أن تصبح طائفتك ميزاناً تُقاس به المواقف في سوريا

يعزّ عليّ أن أسمع أو أقرأ عبارات من قبيل: "كنّا نحترمك، كنّا نراك مثقفاً وقدوة، لكن موقفك الأخير كشف لنا حقيقتك"؛ لأجد نفسي فجأة موصوفاً بالحاقد، والطائفي، والعميل، والانفصالي، والمندسّ، والسائر خلف عباءة شيخ. وكأنّ الاحترام في قاموسكم مشروط باتفاقي معكم، والكرامة مرهونة بانحيازي لطائفتكم، والحقّ لا يُرى إلا من زاويتكم.
كنتم تحترمونني حين وقفت مع الثورة، مع الحرية والكرامة، ضد الاستبداد والفساد والإجرام. حين دافعت عن المظلوم، والمعتقل، والمضطهد، رغم أنّه لم يكن من طائفتي ولا من أهلي، بل إنساناً سورياً يُقتل ويُشرّد ويُحاصر. يومها كنت في نظركم مثقفاً وقدوة، لأنّ موقفي انسجم مع مأساتكم.
لكن، حين اتخذتُ الموقف ذاته أخلاقياً وإنسانياً مع أناس تعرّضوا لما تعرّضتم له أنتم، غير أنّهم من أهلي هذه المرّة، سقطتُ فجأة من مقام الاحترام إلى قاع الاتهام. صرت طائفياً، وعميلاً، ومنفصلاً، ومخيّباً للآمال. أيّ منطق هذا؟ وأيّ عدالة؟ وأيّ أخلاق تُجزّأ على قياس الانتماء؟
لم أقف يوماً ضد نظام الأسد طلباً لرضاكم، ولا رغبة في مديحكم، بل انسجاما مع ضميري، وتربيتي، ومبادئي. وقفت ضد الظلم لأنّه ظلم، وضد الإجرام لأنّه إجرام، ودَفعتُ ثمن ذلك غالياً، رغم قربِي يومها من السلطة. واليوم، أقف ضد سلطة جديدة لا أراها سوى نسخة مشوّهة، رخيصة، وغبيّة عن منظومة الأسد الساقطة؛ لا أعاديها لانتمائها الديني المزعوم، بل لممارساتها، لمجازرها، لدمويتها، ولفسادها.
اقرأ أيضاً:
هذه السلطة تجاوزت الأسدية؛ فبينما كانت الأسدية استبداداً متوحشاً، جاءت الجولانية لتغوص في الطائفية، والتزييف، والبيع، والكذب، وتشويه الآخر، فقط من أجل البقاء في الكرسي. صادقت على كل جرائم الأسدية، وضربت بعرض الحائط كل مبادئ الثورة السورية وتضحيات أبنائها: فقرهم، مخيماتهم، غربتهم، خراب بلادهم، وانتهاك مؤسساتهم. زيفها في الداخل، ورخصها في الخارج، وانعدام شفافيتها، كلّها شواهد على أنها، في جوهرها، أسوأ حتى من الأسدية نفسها.
لم أتخذ موقفي هذا طلبا لرضا أحد، ولا طمعاً في قرب أحد، بل وفاءً لإنسانيتي وضميري. وحين تعرّض أناس غالون عليّ لخطر وجودي، لم أجد منكم اعترافاً، بل تبريراً للغزوة، وتسويغاً للإبادة. عندها أدركت أن رضاكم لا يُطلب، وأن خيبة أملكم لا تعنيني، وأن تقييمكم لا وزن له إن كان ميزانه الطائفة لا الحق.
لو كنتم حقاً أصحاب ضمير، لخاب ظنّكم بي لو لم أنصر أهلي في محنتهم، تماماً كما نصرتكم في محنتكم. لكنكم لا ترون إلا أنفسكم، ولا تعترفون إلا بمن يقف معكم، حتى لو كنتم معتدين، مخطئين، ظالمين. أما من يخالفكم، ولو كان مناصراً للحق، فمصيره التخوين والتشويه.
لقد بلغ اليأس بأولئك الذين وقفتُ إلى جانبهم حدّ المطالبة بالانفصال، لا حباً فيه ولا رغبة بتمزيق الوطن، بل هرباً من الإبادة. لم يختاروا إسرائيل حليفاً، لكنهم لم يجدوا غيرها ملاذاً لإنقاذ حياتهم، بعدما خذلهم كل من حسبوا أنفسهم عليه تاريخياً. لم يجدوا علماً يُرفع دفاعاً عنهم، ولا صوتاً يُنقذهم من الموت.
هذا كلّه لا يعنيكم. أنتم لا ترون إلا أنفسكم، ولا تفكرون إلا بمن يصفّق لكم، ولو كان مجرماً. ومن لا يفعل ذلك، يصبح في نظركم خائناً، طائفياً، وانفصالياً، شخصاً كنتم «مغشوشين» به.
أراكم عائدين يوماً "مُكوعين"، لا لصحوة ضمير، فأنتم بلا مبادئ، بل لضعف وعي، وفقر أخلاق، وانعدام أصالة. أنتم حالة تحكمها الغريزة، والسلاح، والانحدار القيمي والأخلاقي. اليوم ترفعون القائد إلى مرتبة الفاتح والملك والوالي، وغداً ستعودون إلى نعوته القديمة: الإرهابي، المجهول النسب، العميل الرخيص، المرتبط بإيران وروسيا والأسد وإسرائيل.
تلك هي مأساتكم الحقيقية: أنكم بلا معيار ثابت، ولا ميزان أخلاقي، ولا بوصلة إنسانية.