هل يعيد الملف السوري رسم حدود القانون الدولي؟

يقف المجتمع الدولي اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه القانوني والسياسي. فما يجري في سوريا لا يمكن اختزاله في كونه تحولاً سياسياً محلياً أو تسوية ظرفية فرضتها موازين القوى، بل هو اختبار جوهري لمنظومة القانون الدولي المعاصر، وللأسس التي قامت عليها سياسات مكافحة الإرهاب منذ نهاية الحرب الباردة.
للمرة الأولى، نشهد تحوّل كيان مُدرج على لوائح الإرهاب الدولية إلى سلطة سياسية تمارس الحكم الفعلي، وتحصل تدريجياً على مظاهر اعتراف سياسي ودبلوماسي، دون المرور بأي مسار قانوني واضح لإعادة التأهيل أو التفكيك أو المساءلة. هذا التحول يضع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أمام مفارقة غير مسبوقة: كيف يمكن التوفيق بين نصوص قانونية تُجرّم هذا الكيان، وواقع سياسي يفرض التعامل معه باعتباره سلطة أمر واقع؟
لقد تأسس النظام القانوني الدولي الحديث على مبدأ مركزي مفاده أن الجماعات المصنّفة إرهابية تقع خارج دائرة الشرعية السياسية، ولا يجوز دمجها في منظومات الحكم أو منحها أي شكل من أشكال الاعتراف أو الحماية. غير أن ما حدث في سوريا قلب هذه القاعدة رأساً على عقب، إذ جرى الانتقال من منطق العزل والملاحقة إلى منطق التعويم والتطبيع، عبر تفاهمات جيوسياسية مصلحية، لا عبر مسار قانوني مؤسسي يضمن العدالة والمساءلة.
تكمن خطورة هذه السابقة في أنها تخلق فجوة معيارية عميقة بين القانون والواقع. فحين يفرض كيان مسلح سيطرته على إقليم وسكان ومؤسسات، يصبح تجاهله أو عزله أمراً غير عملي، وتغدو قنوات التواصل معه، المباشرة أو غير المباشرة، ضرورة تشغيلية لإدارة الملفات الإنسانية والأمنية والسياسية. وهنا، يجد النظام الدولي نفسه مضطراً للتكيّف مع منطق الأمر الواقع، حتى وإن كان ذلك على حساب قواعده المعلنة.
اقرأ أيضاً:
نظرياً، تلتزم أجهزة الأمم المتحدة بتنفيذ سياسات صارمة تقوم على العزل والمقاطعة والتجفيف المالي لكل كيان إرهابي. لكن عملياً، غابت هذه الأدوات إلى حد كبير عن الحالة السورية، ما أسّس لسابقة خطيرة قد تعيد صياغة مفهوم الشرعية السياسية في النظام الدولي، وتحوّل القوة المسلحة إلى طريق مشروع نحو الاعتراف.
هذا الواقع يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن للسيطرة الفعلية أن تسبق الاعتراف القانوني وتفرض عليه التكيّف لاحقاً؟ وإذا كان الجواب يميل اليوم إلى الإيجاب، فإن ذلك يعني أن النظام الدولي يتجه نحو شرعنة منطق القوة، وتآكل مكانة القانون بوصفه مرجعية ناظمة للعلاقات الدولية.
أمام هذا التحول، يصبح المجتمع الدولي مطالباً بإجراء مراجعة بنيوية شاملة لمنظومة مكافحة الإرهاب، ليس بهدف تبرير الواقع القائم، بل لفهم تناقضاته ومعالجة تداعياته. فالتعريفات الحالية للإرهاب، وقوائم التصنيف، ومعايير التعامل مع الكيانات المسلحة باتت عاجزة عن استيعاب التحولات الجارية دون الوقوع في ازدواجية المعايير.
وهنا يبرز خياران استراتيجيان:
الأول، التمسك الصارم بالإطار القانوني القائم، ورفض شرعنة كيان ارتبط اسمه بالعنف المنظم وارتكاب المجازر، والضغط باتجاه تفعيل قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2254، لإطلاق مسار سياسي حقيقي يعيد بناء السلطة في سوريا على أسس شرعية وتوافقية.
أما الثاني، فهو إعادة صياغة الأطر القانونية والمفاهيمية بما يسمح باستيعاب تحوّل الجماعات المسلحة إلى سلطات حاكمة، وهو خيار بالغ الخطورة، لأنه يفتح الباب أمام تقويض جوهري لمنظومة القانون الدولي، ويشجع فاعلين آخرين على سلوك الطريق ذاته.
في الحالتين، يبقى التزام المجتمع الدولي بحماية حقوق الشعوب والأقليات والمكونات التي ترفض الخضوع لحكم قائم على الإرهاب والعنف أمراً لا يقبل المساومة، كما يظل الاعتراف بحق هذه المكونات في تقرير مصيرها والدفاع عن وجودها شرطاً أخلاقياً وقانونياً لا غنى عنه.
خلاصة القول، إن ما يُحسم اليوم في سوريا لن يحدد مستقبل هذا البلد وحده، بل سيعيد رسم حدود الشرعية الدولية ذاتها. فإما أن ينتصر منطق القانون، أو يُكرّس منطق القوة بوصفه الطريق الأقصر نحو السلطة والاعتراف.