info@suwar-magazine.org

سوريا لا تُبنى بالانتقام، اللامركزية طريق العدالة

سوريا لا تُبنى بالانتقام، اللامركزية طريق العدالة
Whatsapp
Facebook Share

 

 

حين تطلب السلطة المؤقتة من السوريين الثقة بالقانون، فيما ما زالت جرائم القتل على الهوية والخطف والانتهاكات والاعتداء على دور العبادة تمرّ وسط غموض ومساءلة محدودة، فإن السؤال المشروع هو، أي قانون نتحدث عنه، ومن يضمن ألا تتحول السلطة الجديدة إلى نسخة أخرى من السلطة التي ثار السوريون عليها؟

 

 

جريمة مقتل سيبان حسو كرمي، العسكري في لواء الحسكة، بهذه الطريقة الوحشية والانتقامية، ليست جريمة عابرة ولا شأناً عائلياً يمكن إغلاقه بتعزية أو بيان. إنها اختبار حقيقي للسلطة المؤقتة، هل تستطيع كشف الحقيقة ومحاسبة القتلة والمحرضين والمتسترين عليهم، أم أن النفوذ والسلاح والحسابات السياسية والعشائرية ستبقى أقوى من القضاء؟

 

 

أتقدم بخالص العزاء إلى عائلة المغدور وذويه، وأؤكد أن حقه في العدالة ، كما أن حق أي سوري في الحياة والكرامة والأمان لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بهويته القومية أو الدينية أو السياسية.

 

 

لكن لا يمكن فصل هذه الجريمة عن المشهد الأوسع. فقد شهدت سوريا مجازر وعمليات قتل على خلفيات هوياتية طالت العلويين والدروز وغيرهم، إلى جانب الخطف والاعتداءات على دور العبادة وتقييد الحريات الشخصية والعامة. وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من محاولة فرض نمط اجتماعي أو ديني واحد على مجتمع سوري متنوع.

 

 

وهنا تكمن المشكلة، لا يمكن بناء سوريا بعقلية السلطة المركزية التي تحتكر القرار والأمن والموارد وتطلب من الجميع الطاعة، ثم تسمي ذلك استقراراً.

 

اقرأ أيضاً:

     

             قسد والإدارة الذاتية والدعم الدولي، بين الفرص الضائعة

           من يزرع الكراهية بين السوريين… ومن يصنع الخطر الحقيقي؟

       

 

سوريا بلد متنوع، وما أثبتته سنوات الحرب هو أن المركزية المفرطة لم تنتج دولة قوية، بل أنتجت تهميشاً وصراعات وانقسامات وانفجارات متكررة. ولذلك فإن الخروج من هذه الدائرة يتطلب عقداً وطنياً جديداً يقوم على دولة سورية موحدة، ذات سيادة، ونظام حكم لا مركزي ديمقراطي، يمنح المناطق والمجتمعات المحلية صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها، مع ضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين في إطار الدستور والقانون.

 

 

اللامركزية ليست تقسيماً لسوريا، كما يحاول البعض تصويرها، بل يمكن أن تكون وسيلة لحماية وحدتها، لأنها تنقل جزءاً من القرار إلى الناس في مناطقهم، وتحد من احتكار المركز للسلطة، وتتيح إدارة التنوع بدل محاولة إلغائه أو إخضاعه.

 

 

ولا معنى لأي حديث عن دولة قانون إذا بقي المواطن خائفاً من السلطة المركزية أو من الجماعات المسلحة، ولا معنى للسلم الأهلي إذا كانت العدالة انتقائية، ولا معنى للوحدة الوطنية إذا فُرضت من فوق بدل أن تُبنى على الشراكة والاعتراف بالتنوع.

 

 

المطلوب اليوم ليس بيانات جديدة، بل أفعال واضحة، تحقيق مستقل في جريمة سيبان حسو كرمي، ومحاسبة جميع المتورطين، وفتح ملفات الانتهاكات كافة دون استثناء، وحماية الحريات، وضبط السلاح، وإخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية للقانون، وبناء قضاء مستقل لا يخضع للسياسة أو النفوذ.

 

 

والأهم أن تدرك السلطة المؤقتة أن سوريا لا يمكن أن تُدار بعقلية "المركز يعرف كل شيء والمجتمع ينفذ". زمن الوصاية انتهى، وأي مشروع سياسي يتجاهل تعدد السوريين وحقوق مناطقهم ومجتمعاتهم محكوم عليه بإعادة إنتاج الصراع.

 

 

نريد سوريا واحدة، لا سوريا موحّدة بالقوة، دولة لا مركزية ديمقراطية، لا سلطة مركزية متغولة، قانوناً يحمي الجميع، لا قانوناً يُستخدم ضد البعض ويُعطّل لحماية البعض الآخر.

 

 

فلا عدالة انتقائية، ولا استقرار بلا محاسبة، ولا وحدة وطنية بلا شراكة، ولا مستقبل لسوريا إذا بقيت السلطة فوق المجتمع والقانون.

 

إن سوريا التي تستحق أن تُبنى بعد كل هذا الدم هي سوريا المواطنة، والعدالة، والحريات، والشراكة، واللامركزية الديمقراطية، سوريا يكون فيها المركز جزءاً من الدولة، لا الدولة كلها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard