info@suwar-magazine.org

الطاعة.. من «أتابويركا» إلى الجثة الأخيرة

الطاعة.. من «أتابويركا» إلى الجثة الأخيرة
Whatsapp
Facebook Share

 

كتاب جديد للروائي "نبيل الملحم"، كتاب يحاول أن يسأل: كيف تبدأ الضربة، وكيف يتحول الأمر إلى طاعة، والطاعة إلى جماعة، والجماعة إلى حرب؟

 

ثمة كتب تبدأ من فكرة، وثمة كتب تبدأ من جرح، ولكنه كتاب يبدأ من "جثة"، جثة بعيدة موغلة في الزمن، ظلت آلاف السنين تحت الأرض في "أتابويركا" الإسبانية، صامتة تماماً، إلى أن جاء إنسان آخر، بعد زمن لايكاد العقل يستوعبه، وانحنى فوقها وسأل:

ـ ماذا حدث؟

ربما لا يوجد سؤال أكثر بدائية، ولا أكثر حداثة، من هذا السؤال:

ـ ماذا حدث؟

 

كيف انتهى إنسان إلى الأرض؟ من ضربه؟ ولماذا؟ وهل بدأت الحكاية بالضربة، أم بدأت قبلها بكثير، بدأت في الأمر، وفي الخوف، وفي الجماعة التي تجعل الفرد يفعل ما لم يكن ليفعله وحيداً، لأنه "مطيع"؟

 

من هنا يدخل كتاب "الطاعة" إلى واحدة من أكثر المناطق ظلمة في التجربة الإنسانية: المنطقة التي تفصل بين الإرادة والفعل، وبين الأمر والطاعة، وبين الفرد والجماعة، وبين الطاعة والعنف.

 

الكتاب لا يتعامل مع العنف باعتباره انفجاراً مفاجئاً، ولا مع الحرب باعتبارها حادثاً يقع حين تفشل السياسة، إنه يحاول العودة خطوة إلى الوراء، إلى اللحظة التي لم يكن فيها القتل قد أصبح حرباً بعد، وإلى اللحظة التي لم تكن فيها الطاعة قد أصبحت نظاماً، هناك في تلك المسافة، بين أن يُقال للإنسان "إفعل"، وأن "يفعل"، من هذه المسافة يبدأ الكتاب.

 

ـ إفعل.

الإنسان لا يقتل دائماً لأنه يريد أن يقتل، أحياناً يقتل لأنه أُمر بأن يقتل، وأحياناً لأنه خاف، وأحياناً لأنه وجد الآخرين يقتلون، فصار القتل فعلاً جماعياً، ثم واجباً، ثم فضيلة، وفي لحظة ما، يصبح السؤال الأخطر ليس:

: لماذا يقتل الإنسان؟ وإنما

 ـ كيف يفقد الإنسان قدرته على قول "لا"؟

وهنا تكمن مغامرة الكتاب

فـ"الطاعة" ليست دراسة في علم النفس وحده، ولا في السياسة وحدها، ولا في تاريخ الحروب وحده، إنها محاولة لقراءة الإنسان من خلال واحدة من أكثر قدراته التباساً:

 

 ـ قدرته على الامتثال.

فالطاعة، في صورتها الأولى، ضرورة للحياة، الطفل يتعلم من الطاعة، والجماعة تحتاج إلى قدر من التنظيم، والمجتمع لا يمكن أن يعيش بلا قواعد، لكن الطاعة التي تحمي الحياة يمكن أن تنقلب، في لحظة ما، إلى أداة لتدميرها، وهنا يبدأ التحول.. الأمر يصبح فعلاً، والفعل يصبح عادة، والعادة تصبح نظاماً، والنظام يصبح جماعة، والجماعة تصبح قوة، والقوة تحتاج إلى عدو، والعدو يحتاج إلى جريمة، والجريمة تحتاج إلى من ينفذها، وحين يصل الإنسان إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال عن القاتل وحده كافياً:

ـ من الذي أعطى الأمر؟ من الذي نفذ؟ من الذي صمت؟ من الذي شاهد؟ ومن الذي قال:

ـ لم أكن أملك إلا أن أطيع؟

 

اقرأ أيضاً:

 

          أوعية الذاكرة.. من الثور الذي نجا، إلى كل من نجا من النسيان

                     "الجمهور القاتل".. ذاك الحشد الذي لايُرى

 

 

في هذا المعنى، يذهب الكتاب إلى ما هو أبعد من صورة الطاغية بوصفه فرداً يملك السلطة، إنه يبحث في البنية الإنسانية التي تجعل الطغيان ممكناً؛ في الخوف الذي يسبق الطاعة، وفي الحاجة إلى الانتماء، وفي الجماعة حين تتحول من مساحة للحماية إلى مساحة لإلغاء الفرد، ولذلك فإن كتاب "الطاعة" لا يضع الجلاد وحده في قفص الاتهام، إنه يضع أمام القارئ الصورة أيضاً، فالطغيان لا يعيش بالسلاح وحده، والحرب لا تُصنع بالجنرالات وحدهم، والمجازر لا ينفذها شخص واحد.. ثمة سلسلة طويلة من الأيدي، بعضها يصدر الأمر، وبعضها ينفذه، وبعضها يبرره، وبعضها يصمت أمامه، وبعضها يصفق له، وهكذا يصبح السؤال عن الجثة سؤالاً عن الأحياء، فالجثة لا تستطيع الكلام، لكنها تترك وراءها سؤالاً لا يموت، وهذا ما يجعل أتابويركا أكثر من مجرد موقع أثري في الكتاب، إنها عتبة رمزية يعود عندها المؤلف إلى أول أثر للعنف، إلى ذلك الإنسان الذي سقط تحت ضربة، ثم يعبر من الجثة الأولى إلى الجثث التي ملأت التاريخ، جثث الحروب والثورات والمجازر والسجون، وصولاً إلى عالمنا الذي ما زال الإنسان فيه قادراً على قتل الإنسان، لا لأنه يملك دائماً سبباً للقتل، بل لأنه يستطيع أن يجد مبرراً للطاعة، ومن هنا يأتي عنوان الكتاب الفرعي:

 

ـ "من أتابويركا إلى الجثة الأخيرة".

 

إنها رحلة ليست بين زمنين، بل بين احتمالين:

ـ احتمال أن يتعلم الإنسان من جثته الأولى، واحتمال أن يواصل صناعة الجثث حتى آخر إنسان.

 

لعل أكثر ما يلح عليه الكتاب هو أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود من يأمر، وإنما في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان القدرة الداخلية على رفض الأمر.

 

ذلك أن كلمة  "لا"، تبدو بسيطة، لكنها في تاريخ الإنسان ربما كانت واحدة من أعظم أدوات مقاومة العنف، "لا" للجماعة حين تطلب من الفرد أن يتخلى عن ضميره، "لا" للطاغية حين يحاول أن يجعل الطاعة بديلاً عن الإرادة، "لا" للحرب حين تتحول إلى عادة، و"لا" للقتل حين يحاول الجميع أن يجعلوه أمراً طبيعياً،  لهذا لا ينتهي الكتاب عند الجثة، لكنه يعود منها إلى الإنسان، فالغاية ليست أن نعرف عدد الذين ماتوا، ولا أن نضيف أسماء جديدة إلى قائمة ضحايا التاريخ، وإنما أن نفهم كيف تبدأ الجثة الأولى، وكيف تبدأ الضربة؟ كيف تتحول الضربة إلى أمر؟ كيف يتحول الأمر إلى طاعة؟ كيف تتحول الطاعة إلى جماعة؟ كيف تتحول الجماعة إلى حرب؟ وكيف يتحول الموت، في النهاية، إلى شيء عادي؟

 

 

ذلك هو السؤال الذي يضعه الكتاب أمام القارئ، وربما أمام الإنسان كله:

ـ هل ما زلت أستطيع أن أقول لا؟

إذا كان الجواب نعم، فثمة شيء لم يمت بعد، أما إذا ماتت هذه القدرة، فإن الجثة القادمة لن تحتاج إلى آلاف السنين كي تنتظر من ينحني فوقها ويسأل: ماذا حدث؟

ستكون قريبة، قريبة جداً، مثل الجثة الأولى التي عرفها الإنسان، مثل جثة أتابويركا.

 

 

يجري حالياً، الاستعداد لإصدار الكتاب بنسخته الورقية، وهاهي نسخته الالكترونية باتت متوفرة للقارئ، ليكون الكتاب إضافة جديدة إلى المشروع الذي ينشغل فيه نبيل الملحم وهو يتتبع العلاقة بين الإنسان والعنف، وكان تعبيره الأول عبر كتاب "الجمهور القاتل" ومن بعده كتاب "الطاعة"، وكلا الكتابين يبحثان عن المسافة ما بين الإرادة والطاعة، وبين الفرد والجماعة، في محاولة للاقتراب من السؤال الذي لا يكف التاريخ عن طرحه علينا:

ـ كيف يصبح الإنسان مطيعاً إلى الحد الذي ينسى معه أنه كان يستطيع أن يقول: لا؟

 

 

 

ولأن الكتاب الذي ينشغل بالطاعة لا يستطيع أن يكتفي بالكلمات، كان لا بد أن يكون له غلاف يواصل ما تقوله الصفحات، وربما يقول ما تعجز الكلمات عن قوله، وهكذا كان غلاف الكتاب بريشة الفنان الكردي لقمان أحمد، في لوحة اختار لها الحصان موضوعاً، وليس اختيار الحصان هنا اختياراً جمالياً عابراً، فالحصان، منذ أن دخل الإنسان في علاقته به، ظل واحداً من أكثر الكائنات التي تختصر المفارقة الإنسانية:

 

 

ـ قوة هائلة يمكن أن تكون طليقة، لكنها يمكن أيضاً أن تتعلم الطاعة

في الحصان شيء من الجموح، شيء من القوة التي لا تحتاج إلى تفسير، وفيه، في الوقت نفسه، قابلية لأن يقوده الإنسان بحبل رفيع، ولعل الكتاب كله يقيم في هذه المسافة، المسافة بين القوة والامتثال، بين أن يكون للكائن جسد قادر على الاندفاع، وأن يتعلم أن يتوقف، بين الإرادة والأمر، بين الجموح والإذعان، لهذا تبدو لوحة لقمان أحمد وكأنها لا تزيّن الكتاب من الخارج، بل تدخل معه إلى جوهره.. إنها تمنح فكرة الطاعة جسداً آخر، غير الجسد البشري، وتضع القارئ أمام سؤال ربما يكون أكثر قسوة من السؤال المباشر:

 

 ـ متى تتحول القوة إلى طاقة قابلة للقيادة؟

 

الحصان لا يحتاج إلى أن يكون رمزاً سياسياً حتى يصبح كذلك، يكفي أن نتذكر كم رافق الإنسان في الحروب، وكم حمل على ظهره جنوداً وفرساناً، وكم اندفع إلى المعركة بأمر إنسان آخر.. كان قوياً بما يكفي ليحمل الإنسان، لكنه كان مطيعاً بما يكفي ليحمل حربه أيضاً، وهنا تكتسب اللوحة قيمتها، فالحصان يمكن أن يكون صورة للطاقة حين تدخل في نظام الطاعة؛ للطبيعة حين تُروّض، وللقوة حين تجد من يقودها، وللجسد حين يصبح أداة في يد إرادة ليست إرادته، لكن ثمة قراءة أخرى أكثر إنسانية:

ـ ربما لا يرسم لقمان أحمد حصاناً مطيعاً بقدر ما يرسم كائناً يحتفظ، تحت الطاعة، بإمكان الجموح.

 

وهذا بالضبط ما يبحث عنه الكتاب، فإذا كانت الطاعة قد صنعت كثيراً من المآسي، فإن الخلاص منها لا يبدأ بالضرورة من القوة، بل من استعادة الإرادة؛ من تلك اللحظة الصغيرة التي يستطيع فيها الكائن أن يتوقف، وأن يرفع رأسه، وأن يسأل:

ـ لماذا؟

 

ومن هنا تبدو اللوحة وكأنها تستكمل السؤال الأخير في الكتاب:

ـ هل ما زلت أستطيع أن أقول لا؟

الحصان على الغلاف لا يجيب، وهذه ربما إحدى أجمل وظائف الفن:

ـ ألا يقدم الإجابة، وإنما أن يترك السؤال حياً.

لذلك فإن لوحة لقمان أحمد ليست غلافاً للكتاب بالمعنى التقليدي، بل هي جزء من الكتاب نفسه؛ إضافة بصرية تغنيه، وتفتح له ممراً آخر إلى القارئ، وتمنح فكرة الطاعة صورة لا تحتاج إلى شرح طويل.

 

بين جثة أتابويركا في أعماق الأرض، والحصان على الغلاف، تمتد مسافة هائلة من التاريخ، هناك، تحت التراب، جسد إنسان تلقى ضربة، وهنا، على الغلاف، جسد كائن قوي ينتظر أن نعرف:

ـ هل يقوده الإنسان، أم يستطيع أن يختار الطريق؟

وبين الجثة والحصان، ربما يختبئ السؤال الحقيقي للكتاب كله:

ـ ماذا يحدث للقوة حين تتعلم الطاعة؟

 

*مجلة صور، احتفظت بالنسخة الالكترونية للكتاب، لتكون من حق قرائها، بوسع أصدقاء "صور" وقرائها قراءة الكتاب من موقعها الالكتروني، على الرابط "هنا ".

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard