لماذا وصلت السويداء إلى حافة القطيعة مع السلطة؟

كثُرٌ هم أبواق السلطة الذين يحاولون اختزال موقف السويداء بخلاف سياسي مع سلطة الجولاني. لكنهم يدركون تماماً بأن موقف الجبل الذي انجبل ترابه بدماء أبنائه، هو موقف الوجود وإرادة الحياة. موقف الكرامة بوجه طغيان وإرهاب جديد.
بالنسبة للسويداء، لم تكن المسألة في يوم من الأيام حدوداً على الخريطة، بل حدوداً في الكرامة. السويداء، التي رفضت الانفصال حين كان الانفصال مكافأة فرنسية، لا يُذكَر اليوم إلا حين يُستنزف منها كل ما يربطها بوطنٍ تخلّى عنها، وسلّمها لقتل دموي، وإقصاءٍ سياسي.
ليست السويداء من خرج على الجغرافيا، بل الجغرافيا السياسية هي التي خرجت عليها.
حين تقول السويداء لن نكون جزءاً من هذا القبح والإرهاب والإنكار، فهي لا تخلع انتماءها، بل تخلع الخنوع الذي ارتضاه كثيرون.
السويداء لا تهرب من الدولة، بل طالبت بها. طالبت بمؤسسات وسيادة قانون، وحكم مدني تعددي، وليس طغياناً جديداً. لكنها عندما وجدت أن مؤسسات الدولة عادت لتكون أداة للقتل والإقصاء، وتحولت إلى مكاسب يتم توزيعها على التابعين للجزار الجديد؛ اختارت وجودها الذي لا يُدار بمنطق المكرمات ولا يقايض بالمواطنة المشروطة بالولاء.
الافتراق بالنسبة للسويداء هو صرخة في وجه وطنٍ يُديره ارهابي متلون كملكية خاصة، لو اجتمعت أمم الأرض لتنظيف وجهه، لبقي قبيحاً. وصرخة بوجه من أيّده وعاونه وجهّز غزاته ليعيثوا في السويداء قتلاً وقبحاً.
من أراد أن يفهم السويداء، عليه مراجعة كرامته الإنسانية. وأن يضع نفسه مكان الإنسان الذي هتف لأخوته، فهاجموه وقتلوه ومثّلوا في جثته باسم الجهاد والوطنية. عليه مراجعة إنسانيته ليفهم أن صوت الكرامة حين يُجبَر على الصراخ خارج النظام، فالمشكلة ليست في الصوت، بل في النظام نفسه، فكيف إذا كان النظام ثلّة من السفاحين التكفيريين الإرهابيين؟؟!!
اقرأ أيضاً:
السويداء لم تخطئ في حساب الجغرافيا، ولم تتوهّم يومًا إمكانية اقتلاعها من موقعها، أو تحريك حدودها على رقعة الخرائط؛ فهي تعرف جيدًا أن الجغرافيا لا تتبدّل إلا بالزلازل... والزلازل لا تصنعها الطبيعة وحدها. لكن سلطة الإرهاب – بما فعلته من خيانة، وحصار، وترك متعمّد للموت كي يتسلّل إلى بيوت الجبل – ارتكبت زلزالًا أخلاقيًا عميقًا، لا يقلّ عنفًا عن الزلازل الجيولوجية. هزّت النفوس، وقلَبت المفاهيم، ونسفت ما تبقّى من ثقة وطنية كانت السويداء تقاتل للاحتفاظ بها في زمن الانهيار.
لم يسأل الذين يخوّنون السويداء برفع العلم الاسرائيلي على أرضها لمَ رُفع هذا العلم؟ فقط أطلقوا تهم الخيانة باتجاه أبنائها. لم يسألوا أنفسهم عمّا إذا كان الجبل حاول الاستعانة بمن اعتقد أنهم أخوة التراب، فوجدهم في صفوف قوافل الطغاة، ينهبون ويحرقون ويقتلون ويحرضون. لم يسألوا عن العلم التركي الذي كان يزّين صدور القتلة والمجرمين الذين هاجموا السويداء، ولم يسألوا عن رايات داعش والنصرة التي رُفعت على السيارات المتجهة نحو السويداء. لم يراجعوا أنفسهم عندما رفعوا العلم ذاته طلباً للمساعدة من نتنياهو عندما كانت براميل الأسد تنهمر فوق رؤوسهم. لكنهم سألوا ذلك السؤال، عندما تغيّر الجزار القديم، وصار الجزار الجديد واحداً يشبههم.
وفق منطق هؤلاء، فرفع العلم الاسرائيلي في السويداء هو خزيهم وعارهم، وليس خزياً وعاراً على أبناء السويداء أنفسهم. ففي لحظة الانهيار الأخلاقي الذي أصاب شريحة واسعة من السوريين، لم يوقف جحافل القتلة إلا اسرائيل، بينما كانت الدول العربية "الشقيقة" تدين الضحايا الأبرياء، وتدعم الإرهابي الذي تسيّد على أتباعه في القصر.
لذلك، و لبراءةٍ أمام الضمير وأمام التاريخ؛ ها نحن نذكّر، ولسنا نبررّ؛ بأن الوطن ليس تراباً، بل شعوراً بالانتماء. و لن تنتمي السويداء إلى قاتلها، أو مَن يحمل كل هذا الحقد عليها دون احتكام للضمير و الاخلاق.