info@suwar-magazine.org

عندما انتصر فول الصويا

عندما انتصر فول الصويا
Whatsapp
Facebook Share

 

في السياسة، لا تكمن الحقيقة دائماً فيما يُقال أولاً، بل فيما يُقال أخيراً.
لهذا، قد يكون أكثر ما يستحق التأمل في التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي بشأن إيران، ليس الحديث عن البرنامج النووي، ولا عن مضيق هرمز، ولا حتى عن الأموال المجمدة، بل تلك الجملة التي مرت على كثيرين مرور الكرام، الأموال ستُودع في حساب ضمان، ثم تُنفق على شراء المواد الغذائية والإمدادات الطبية من الولايات المتحدة فقط، بما في ذلك الذرة والقمح… وفول الصويا.
هنا تحديداً، يصبح للمشهد كله مذاق مختلف.

 



لسنوات، كانت واشنطن تشرح للعالم أن تحركاتها العسكرية تحكمها اعتبارات الأمن والاستقرار ومنع الانتشار النووي. وهي اعتبارات لا يمكن إنكار حضورها في الحسابات الاستراتيجية. لكن السياسة، كعادتها، تكشف أحياناً عن وجهها الاقتصادي في أكثر اللحظات جدية.

 

 



فبينما ينشغل العالم بقراءة الخرائط العسكرية، قد يكون الأجدى أحياناً قراءة الميزان التجاري.
وما إن يصل الحديث، بعد كل هذا التصعيد، إلى قائمة من المنتجات الزراعية الأمريكية، حتى يجد الساخر نفسه أمام سؤال لا يستطيع مقاومته، هل كانت نهاية هذا الفصل من الصراع هي انتصار الاستراتيجية… أم انتصار المزارع الأمريكي؟

 



المفارقة ليست في بيع الذرة أو القمح أو فول الصويا. فالدول تدافع عن مصالحها الاقتصادية، وهذا أمر طبيعي. المفارقة أن الخطاب الذي بدأ بصواريخ وطائرات وحاملات بحرية انتهى بقائمة مشتريات، وكأن العالم بأسره اجتاز أزمة كبرى ليصل في النهاية إلى معرض للمنتجات الزراعية.

 



قد يقال إن هذه هي السياسة في أنقى صورها، القوة العسكرية تفتح الطريق، والدبلوماسية تنظم المرور، بينما تصل التجارة لتحصد الثمار.

 

اقرأ أيضاً:

 

              سوريا، العالم يتغير.. ودمشق ما تزال تحكم بعقلية السلطة

                         أي وحدة يحتاجها الكرد اليوم؟

 


لكن السخرية تملك رواية أخرى.
تخيل مؤرخاً بعد خمسين عاماً يكتب عن هذه المرحلة. سيذكر تفاصيل المفاوضات، والتوتر في الخليج، والضربات العسكرية، ثم يضيف في الهامش، "وفي النهاية، تقرر أن تُصرف الأموال على شراء فول الصويا الأمريكي."
كم سيبدو ذلك المشهد عبثياً!



إن أكثر ما يثير الدهشة ليس أن الدول تسعى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من نفوذها السياسي، فهذا قديم قدم الإمبراطوريات. الجديد هو مقدار الصراحة التي أصبح يُقدَّم بها هذا الترابط، حتى لم يعد يفصل بين خطاب الأمن القومي وخطاب تسويق الصادرات سوى فاصلة.



وهكذا، يتأكد مجدداً أن الحروب لا تنتهي دائماً عند خطوط وقف إطلاق النار، بل عند دفاتر الحسابات.
وفي عالم تُقاس فيه الانتصارات بالأرباح كما تُقاس بالمكاسب العسكرية، قد لا يكون المنتصر الأخير جنرالاً ولا دبلوماسياً .قد يكون… مزارعاً ينتظر موسم حصاد جيد.


وهكذا، ربما لا يحتاج القرن الحادي والعشرون إلى إعادة تعريف الحرب فقط، بل إلى إعادة تعريف الغنيمة أيضاً.
فإذا كانت السياسة هي فن إدارة المصالح، فإن السخرية هي فن كشفها عندما تتخفى خلف الشعارات.


وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لن تجيب عنه البيانات الرسمية، لكنه سيظل يطارد كل تصريح مشابه، هل كانت البنادق تحرس الأمن… أم كانت تحرس الأسواق


الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard