سوريا.. عندما يصبح بقاء المكوّنات أقوى من بقاء الوطن

ربما كان أخطر ما يفرزه الحكم القائم على مبدأ الغلبة ليس مجرد الفشل في بناء دولة حقيقية، ولا العجز عن إرساء الشرعية أو تحقيق الشراكة والاستقرار، بل هو دفع المجتمع إلى نقطة حرجة يبدأ فيها الأفراد بالتفكير في النجاة بأنفسهم من الوطن، بدلاً من السعي لنجاته هو. فالأوطان لا تظل قائمة بقوة حدودها المرسومة على الخرائط، ولا تحيا بمجرد نيل الاعتراف الدولي، ولا تبقى موحدة بفضل الخطابات والشعارات الرنانة. بل إن بقاءها وازدهارها مرهون بقدرتها على احتضان وحماية جميع أبنائها، وعلى شعور هؤلاء الأبناء بأنهم متساوون في الانتماء، الكرامة، الحقوق، والمصير المشترك.
وحين تعجز الدولة عن أداء هذه الوظيفة الجوهرية، يبدأ التصدع ليس في حدود الجغرافيا، بل في أعماق النفوس. ويتحول السؤال تدريجياً من: كيف نحافظ على الوطن؟ إلى: كيف نحافظ على أنفسنا داخل وطن لم يعد قادراً على حمايتنا؟
وعندما يبلغ المجتمع هذه المرحلة الدقيقة، تبدأ الهويات الفرعية باستعادة دورها القديم كملجأ أخير للأمان. ليس لأن الناس تخلوا فجأة عن انتمائهم الوطني، ولا لأنهم قرروا استبدال أوطانهم بانتماءات أصغر، بل لأن الوطن نفسه أخفق في أن يكون المظلة الجامعة التي تحتضنهم وتحميهم على قدم المساواة.
وهنا تكتسب معادلة بقاء المكونات قوة لم تكن لتملكها في الظروف الطبيعية. فكل جماعة تشعر أن وجودها، كرامتها، أو أمنها بات مهدداً، تبدأ بالبحث عن كل أدوات الحماية الممكنة، مهما كان شكلها. وتصبح الأولوية القصوى هي حماية الإنسان قبل حماية الشعارات، وصون الوجود قبل الدفاع عن الخطابات الوطنية المجردة.
اقرأ أيضاً:
ومن هنا تنبع دعوات تقرير المصير، كما نشهد في حالة السويداء، أو مشاريع الحكم الذاتي، أو "الفدرلة"، أو أي صيغة أخرى يراها أصحابها وسيلة للدفاع عن الروح والكرامة والوجود. وهذه الخيارات لا تنبع دائماً من رغبة في الانفصال عن الوطن، بقدر ما تنبع من شعور متزايد بأن الوطن قد انفصل أولاً عن أبنائه، وتركهم يواجهون مصائرهم وحيدين.
فحين تتحول السلطة إلى أداة إخضاع قسري، وحين يصبح الخوف هو اللغة الوحيدة التي تُدار بها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحين تُختزل الدولة في جماعة أو أيديولوجيا أو سلطة أمر واقع، فإن البحث عن النجاة لا يعود ترفاً سياسياً، بل يصبح حقاً وجودياً؛ وهنا تكمن المأساة السورية الكبرى.
المشكلة لم تعد تكمن في أن بعض السوريين يفكرون ببدائل للدولة الوطنية، بل في أن الدولة الوطنية نفسها أصبحت عاجزة عن إقناعهم بأنها قادرة على حمايتهم. ولم يعد الخطر مقتصراً على تفكك الجغرافيا، بل بات يطال الفكرة الأساسية التي قامت عليها سوريا الحديثة؛ فكرة أن السوريين يستطيعون العيش معاً داخل وطن واحد يتسع لهم جميعاً.
لقد أصبح كثيرون يشعرون بأنهم مطالبون بالدفاع عن وجودهم قبل الدفاع عن وطنهم، وعن كرامتهم قبل الدفاع عن شعارات الوحدة، وعن حقهم في الحياة قبل أي شيء آخر. وعندما تصل الأمور إلى هذه النقطة الحرجة، تصبح معادلة بقاء المكونات أكثر إلحاحاً من معادلة بقاء الوطن، لا لأن الناس توقفوا عن حب أوطانهم، بل لأنهم باتوا يخشون ألا يبقوا أحياء أو أحراراً أو آمنين بما يكفي ليواصلوا الإيمان بهذا الوطن وحبه.
وهكذا، لا يكون الخطر الحقيقي في الدعوات التي تظهر هنا أو هناك، بل في الظروف القاسية التي أنتجتها. ولا تكون المعضلة في نتائج الانهيار بقدر ما تكون في الأسباب العميقة التي دفعت إليه. فالوطن لا يُنقذ بإدانة الخائفين على وجودهم، بل بإزالة الأسباب التي جعلتهم يخافون أصلاً.
وهذا ما يكشف، مرة أخرى، المأزق العميق لمشروع الغلبة. فبدلاً من أن يعيد السوريين إلى حضن وطنهم، يدفعهم نحو الاحتماء بجماعاتهم. وبدلاً من أن يعزز الثقة بالدولة، يوسع دائرة الشك فيها. وبدلاً من أن يجعل معادلة بقاء الوطن أكثر قوة، يساهم ـ بقصد أو بغير قصد ـ في جعل معادلة بقاء المكونات أكثر حضوراً وإلحاحاً.
عندما تصل الأمم إلى هذه العتبة الخطيرة، لا يعود الصراع صراعاً على السلطة فقط، ولا على الشرعية فحسب، بل يصبح صراعاً على الكينونة ذاتها؛ على معنى أن يكون الإنسان جزءاً من وطن يشعر أنه يحميه، لا ساحة يخشى أن يفقد فيها وجوده كل يوم.