حين يرحل شاعر كردي… ماذا تخسر اللغة؟

في وداع الشاعر أحمد حسيني
سيرة شاعر عاش بين المنفى والعودة، وترك أكثر من خمسة عشر كتاباً شعرياً.
توفي الشاعر الكردي أحمد حسيني، يوم الثلاثاء 10 آذار في السويد، عن عمر ناهز 71 عاماً، إثر إصابته بسرطان الرئة، وبرحيله يخسر المشهد الثقافي الكردي أحد الأصوات الشعرية الهادئة التي كتبت بعيداً عن الضجيج، وراهنت على القصيدة بوصفها مساحة للتأمل أكثر منها منصة للخطابة، فقد وُلد حسيني عام 1955 في مدينة عامودا، تلك المدينة الصغيرة في شمال شرق سوريا التي خرج منها عدد من الشعراء والكتّاب الكرد، درس الفلسفة في جامعة دمشق، وهو ما ترك أثراً واضحاً في حساسيته الشعرية؛ فقصائده غالباً ما بدت مشغولة بأسئلة المعنى والوجود، أكثر من انشغالها بالشعارات أو اليقينيات الجاهزة.
غادر حسيني سوريا في سنوات مبكرة، متنقلاً أولاً إلى لبنان، قبل أن يستقر في السويد عام 1989، وهناك، في المنفى البعيد عن جغرافيا طفولته، واصل الكتابة والعمل الثقافي، وكان أحد مؤسسي اتحاد مثقفي روج آفايي كردستان الذي أُعلن عن تأسيسه عام 2004 في السويد، في محاولة لتنظيم النشاط الثقافي الكردي في المهجر وربط المثقفين الكرد ببعضهم البعض.
ولم يكن حسيني شاعراً كثير الظهور في الإعلام، لكنه كان حاضراً في الوسط الثقافي الكردي بوصفه صوتاً شعرياً هادئاً، وصدرت له خلال مسيرته الأدبية نحو خمسة عشر كتاباً، جُمعت لاحقاً في طبعة للأعمال الكاملة عام 2015، كما اشتغل على الترجمة، فنقل إلى الكردية رواية الجندب الحديدي للكاتب السوري الكردي سليم بركات، في محاولة لفتح جسور إضافية بين اللغتين العربية والكردية، لكن تجربة حسيني لم تكن تجربة منفى كامل، فبعد سنوات طويلة قضاها في السويد، عاد إلى سوريا عام 2013، وبدأ يتردد على مدينة القامشلي بشكل متقطع، قبل أن يستقر فيها نهائياً عام 2016، وكانت تلك العودة أشبه بمحاولة متأخرة للمصالحة مع المكان الأول، مع المدينة التي بقيت حاضرة في ذاكرته رغم عقود الغياب.
اقرأ أيضاً:
يمكنك الجلوس أمام البيت الأزرق وتكون ضيفاً هناك..قراءة في رواية البيت الأزرق
ينتمي حسيني إلى جيل من الشعراء الكرد الذين عاشوا بين لغتين وذاكرتين: الكردية التي تشبه الأم، والعربية التي تشبه الطريق، وبين هاتين اللغتين تشكّلت تجربة شعرية تحاول أن تقول العالم من زاويتين في الوقت نفسه، ففي قصائده، لم يكن الكردي شعاراً سياسياً بقدر ما كان إنساناً عادياً يعيش تفاصيله اليومية بلغتين. هذا التوتر بين الرسمي والحميمي، بين لغة الدولة ولغة البيت، كان أحد المفاتيح العميقة في حساسيته الشعرية، ولهذا بدت قصائده أقرب إلى الهمس منها إلى الخطابة، شعر يعرف أن المأساة الكبيرة لا تحتاج دائماً إلى كلمات كبيرة، بل إلى إصغاء عميق لما يتكسر في الداخل، فهو كتب عن الأمكنة كما لو أنها كائنات حيّة: المدن التي تتبدّل وجوهها مع الزمن، البيوت التي تُترك فجأة، والأسماء التي تضطر إلى السفر أكثر من أصحابها، وفي هذا المعنى، بدا شعره جزءاً من ذاكرة أوسع لشعبٍ تعلّم أن يحمل بيته في اللغة حين يصبح البيت في الواقع مهدداً بالغياب.
في عام 2023 اكتشف حسيني إصابته بسرطان الرئة، الأمر الذي اضطره للسفر مجدداً إلى السويد لتلقي العلاج، وهناك، في البلد الذي عاش فيه سنوات طويلة من حياته، انتهت رحلته.
رحيل شاعر مثل أحمد حسيني يفتح أيضاً سؤالاً أوسع عن مصير الشعراء الذين يكتبون في الهامش الثقافي العالمي، ففي مناطق كثيرة من الشرق الأوسط، يكتب الشعراء في ظروف صعبة: ضعف النشر، قلة الترجمة، وغياب المؤسسات التي تحفظ الذاكرة الأدبية، كثير من النصوص تبقى موزعة بين مجلات صغيرة أو صفحات شخصية، وكأنها تعيش حياة مؤقتة مثل أصحابها، لكن الشعر، في النهاية، يعرف طريقه إلى البقاء بطريقة ما، فالكلمات التي كُتبت بصدق نادراً ما تختفي تماماً.
رحل أحمد حسيني، لكن قصائده ستبقى مثل ضوء خافت في آخر الممرّ؛ لا يكفي ليبدّد العتمة كلها، لكنه يكفي كي لا نضيع تماماً، وربما هذا هو الدور الأكثر تواضعاً والأكثر ضرورة للشعر: أن يترك لنا أثراً صغيراً من الضوء، حين تصبح العتمة أكبر من قدرتنا على الفهم.