info@suwar-magazine.org

الجبل: من بوابة توحيد سوريا إلى بوابة تطهيرها

الجبل: من بوابة توحيد سوريا إلى بوابة تطهيرها
Whatsapp
Facebook Share

 

قبل أكثر من قرن، كانت السويداء، مع سوريين آخرين، من القوى التي أسهمت في توحيد سوريا وبناء فكرتها الوطنية. قدّم الجبل تضحيات جساماً من أجل قيام الدولة السورية، ولم يسعَ يوماً إلى إقامة كيان درزي مستقل. غير أن بعض المتطاولين اليوم يحاولون عبثاً تشويه هذا التاريخ. فبينما يدّعي أتباع سلطة أحمد الشرع أنهم يمثلون الدولة السورية، فإنهم في الحقيقة المسؤولون عن تفكيكها وتمزيق نسيجها الوطني.

 

 

هؤلاء الذين يجهلون معنى الحضارة والإنسانية والقيم الأخلاقية التي تقوم عليها الدول، يزعمون أنهم يؤسسون للدولة السورية. وحين فشلوا في إخضاع الدروز بالقوة، راحوا يستخفون بخيار السويداء في تقرير مصيرها، مدّعين أنها لا تمتلك مقومات الدولة. يتجاهلون، عن عمد أو جهل، أن الإرادة السياسية والمجتمع المتماسك هما الركيزة الأعمق لبناء الدول، قبل الموارد والجغرافيا.

 

 

المشكلة بالنسبة لهؤلاء ليست في الموارد أو المساحة، بل في إرادة الحياة والبقاء التي يمتلكها الدروز. وهذه الإرادة تحديداً هي ما يرعب الطغاة وورثة الاستبداد ومستجدّيه. إن اختزال مفهوم الدولة بالثروة وحدها قراءة قاصرة للتاريخ السياسي؛ فالدول لم تُبنَ يوماً بالموارد فقط، بل بالإرادة السياسية، والقدرة على إنتاج الاستقرار، وامتلاك الشرعية المجتمعية.

 

 

ولعل أخطر الأزمات في الشرق الأوسط لم تنشأ من نقص الموارد، بل من فائض الأيديولوجيات المتطرفة والعنف. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل يمتلك الدروز نفطاً أو ثروات؟ بل: ما الذي دفعهم إلى اتخاذ قرار تقرير مصيرهم بأنفسهم؟ الجواب واضح: رفض الخضوع لإرهاب متجذّر في عقول مريضة لا تعترف بالاختلاف، ولا تعرف سوى الوحشية والإجرام.

اقرأ أيضاً:

 

      الدور الوظيفي للسلطة السورية في معادلات الصراع الجديدة بالشرق الأوسط

                  هل يعيد الملف السوري رسم حدود القانون الدولي؟  

 

 

إن نموذج تقرير المصير الذي ترفعه السويداء اليوم ليس شأناً طائفياً أو محلياً، بل هو مشروع حرية يمكن أن يصبح إطاراً لكل السوريين الأحرار، الذين يرفضون الخضوع لسلطة الإرهاب، أو العيش مذلولين تحت نير استبداد جديد.

 

 

إن الهجوم العنيف الذي تشنه سلطة دمشق على حق الدروز في تقرير مصيرهم يكشف عمق خوفها. فالشعوب التي تمتلك إرادة تنظيم نفسها سياسياً قادرة دائماً على خلق شروط بقائها. والتاريخ السياسي لا يُكتب بحجم الموارد، بل بقدرة المجتمعات على تحويل التحديات إلى بنية سياسية قابلة للحياة.

 

 

الخوف الحقيقي لدى هذه السلطة هو أن يتحول حق تقرير المصير الذي وُلد في السويداء إلى شرارة لثورة وطنية سورية جديدة، تصحح مسار التاريخ وتنهي طغمة الاستبداد الجديدة. فالدولة لا تُبنى بالثروات، بل بالعدالة. ولا تقوم على الموارد، بل على الشرعية. وشرعية هذه السلطة محصورة فقط بمن يشبهها من المتطرفين العطشى للدماء، فيما تغلي المجتمعات الواقعة تحت سيطرتها بالقمع والقتل اليومي.

 

 

 

لا تُقاس الدول دائماً بحجمها الجغرافي؛ ولكن أكثر بوظيفتها السياسية. وظيفة هذه السلطة اليوم واضحة: إعادة إنتاج الاستبداد، إبقاء النازحين تحت الخيام، ومقايضة خضوع المجتمع ببقاء قادة الاستبداد والقتل في السلطة.

 

 

لم تكن هذه السلطة يومًا حريصة على السويداء؛ وهجومها المستمر على حق أهلها في تقرير مصيرهم ليس إلا تعبيراً عن انهيار شرعيتها في الجبل؛ فشرعية الخوف والغلبة سقطت على أسواره. هؤلاء الناس لا يمنحوا شرعية لقاتل.

 

 

سيكون جبلهم، كما كان يوماً بوابة لتوحيد سوريا، بوابةً لتطهيرها أيضاً، تحت راية حق تقرير المصير؛ الراية التي سيرفعها كل الأحرار الذين يدركون أن كرامة الإنسان أثمن من الموارد، وأسمى من الجغرافيا.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard