حين تُختزل الدولة إلى غنيمة

لم يعد ما تمارسه سلطة أحمد الشرع في سوريا مجرد خلل في الإدارة أو انحراف في السياسات، بل بات مساراً واضحاً لتفكيك ما تبقّى من فكرة الدولة ذاتها. نحن أمام عملية إحلال ممنهجة، يُستبدل فيها مفهوم الدولة بمنطق الولاء الأيديولوجي، فتُفرَّغ المؤسسات من معناها، وتتحول إلى أدوات طيّعة في يد سلطة لا ترى في البلاد سوى مساحة نفوذ، ولا في المجتمع سوى جمهور يُدار بالخداع ويُعامَل ككتلة منزوعة الإرادة.
المفارقة أن النظام الأسدي، على الرغم من كل ما ارتكبه من عنف وإجرام، حافظ على حدٍّ أدنى من الشكل المؤسسي؛ قوانين ومراسيم وأطر شكلية أبقت على مظهر الدولة، حتى وإن كانت خاوية من مضمونها. أما اليوم، فقد سقط حتى هذا الحد الأدنى. تُتخذ القرارات بلا مرجعية، وتُدار الموارد كما لو كانت ملكية خاصة، وتُختزل الدولة إلى نزوة أو فتوى. لم تعد سوريا أمام سلطة تستبدّ ضمن نظام، بل أمام سلطة تُلغي فكرة النظام نفسها.
وإذا كان النظام السابق، رغم طغيانه، قد أدرك أن استمراره يتطلب قدراً من الخبرة الإدارية والتقنية، فإن المنظومة القائمة تسير في الاتجاه المعاكس تماماً؛ إذ يجري تحويل الجهل إلى قاعدة، وتُمنح مواقع القرار لمن لم يُعَدّ لها، ولا يمتلك أدواتها. هنا لا يعود الأمر مقتصراً على سوء إدارة، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ العجز بوصفه حالة عامة. وهكذا، انتقلت سوريا من دمار صنعته البراميل والسوخوي، إلى شلل تصنعه العطالة، حيث تُعلَّق حياة الناس بانتظار "تكليف" لا يصدر عن مؤسسات دولة، بل عن الجهات التي وضعت هذه المنظومة في موقعها أصلاً.
اقرأ أيضاً:
الدور الوظيفي للسلطة السورية في معادلات الصراع الجديدة بالشرق الأوسط
وفي هذا السياق، يُروَّج لفكرة أن غياب الشرع (الجولاني) سيكون كارثة على سوريا، بينما تشير الوقائع إلى أن استمراره هو الكارثة بحد ذاتها؛ فوجوده لا يوقف الانهيار، بل يؤجله ويعيد إنتاج شروطه. أما من يحيط به، فليسوا بديلاً حقيقياً، بل امتداداً للحالة نفسها؛ لم يصلوا بما يمتلكون، بل بما مُنح لهم. لذلك، لا يبدو الرهان على تغيير هذه السلطة من داخلها رهانا جدياً؛ فما يقوم على هذا النحو لا يُصلح بتبديل الوجوه أو تخفيف الخطاب، بل بتفكيك المسار الذي أنتجه من أساسه، واستعادة معنى الدولة بوصفها قيمة عامة، لا غنيمة.
سوريا اليوم ليست فقط مدمَّرة بما مضى، بل معطَّلة بما هو قائم. وبين عنفٍ دمّرها وفراغٍ يشلّها، تبدو الحقيقة أبسط مما يُراد لها أن تكون: لا يمكن أن تقوم دولة في ظل منظومة تنفيها.
وفي النهاية، وحتى لا يُختزل هذا الكلام في إطار التنظير، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ما المخرج لبلد مدمّر ومُعطَّل؟ وبأي آليات يمكن استعادة مسار الدولة؟
الواقع أن المسألة لم تكن داخلية بحتة يوماً؛ فمن أبقى النظام لعقود، ثم تخلّى عنه حين استُهلك، هو نفسه من فتح المجال أمام صيغ بديلة لا تقل اختلالاً، متجاوزاً أي مسار سياسي جدي، وضارباً بالقرار 2254 عرض الحائط، ومعطّلاً إمكانية تشكّل جسم سياسي سوري جامع قادر على إعادة البلاد إلى سكة الحياة، انسجاماً مع الحد الأدنى من المعايير الدولية وحقوق الإنسان.
وعليه، فإن أي حديث عن المستقبل لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير هذه المعادلات، بل على كسرها. الرهان الحقيقي ليس على تبدّل الوجوه، ولا على تبدّل الرعاة، بل على استعادة القرار السوري، وبناء دولة تستمد شرعيتها من مجتمعها، لا من توازنات .