.. حين تصبح الكارثة سياسة
Whatsapp
Facebook Share

 

هل أغراك الكتاب، أم أغراك كاتبه؟

لا هذا ولا ذاك أغراني الإهداء: "إلى الطفل إيلان الكردي، مع كل الحب والخجل".

ولكن اسم الكاتب يغري بقراءته أيضاً، وكذلك عنوان الكتاب:

ـ إدارة الخراب.

وكان غازي العريضي، مؤلف الكتاب، قد وضع منذ سطوره الأولى ما يجعلك تغرق أكثر فأكثر في قراءته، أما الاقتباس الذي استهل به مدخله، فلا بد من التوقف عنده، إذ يستدعي كلاماً لمادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، في معرض شهادتها أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، في السابع عشر من كانون الثاني عام 2007، بشأن السياسة الأميركية في العراق.

 

هل أعود إلى نص الاقتباس؟

سأعود إليه، لأن السيدة العجوز رأت أكثر مما يجب، وربما أعمق مما ينبغي، ولأن غازي العريضي بنى على تلك الرؤية، واستولد منها ما يكفي من الوقائع التي شهدتها المنطقة، وما سبقها، وربما ما سيليها.

تقول أولبرايت، في معرض حديثها عن العراق بعد الغزو الأميركي، إن ثمة ثلاثة كوابيس قد تلازم السياسة الأميركية:

ـ أولها أن يتحول العراق إلى أرض تجنيد وتدريب لتنظيم القاعدة.

ـ وثانيها أن يصبح العراق خاضعاً لإيران.

ـ وثالثها أن يتمزق بفعل الصراع الداخلي إلى الحد الذي يشعل حرباً تشمل المنطقة بأسرها.

ثم تضيف أولبرايت عبارة لا تقل أهمية عن الكوابيس الثلاثة:

ـ إن هذه الاحتمالات جميعها باتت ممكنة كنتيجة مباشرة للسياسة الأميركية.

 

 

لم تكن تلك رسالة إلى رئيس مقبل، كما قد يوحي بعض النقل، بل شهادة سياسية علنية أمام الكونغرس، وهذا لا ينتقص من أهميتها، بل ربما يزيدها، فنحن أمام مسؤولة أميركية سابقة تقر بأن بلادها ساهمت في إنتاج المخاطر التي جاءت الحرب بذريعة القضاء عليها.

وهنا يبدأ السؤال الذي يقودنا إلى الكتاب:

ـ إذا كانت الكارثة قابلة للتوقع، وإذا كانت نتائجها قد ظهرت مبكراً في حسابات أهل السياسة أنفسهم، فكيف أمكن أن تستمر كل هذه السنوات؟ وهل كان الأمر عجزاً عن إدارة الأزمة، أم أن ثمة من وجد في الأزمة نفسها مجالاً لإدارة مصالحه ونفوذه؟

 

صدر كتاب "إدارة الخراب" عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2015، في 318 صفحة، وهو ليس دراسة أكاديمية بالمعنى التقليدي، بل مجموعة مقالات وقراءات سياسية كتبها العريضي في سياق التحولات التي كانت تعصف بالمنطقة خلال عامي 2014 و2015، غير أن جمع هذه المقالات تحت عنوان واحد يمنحها ما هو أبعد من صفة المتابعة اليومية؛ يمنحها خيطاً ناظماً، أو محاولة لقراءة المشهد العربي باعتباره مشهداً واحداً، تتعدد ساحاته وتتداخل القوى التي تتحكم بمساراته.

 

ولعل العنوان هو أول ما ينبغي التوقف عنده، فالخراب، في دلالته المعتادة، نتيجة حرب أو زلزال أو انهيار، أما حين نضيف إليه كلمة "إدارة"، فإننا ننقل المعنى إلى منطقة أخرى تماماً، يصبح الخراب قابلاً للتنظيم، وتصبح الفوضى قابلة للتوظيف، ويغدو الدمار، بدلاً من أن يكون حادثاً ينبغي احتواؤه، واقعاً يمكن استثماره وإعادة ترتيب المصالح على أنقاضه.

 

من هنا لا يتعامل غازي العريضي مع الولايات المتحدة باعتبارها قوة تدخلت في المنطقة ثم أخفقت في تحقيق أهدافها فحسب، بل يضع سياساتها في قلب المشهد، متسائلاً عن العلاقة بين ما تعلنه واشنطن من أهداف وما تؤول إليه تدخلاتها من نتائج، فثمة مسافة واسعة بين محاربة الإرهاب وبين السياسات التي تتيح له أن يتمدد، وبين الحديث عن استقرار المنطقة وبين ترك دولها تتآكل من الداخل، وبين إسقاط نظام سياسي والقدرة على بناء دولة مكانه.

 

اقرأ أيضاً:

                 

                  من أشعل باريس؟ دونالد ترامب لديه جواب جاهز

                      لم يكونوا أبطالاً… كنا نحن صغاراً

 

العراق هو المدخل الأكثر وضوحاً إلى هذه المفارقة، فالاحتلال الأميركي لم يسقط نظام صدام حسين فحسب، بل فكك بنية الدولة، وفتح أبواباً لصراعات لم تكن حدودها عراقية، وبين انهيار المؤسسات، والتنازع الطائفي، وصعود القوى المسلحة، واتساع النفوذ الإيراني، ظهرت النتائج التي كانت أولبرايت قد وضعتها في قائمة كوابيسها، ولم يكن تنظيم القاعدة سوى أحد وجوه الفراغ الذي أخذ يتسع، قبل أن تتشكل لاحقاً الصيغة الأكثر وحشية التي عرفناها باسم داعش.

 

هنا يضعنا الكتاب أمام سؤال لا يكفي أن نجيب عنه بالقول إن الولايات المتحدة أخطأت الحسابات، سيكون السؤال:

ـ هل كانت تعرف حجم المخاطر التي ستنتجها سياستها؟ وإذا كانت تعرف، فهل كانت مستعدة لتحمل نتائجها، أم أن مصالحها كانت تُقاس بمعايير لا تشبه بالضرورة المعايير التي تُقاس بها حياة الشعوب؟

 

ومن العراق تنتقل القراءة إلى سوريا، حيث تتداخل الحرب الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، وتتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، لم تعد المسألة مجرد صراع على السلطة، ولا مجرد مواجهة بين نظام ومعارضيه، بل أصبحت شبكة من المصالح والتحالفات والقوى المسلحة، لكل منها حساباته، فيما كان السوريون يدفعون الثمن الأكبر.

 

يقرأ العريضي تمدد داعش، والموقف الأميركي منه، والتناقض بين إعلان الحرب عليه وبين الوقائع الميدانية، بوصفها علامات على سياسة لا يمكن فهمها من خلال التصريحات الرسمية وحدها، ويتوقف عند كوباني، وعند المفارقة التي تضع تحرير مدينة من قبضة التنظيم في مواجهة مدينة مدمرة وأهل مهجرين، فالانتصار العسكري، مهما كانت ضرورته، لا يساوي بالضرورة إنقاذ المكان، ولا يعيد إلى الناس بيوتهم وحياتهم.

 

وليس في ذلك ما يبرر اختزال المأساة السورية في إرادة خارجية واحدة، أو إعفاء نظام آل الأسد والقوى المحلية والإقليمية من مسؤولياتها، فهذه واحدة من المسائل التي تستدعي قراءة نقدية للكتاب نفسه:

ـ إلى أي حد يستطيع من يفسر التدخلات الدولية أن يفسر أيضاً مسؤولية أصحاب السلطة، وأصحاب السلاح، وأولئك الذين حوّلوا مجتمعاتهم إلى رهائن لمشروعاتهم؟

 

أما إيران، فتظهر في الكتاب بوصفها قوة إقليمية استفادت من التحولات الكبرى التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، ومن الفراغ الذي تركه تراجع الدولة العربية، لقد اتسع نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولم يكن ذلك نتيجة قوة إيرانية مجردة، بل أيضاً نتيجة انكفاء عربي، وانهيار مراكز إقليمية، وغياب مشروع عربي قادر على التعامل مع الوقائع الجديدة.

 

 

 

 

لكن العريضي لا يكتفي بتسجيل هذا التمدد، بل يطرح الحاجة إلى حوار عربي إيراني، لا باعتباره تنازلاً عن المصالح العربية، وإنما باعتباره استعادة للسياسة من منطق الخصومة الدائمة، فليس من الحكمة أن يترك العرب لإيران وواشنطن وحدهما تقرير طبيعة العلاقة بينهما، ثم يكتفوا بمراقبة النتائج ودفع أثمانها.

 

في الخلفية تحضر إسرائيل، لا باعتبارها طرفاً هامشياً في المشهد، بل بوصفها دولة تراقب تفكك محيطها، وتستفيد من تراجع الدول العربية وانشغالها بصراعاتها الداخلية، وهنا يستعيد الكتاب أسئلة الخرائط القديمة، من سايكس بيكو إلى وعد بلفور، وما إذا كانت المنطقة تتجه إلى إعادة تشكيل جغرافيتها السياسية، ليس بالضرورة عبر اتفاقيات معلنة، بل عبر الحروب والتصدعات والانقسامات التي تترك المجتمعات بلا قدرة على الدفاع عن وحدتها.

 

غير أن أكثر ما يستحق الانتباه في الكتاب هو ألا نكتفي بقراءة الخراب من جهة الخارج، فالعريضي يترك مساحة واسعة للمسؤولية العربية، وللأنظمة التي أضعفت مجتمعاتها، وللنخب التي عجزت عن إنتاج مشروع سياسي، وللقوى التي جعلت من الطائفية والعصبية أدوات للحكم والتعبئة، فالخارج لا يصنع كل شيء من العدم، ولا يستطيع أن يدير فراغاً لم تصنعه أيضاً أخطاء الداخل وعجزه واستعداده للتنازل عن مستقبله.

 

هنا تكتسب فكرة إدارة الخراب معناها الأكثر إيلاماً، فالخراب ليس دائماً نتيجة عدو شديد الذكاء، ولا مؤامرة محكمة التخطيط، قد يكون ثمرة أنظمة لا ترى في الدولة سوى ملكية خاصة، ونخب لا ترى في المجتمع سوى جمهور قابل للاستعمال، وقوى لا تعرف من السياسة إلا الغلبة، وشعوب تُدفع إلى حروب لا تملك قرار إيقافها.

 

ولعل ما يمنح الكتاب أهمية إضافية اليوم هو المسافة الزمنية التي تفصلنا عن صدوره، لقد كُتبت مقالاته في لحظة كانت المنطقة فيها تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً، لكن السنوات اللاحقة لم تبدد أسئلته، بل أضافت إليها وقائع جديدة، تغيرت التحالفات، وتبدلت موازين القوى، وسقطت أنظمة، وانكشفت هشاشة دول، وأصبح ممكناً أن نعود إلى بعض استنتاجات الكتاب لنرى ما الذي أصاب فيه، وما الذي لم يكن قادراً على توقعه، وما الذي تحتاج قراءته اليوم إلى مراجعة.

 

لا أريد أن أتعامل مع الكتاب باعتباره نبوءة تحققت، ولا أن أمنح صاحبه حصانة من الاختلاف، فالقراءة الجادة لا تبدأ من التسليم بما يقوله المؤلف، بل من اختبار قدرته على تفسير الوقائع، والتمييز بين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث، وبين المصالح المعلنة والمصالح المستترة.

 

لكنني أعود إلى الإهداء:.

ـ إلى الطفل إيلان الكردي، مع كل الحب والخجل.

هنا، ربما، تكمن المسافة الأكثر فداحة بين السياسة ونتائجها، مئات الاجتماعات، آلاف الصفحات من التقارير، خرائط النفوذ، حسابات الدول، صفقات السلاح، بيانات التحالفات، ومصطلحات الأمن القومي، وفي النهاية طفل صغير على شاطئ، لا يعرف شيئاً عن كل ذلك، ولا يعرف لماذا انتهى به المطاف هناك.

 

إيلان ليس تفصيلاً إنسانياً لتزيين كتاب سياسي، بل هو الوجه الذي ينبغي ألا يغيب عن أي قراءة للسياسة، إنه ما يتبقى من كل تلك الحسابات حين تسقط عنها لغتها الرسمية.. طفل لا يملك من أمر العالم شيئاً، لكنه يدفع ثمن ما يقرره الكبار.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الأهم الذي يطرحه كتاب غازي العريضي:

ـ من أدار الخراب؟

بل السؤال الأكثر قسوة:

ـ كيف أصبح الخراب قابلاً للإدارة، فيما صار إنقاذ البشر من نتائجه أمراً مؤجلاً؟

ثمة كتب تقرؤها لتعرف ماذا حدث، وكتب أخرى تعود إليها لأن ما حدث لم ينتهِ بعد، و"إدارة الخراب"، من النوع الثاني.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard