سوريا، العالم يتغير.. ودمشق ما تزال تحكم بعقلية السلطة

خلال الأشهر الأخيرة، لم تعد المشكلة السورية تقتصر على العقوبات أو إعادة الإعمار أو العلاقات الدبلوماسية، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بطبيعة الدولة التي يريد المجتمع الدولي التعامل معها. فالنقاش لم يعد يدور حول من يسيطر على الأرض، بقدر ما يدور حول شكل الحكم، وطبيعة المؤسسات، وآليات توزيع السلطة، ومدى قدرة الدولة على تمثيل جميع السوريين.
لكن اللافت أن دمشق ما تزال تتعامل مع هذه المرحلة بعقلية تختلف عن طبيعة الأسئلة التي يطرحها العالم اليوم.
ففي الخارج، تقدم السلطة خطاباً يتحدث عن بناء دولة جديدة، والإصلاح، والشراكة، واحترام التنوع، والانفتاح على المجتمع الدولي. أما في الداخل، وبعد نحو سنة ونصف من توليها السلطة، فما تزال تدير مؤسسات الدولة بالأدوات ذاتها التي كرست الدولة بوصفها امتداداً للسلطة، لا باعتبار السلطة جزءاً من الدولة.
هنا تكمن أزمة الثقة
فالمجتمع الدولي لا يحاكم الحكومات على خطاباتها، بل على سياساتها. وما يثير التحفظ في كثير من العواصم ليس غياب التصريحات الإيجابية، وإنما غياب التحول الحقيقي في أسلوب الحكم والإدارة.
فعلى الرغم من الحديث المتكرر عن الإصلاح، ما تزال مركزية القرار هي القاعدة، وما تزال التعيينات في كثير من المواقع تخضع لمعايير الولاء والثقة أكثر مما تخضع لمعايير الكفاءة والخبرة. كما أن مؤسسات الدولة لم تتحول بعد إلى مؤسسات مستقلة تمتلك صلاحيات حقيقية، بل لا تزال تعمل، في كثير من الأحيان، بوصفها أدوات لتنفيذ القرار المركزي أكثر من كونها شريكاً في صنعه أو رقيباً عليه.
اقرأ أيضاً:
ويظهر ذلك بصورة أوضح في إدارة المحافظات. فبدلاً من الانتقال إلى إدارة محلية حديثة تمتلك صلاحيات فعلية، ما يزال نموذج الإدارة أقرب إلى نموذج "الوالي"، حيث يُنظر إلى المحافظ باعتباره ممثل السلطة المركزية، فيما تبقى معظم القرارات الأساسية محتكرة في دمشق. وبذلك تستمر الإدارة المحلية بوصفها امتداداً للمركز، لا مستوىً من مستويات الحكم يتمتع بالمسؤولية والمساءلة والاستقلال الإداري.
هذه الممارسات تتناقض مع الرسائل التي تُوجَّه إلى الخارج، وهو ما يفسر استمرار الحذر الغربي، وتعثر مسار التطبيع السياسي الكامل، واستمرار انفتاح عدد من الدول على قوى سورية أخرى، باعتبار أن مستقبل الاستقرار لن يُبنى فقط من خلال سلطة مركزية، بل عبر ترتيبات سياسية ومؤسساتية أكثر شمولاً وتوازناً.
لقد تغيرت أولويات المجتمع الدولي. فبعد سنوات كان السؤال فيها، من يسيطر على سوريا؟ أصبح السؤال اليوم، كيف ستُدار سوريا؟ ومن يشارك في إدارتها؟ وما الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج النموذج الذي ساهم في انفجار الأزمة منذ البداية؟
وهنا تبدو دمشق وكأنها ما تزال تقدم إجابات تنتمي إلى مرحلة مضت، بينما الأسئلة الدولية أصبحت مختلفة تماماً.
فالشرعية في الدولة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بالسيطرة على الأرض أو بالمؤسسات، بل بقدرة تلك المؤسسات على العمل باستقلالية، وخضوع الجميع لسيادة القانون، ووجود إدارة عامة تحظى بثقة المواطنين، لا بثقة السلطة فقط.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه دمشق اليوم ليس كيفية تثبيت السلطة، وإنما كيفية إقناع السوريين والعالم بأنها انتقلت فعلاً من إدارة السلطة إلى بناء الدولة.
وحتى الآن، لا تزال الفجوة بين الخطاب الخارجي والممارسة الداخلية تتسع أكثر مما تضيق، وهو ما قد يكون العقبة الأكبر أمام أي انفتاح سياسي أو اقتصادي حقيقي في المرحلة المقبلة.