info@suwar-magazine.org

لم يعُد هناك من غدٍ نلتقي فيه .. أنتَ قُلتها يا وضاح الخاطر : تشتهرُ بلادي بأنها بيّاعة

لم يعُد هناك من غدٍ نلتقي فيه .. أنتَ قُلتها يا وضاح الخاطر : تشتهرُ بلادي بأنها بيّاعة
Whatsapp
Facebook Share

 

 

غادرتُ الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون منذ أكثر من سنتين، خرجتُ بقرارٍ مني وكنت أعلم أنني أخرج منها كي لا أعود إليها ثانية، ابتعادي عن الهيئة لم يدفعنِ إلى فكّ الارتباط بها وهي التي عرّفتني على أجمل الأصدقاء وأمضيت في أقسامها أجمل سنوات عمري، لا أعلم ما الداعي لكل هذا الكلام، أنا فقط أريد أن أقول أنني أشعر بالضيق والحزن ومشاعري عادت لتدفّق دفعةً واحدة عندما قرأت منشوراً لـ وضاح الخاطر يُعلن فيه مغادرته مبنى التلفزيون بشكل نهائي ووداعه لتفاصيل سكنت ذاكرته طوال 25 عاماً من العمل في أروقته، عاشها مُتنقلاً أو ضيفاً، بين الاستماع السياسي ومنظومة أخبار إذاعة دمشق وموقع الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وصوت الشباب وصوت الشعب وأروقة الصحافة في الفضائية السورية وقناة تلاقي وسوريانا.

 

 بمغادرة وضاح الخاطر الهيئة، أُدرك بأن الستارة أُسدِلت على الزمن الجميل في مبنى التلفزيون، ذاك المبنى الذي لم يكن بالنسبة لنا مؤسسة دولة، كان لنا بيتاً بجدران وكان لنا فيه إخوة، يبدو أن الحكاية انتهت وأعترف أن النهاية جاءت أبعد ما تكون عن التوقعات، من أجل ذلك، سأروي بما حَفِظته ذاكرتي، قصّة "الأميرة سوريانا" للمرة الأخيرة كي يبقى اسم من رعاها نقطة مضيئة، شِهابْ لمَعَ يوماً في سماء الإعلام السوري لكنه لم ولن ينطفأ.

 

 

لم تكن صورة الرئيس القائد هي من تستقبل ضيوف "إذاعة سوريانا" كما جرت العادة في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، كان الاستقبال من مهمّة الشعراءٌ والكتّاب والفنانين، كانوا يجلسون جميعهم على مقاعدِ الجدران، هناك في مدخل الإذاعة، كانت صورهم تبدو أقل شَبَهاً باللوحات وأقرب إلى نافذة تُفتح على دمشق كلما مرّ بها أحد، فتستعيد المدينة صوتها وأَلَقها وهي تستمع إلى قصائد محمود درويش ونزار قباني ومحمد مهدي الجواهري وسعيد عقل وطلال حيدر، وحين تكفّ القصائد عن الكلام، كانت تحضر فيروز بكل كبريائها لترتّل دمشق كما لو أنها صلاة، أما ماجدة الرومي، فكانت تمنحها هيبة المدن الخالدة، كان مدخل الإذاعة أشبه بمسرح تتبارى فيه القصائد والأغاني من أجل الاحتفاء بمدينةٍ لم ينقطع الحديث عنها يوماً ولم تُغادر وِجدان مُحبيها ومُبدعيها، لكنها لم تعد الآن قادرة على أن تجمعهم في قصيدةٍ واحدة ، ذاك كان زمن وضاح الخاطر، تلك أيام خلت نداولها بيننا.

 

 

لم أُدرك حتى هذه اللحظة السبب الذي منعني من سلوك طريق الهجرة مَع مَنْ هاجر من موظفين إلى إذاعة سوريانا قبل عشر سنوات من الآن، هل هو سوء حظي أما قلّة تدبير مني أم هي ترتيبات القدر؟ ما بين 2015- 2018، كان وضاح الخاطر في عِزّ الحياة الإعلامية وفي عينها، كان مشغولاً بتربية طفلته المشاكسة سوريانا، أول طفلة متمرّدة في الإعلام الرسمي السوري، ومن خلفهِ كان هناك جيش من العاملين والموظفين المُحبين له.

 

 

أتذكّر جيداً، ولا أبالغ إن قلت إن هجرةً جماعية بدأها الموظفون من أقسام الهيئة إلى إذاعة سوريانا ما إن تسلّم الخاطر إدارتها، جذبتهم سوريانا "الأميرة" ذات الكعب العالي وما مَلَكته من تفرّد وجرأة أحدثت خرقاً في الإعلام خلال فترة قصيرة جداً وتمكّنت من الوصول إلى مراتب عالية في المتابعة وهي سابقة في الإعلام الرسمي السوري، جذبهم الفضول لمعرفة كيف يمكن للإنسان أن يكون مشاكساً ومحترماً في آنٍ معاً، مديراً لا تُلغيه السلطة وأباً لا تُفسده المسؤولية وأخاً يسبق الجميع إلى الاحتواء وملاذاً يشعر كل من حوله بالأمان، أرادوا أن يتعلّموا كيف يمكن للرجل أن يبقى صادقاً وشجاعاً لا يتلوّن ولا يبتلع لسانه خوفاً ولا تملّقاً.

 

اقرأ أيضاً:

 

                         حين يرحل شاعر كردي… ماذا تخسر اللغة؟

         ناجي عبيد.. آخر نازيّي العرب.. ما زال مسدس أنطون سعادة على خاصرته

 

 

ولأن الحكاية لا تكتمل بالشعارات وحدها، فإن الجانب المعنوي لم يكن منفصلاً عن المادي بل كان امتداده الطبيعي، وعندما تعمل في مكان تشعر فيه بأن صوتك مسموع ورأيك يُحترم ولك مساحتك وهويتك، يصبح الراتب جزءاً من الشعور بالكرامة، وليس كلّه، ومع ذلك، أدرك وضاح الخاطر أن التقدير لا يُقال فقط، بل يُترجم إلى حياة أكثر استقراراً للعاملين معه، من أجل ذلك، عاش موظفو سوريانا ما يُشبه الدلال المادي في زمن كان الجميع يضيق فيه اقتصادياً، كان معروفاً للقاصي والداني أن موظف سوريانا حتى وإن تساوى راتبه مع موظفي الإذاعات الأخرى، فإن ما يحصل عليه من البونات يجعله في حال مختلفة تماماً، وعندما كان أحدهم يصيح :"يا شباب .. نزلت البونات"، كان وقع العبارة على العاملين في الإذاعة يُشبه هطول المطر في تموز، يُشبه وعداً بالفَرَجْ.

 

 كانوا يعرفون أن المدير الشاب بذل ما استطاع ليمنحهم شيئاً من الدفء المادي في بلد غارقٍ بأزماته السياسية والاقتصادية والأمنية، ببساطة مفرطة، كان وضاح ينسى نفسه ويذوب كُرْمى أن لا يرى أحداً محروماً أو مُحتاجاً، حتى لو اضطر أن يَقْتطع من راتبه، وهذا ما حدث فعلاً، ولم يكن بالموقف العابر أبداً، بل عادة تكررّت مراتٍ ومرات، وكثيراً ما غاب اسم المدير الشاب عن قوائم البونات، ليس لأنه نُسي، بل لأنه كان قد أعطى حِصّته مُسبقاً لشخص رأى أن حاجته إليها أكبر من حاجته هو.

 

 

 

اعتاد وضاح أن يزرع بين الأغنية والأغنية قصيدة، فكيف لا يختنق وهو يجد نفسه فجأة خلف مكتبٍ في مديرية التخطيط؟ لأسبابٍ تتعلّق بفقدان الأمل، توقّف وضاح الخاطر عن العمل الفعلي في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون قبل نحو ثماني سنوات من الآن، فقد تبيّن أن كل الوعود التي أُعطيت له بعد اغتيال طفلته الوحيدة سوريانا عام 2018، كانت مجرد أكاذيب، مع ذلك، حاول أن يكون مرِناً، لم يُرِدْ أن يبدو للآخرين أنه هو الثلث المُعطل وأنه هو مَنْ يرفض الفُرص حتى ولو كانت بعيدة عن فكره وشخصيته.

 

أتذّكر كيف ذهب إلى مديرية التخطيط في وزارة الإعلام بعد صدور قرار بتعيينه مديراً، لكنه لم يستطع أن يصمد لأكثر من ربع ساعة، شعر بالاختناق، انسحب بعدها وطلب أن يُطوى القرار ، مع ذلك، استمر في سعيه وقدّم محاولاتٍ كثيرة لتطوير الإعلام في الهيئة، لكن، كانت هناك إشارة مرور كلما حاول أن يعبرها أضاءها المسؤولون بالأحمر، ربما لو علم المدير (الحبيب) والوزير (الحلّاق) ومن قبله الوزير (العِماد)،  أن المستشارة الرشيقة لونا الشبل ستموت أو أن هناك احتمال واحد بالمئة بأن دورها سينتهي قريباً، ما كانوا ليبتلعوا ألسنتهم، وخاصة مدير عام الهيئة السابق.

 

 

فقد اكتشفنا أن للمدير (الحبيب) لِسان ويتحدّث بطلاقة عن النظام البائد، وقد خرج بعد أسبوعٍ واحدٍ أو أكثر بقليل على الإعلام "المعادي" بنظره سابقاً، ليروي لنا مآخذه على النظام، نعم، كانت له مآخذ وانتقادات، لكنه بقي في منصبه حتى اليوم الأخير من عمر النظام، كان حريصاً أن يخرُج فجرَ يوم الأحد 8 ديسمبر 2024، ليوثّق الحَدَثْ ويُصوّر لنا المشهد الأخير من تلك الليلة، ليلة السقوط.

 

 

 

أنتَ قٌلتها يا وضاح ولستُ أنا :

 

تشتهر بلادي بتصويب سِهامها، إلى غير موضِعها الطبيعي والمفروض..

تشتهر كذلك بأنها بيٌاعة، بأبخس الأثمان، وما هو رخيص، وغير ذي قيمة، لكل جهاز استخبارات جديد ..

أُحبها؟

ما عدتُ واثقاً من الإجابة..

وكي أكون صريحاً كثيراً..

قطعاً لا ..

خَرَجت البلاد من قلبي، منذ زمن بعيد..

لا لما حلٌ بها من قتل وتنكيل، وإنما لأسبابٍ كثيراً ما حاربت لنفيها، وبس ..

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard