info@suwar-magazine.org

أوعية الذاكرة.. من الثور الذي نجا، إلى كل من نجا من النسيان

أوعية الذاكرة.. من الثور الذي نجا، إلى كل من نجا من النسيان
Whatsapp
Facebook Share

 

 

جديد نبيل الملحم :

أوعية الذاكرة

من الثور الذي نجا، إلى كل من نجا من النسيان

 

 

ثمة كتب تُكتب لإضافة معلومات جديدة، وثمة كتب تُكتب لإعادة ترتيب الأسئلة القديمة، أما هذا الكتاب، فينتمي إلى فئة أقل شيوعاً؛ الكتب التي تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، فمنذ الصفحات الأولى، لا يعود القارئ يقرأ عن الذاكرة باعتبارها وظيفةً عقلية، بل يكتشف أنه يقرأ عن الإنسان نفسه، وأن كلمة "الذاكرة" ليست سوى الاسم الآخر للهوية، وللزمن، وللألم، وللحب، وللوطن، وللموت، وربما سيصح هذا على كتاب: "أوعية الذاكرة.. من الثور الذي نجا، إلى كل من نجا من النسيان"، للروائي نبيل الملحم، وبغلاف صممه الفنان الكوردي لقمان أحمد ليضيف بصمته على الكتاب.

 

 

اعتادت المكتبة العربية أن تتناول الذاكرة في سياقات متفرقة؛ في علم النفس، أو في الفلسفة، أو في الرواية، أو في الدراسات التاريخية، لكن من النادر أن نجد عملاً يحاول أن يعبر هذه الحقول كلها دفعةً واحدة، دون أن يفقد وحدته الداخلية، وهنا تكمن خصوصية هذا الكتاب، فهو لا يعترف بالحدود الصارمة بين المعرفة العلمية والتأمل الفلسفي والخيال الأدبي، بل يرى أن هذه الحدود نفسها مصطنعة، وأن الذاكرة أكبر من أن يحتكرها اختصاص واحد، ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن المؤلف لا يبدأ من تعريفات، ولا من نظريات، ولا من أسماء العلماء، بل من قصة، ثورٌ نجا من الموت لأنه تعلّم، ولأنه تذكّر.. إنها استعارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل منذ البداية الفكرة المركزية للكتاب كله:

ـ أن الذاكرة ليست أرشيفاً للماضي، وإنما وسيلة للبقاء.

 

 

هذه البداية تكشف شيئاً مهماً في طبيعة الكتاب، إنه لا يشرح الأفكار، بل يرويها، لا يقدّم المفاهيم في صورة معادلات جامدة، وإنما يحولها إلى كائنات حيّة، وإلى حكايات، وإلى صور تبقى في ذهن القارئ، ولهذا تبدو صفحاته أقرب إلى رحلة فكرية منها إلى دراسة أكاديمية.

 

 

في تاريخ الفكر الإنساني، كتب كثيرون عن الذاكرة، كتب عنها أفلاطون حين جعل المعرفة تذكّراً لما عرفته الروح من قبل، وكتب عنها أرسطو وهو يحاول فهم العلاقة بين التذكر والزمن، وحوّلها مارسيل بروست إلى أعظم مشروع روائي عن الزمن الضائع، حين جعل قطعة "حلوى" تستدعي حياةً كاملة، وجعلها خورخي لويس بورخيس لعنة في شخصية "فونيس" الذي يتذكر كل شيء فلا يستطيع التفكير في شيء.

 

 

أما علماء الأعصاب، من جيرالد إدلمان إلى أنطونيو داماسيو، فقد أعادوا تعريفها بوصفها عملية بيولوجية معقدة تُبنى باستمرار، ولا تعمل بوصفها آلة تصوير تحفظ الماضي كما هو، لكن هذا الكتاب لا يحاول أن ينافس هؤلاء، ولا أن يلخصهم، بل يستخدمهم بوصفهم محطات في رحلة أكبر؛ رحلة تبحث عن المكان الذي تلتقي فيه الأعصاب مع الشعر، والعلم مع الأسطورة، والبيولوجيا مع السياسة، والفرد مع الحضارة.

 

اقرأ أيضاً:

 

       "السيدة.. تمرين على النجاة".. نبيل الملحم يكتب رسالته الأخيرة

                     "الجمهور القاتل".. ذاك الحشد الذي لايُرى

 

 

إنه كتاب لا يقتبس من العلماء ليمنح نفسه سلطة معرفية، بل يجعلهم جميعاً يتحاورون داخل نص واحد، وربما هنا تكمن فرادته الحقيقية، فالذاكرة عند المؤلف ليست ذاكرة الدماغ وحده:

ـ  إنها ذاكرة المدن، لذا ينتقل من الأهرامات إلى نوتردام، ومن الخرائب إلى المتاحف.

ـ وهي ذاكرة الفن، فيقرأ بيكاسو وميكيل انجيلو كما لو أنهما يكتبان التاريخ بالحجر واللون.

ـ وهي ذاكرة الأدب، لأن الروايات ليست سوى المستودعات الكبرى لتجارب البشر.

ـ وهي ذاكرة السياسة، لأن الدول تُبنى على ما تتذكره، كما تنهار بما تنساه.

 

 

بل إن الكتاب يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقترح فكرة تكاد تكون جديدة في الكتابة العربية:

ـ أن الحضارات نفسها تمتلك أوعية للذاكرة، وأن هذه الأوعية ليست مجرد وسائل للحفظ، وإنما أدوات للبقاء، ولهذا يصبح الحجر ذاكرة، والصورة ذاكرة، واللغة ذاكرة، والأغنية ذاكرة، والسينما ذاكرة، وحتى الطقوس اليومية تتحول إلى مستودعات صامتة للزمن.

 

 

ولا يتعامل الكتاب مع الذاكرة بوصفها فضيلة مطلقة، فهذه واحدة من أكثر الأفكار نضجاً فيه، فالنسيان ليس دائماً عدواً، بل قد يكون، في لحظات كثيرة، أعظم اختراع بيولوجي أنقذ الإنسان من الجنون:

ـ كيف يمكن لإنسان أن يعيش إذا لم ينسَ؟

ـ وكيف يستطيع أن يحب مرة أخرى إذا بقيت كل الخيبات حاضرة بالقوة نفسها؟

ـ ومن الجهة الأخرى، كيف يستطيع أن يبقى إنساناً إذا نسي كل شيء؟

 

 

بين هذين الحدين يتحرك الكتاب، رافضاً الثنائية الساذجة التي تجعل الذاكرة خيراً مطلقاً، والنسيان شراً مطلقاً، أما اللغة، فهي ربما أكثر ما يمنح هذا العمل شخصيته الخاصة، إنها ليست لغة الباحث الذي يخشى الاستعارة، وليست لغة الشاعر الذي يخشى الدقة، بل لغة تمشي على الحد الفاصل بين الاثنين:

ـ لغة تعرف متى تكون الفكرة أهم من الصورة، ومتى تصبح الصورة أقدر على حمل الفكرة.

 

 

ولهذا يستطيع القارئ أن ينتقل من فقرة تناقش أحدث أبحاث الأعصاب إلى فقرة تستحضر دوستويفسكي أو ماركيز أو لوحة تشكيلية، دون أن يشعر بانقطاع في الإيقاع، إنها كتابة تؤمن أن المعرفة لا تصبح معرفة حقيقية إلا إذا امتلكت جمالها، لكن ربما تكمن أهمية الكتاب الكبرى في توقيته، فنحن نعيش عصراً لم تعد فيه الذاكرة شأناً إنسانياً خالصاً، الهواتف تتذكر بدلاً منا، الحواسيب تحفظ ما ننساه، والإنسان يتنازل كل يوم عن جزء جديد من ذاكرته للأجهزة، من هنا يكتسب هذا الكتاب بعداً يتجاوز التأمل الفلسفي، إنه يطرح سؤالاً حضارياً عميقاً:

ـ ماذا يبقى من الإنسان إذا خرجت ذاكرته من داخله؟ هل يصبح أكثر حرية؟ أم أكثر هشاشة؟ وهل يمكن أن تنتقل الذاكرة إلى الآلة، بينما يبقى المعنى حكراً على الإنسان؟

 

ليس من السهل تصنيف هذا الكتاب، فهو ليس كتاباً في علم الأعصاب، ولا في الفلسفة، ولا في النقد الثقافي، ولا في الأدب،  إنه يقيم في المنطقة التي نادراً ما تقيم فيها الكتب العربية؛ المنطقة التي تصبح فيها المعرفة مشروعاً إنسانياً واحداً، مهما اختلفت مصادرها، ولهذا فإن قارئه لن يغلق صفحاته وقد حفظ معلومات جديدة فقط، وإنما سيخرج وهو يعيد التفكير في طفولته، وفي بيته الأول، وفي المدن التي أحبها، وفي الكتب التي غيّرته، وفي الوجوه التي لم تغادره رغم مرور السنين، وسيكتشف، ربما للمرة الأولى، أن الإنسان لا يخاف الموت لأنه يفقد الحياة، بل لأنه يخشى أن يفقد ذاكرته قبل أن يفقد حياته.

 

 

إن «أوعية الذاكرة» ليس كتاباً عن الماضي، بل عن الشرط الذي يجعل للماضي، وللحاضر، وللمستقبل، أي معنى، إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الحضارات لا تبدأ حين تبني الجدران، وإنما حين تجد ما يستحق أن تتذكره، وأن الإنسان، منذ خرج من الكهف وحتى عصرنا، لم يكن يفعل شيئاً أكثر أهمية من اختراع أوعية جديدة لذاكرته... لأنه كان، في الحقيقة، يخترع وسائل جديدة للنجاة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard