info@suwar-magazine.org

الدولة كواجهة… والتطرّف والعنف في العمق

الدولة كواجهة… والتطرّف والعنف في العمق
Whatsapp
Facebook Share

 

 

 

لم يعد الصراع في سوريا يدور حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يحتكر تعريف الدولة ومعناها. فالمشهد الراهن يكشف بوضوح أن ما يُسوَّق اليوم بوصفه "استعادة للسيادة" ليس سوى إعادة إنتاج منظّمة (للإرهاب)، هذه المرة تحت غطاء الدولة والمركزية، لا تحت راية العقيدة المتطرفة. إننا أمام انتقال في الخطاب لا في الجوهر، وتبدّل في اللغة لا في الأدوات.

 

 

في حسابات سلطة الشرع (الجولاني)، لا يمر طريق الاعتراف الأميركي عبر أنقرة، بل عبر تل أبيب التي أعادت، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، رسم قواعد الاشتباك وحدود النفوذ في المنطقة. ومن يفهم هذه المعادلة يدرك أن التنازلات الاستراتيجية التي قُدّمت في الجنوب السوري لم تكن استثناءً ولا اضطراراً، بل خياراً واعياً للاستثمار في شرعية خارجية تعوّض الغياب الكامل لأي سند ثوري أو قانوني أو شعبي حقيقي.

 

 

غير أن هذا الخيار اصطدم سريعاً بالسقف التركي. ليس لأن أنقرة تعارض التفاهم مع إسرائيل من حيث المبدأ، بل لأن (الجولاني) تجاوز الدور الوظيفي المرسوم له، وأظهر استعداداً مفتوحاً لتقديم كل شيء مقابل البقاء في السلطة. عندها، لم يعد صالحاً كأداة ضغط في ملف "قسد"، الذي يشكّل جوهر الهواجس الأمنية التركية، فانتقلت أنقرة إلى تفاهمات مباشرة مع إسرائيل، برعاية أميركية، حول خرائط النفوذ في شمال وشمال شرق سوريا. وما جرى ميدانياً لم يكن انتصاراً عسكرياً للجولاني، بل ترجمة لتسويات إقليمية هدفت إلى تقليص المجال السياسي والعسكري لقوات سوريا الديمقراطية.

 

 

لكن الأخطر من ذلك هو ما يجري على مستوى المفاهيم. فالسؤال اليوم لم يعد "من يحكم؟"، بل "أي دولة يُراد فرضها؟". نحن أمام مشروع يعيد تعريف الحكم والسيادة والمواطنة، عبر اختزال السياسة في وظيفة أمنية، وتحويل المواطنة إلى طاعة، واستبدال الشراكة الوطنية بإذابة قسرية للكيانات والمجتمعات المحلية ضمن منظومة استبدادية جديدة. منظومة لا تتخلى عن جوهرها الإجرامي، بل تغيّر قناعها فقط.

 

اقرأ أيضاً:

 

                         من المرحلة الانتقالية إلى الإخضاع القسري    

            من ثورة الكرامة إلى سلطة مفروضة… كيف سُرقت روح سوريا               

 

لقد تحوّلت "المركزية" في هذا السياق إلى أيديولوجيا بديلة للتطرّف الديني، تؤدي الوظيفة ذاتها بأدوات مختلفة. فالإخضاع القسري الذي كان يُمارس باسم "الدين" يُعاد إنتاجه اليوم باسم "الدولة"، والتكفير السياسي يحلّ محل التكفير العقائدي، والتجريم يحلّ محل الخلاف. الهدف واحد: تفكيك الخصوصيات، وتجريد المكونات من أدواتها السياسية، وإفراغ المجال العام من أي معنى للتعدد أو المنافسة.

 

 

ومن هنا يمكن فهم الخطاب الذي يروّجه أتباع الشررع (الجولاني)، حيث تُستعمل مفردات "الوحدة" و"السيادة" و"المؤسسات" بوصفها شعارات فارغة، فيما يكشف الواقع زيف هذه اللغة عبر ممارسات الإقصاء والقمع والإرهاب بحق كل من يطالب بدولة مدنية تعددية تحفظ الحقوق السياسية لجميع السوريين. فالدولة التي تبدأ بإلغاء التنوّع لا تنتهي إلا بإلغاء المجتمع نفسه.

 

 

 أما ما يحدث في شمال شرق سوريا، فهو التطبيق العملي لتفاهمات تقاسم النفوذ بين إسرائيل وتركيا، وفق خطوط حمراء واضحة. غير أن سلطة الشرع حاولت استثمار هذه التطورات سياسياً، وقدّمتها لجمهورها على أنها "نصر سيادي" وتحول استراتيجي، مرفقة بخطاب "توحيد البلاد" و"إنهاء الانفصال". وفي السياق نفسه، أُطلقت تهديدات تجاه السويداء، في محاولة لإخضاعها بالقوة تحت شعار "فرض السيادة"، وهو شعار لا يخفي حقيقة العجز عن امتلاك قرار وطني مستقل.

 

 

فالشرع لا يملك قراراً خارجياً، لكنه يسعى إلى تعويض ذلك عبر تعبئة داخلية قائمة على الوهم والتخويف، في محاولة للخروج من مأزق انكشاف وظيفته الإقليمية أمام حاضنته. غير أن الوقائع على الأرض تؤكد أن أدوات القمع لم تتغير، وأن الإرهاب لم يُستبدل بدولة، بل أُعيد تدويره داخلها.

 

 

إن مواجهة هذا المشروع لم تعد مسألة سياسية قابلة للتأجيل أو المساومة، بل تحوّلت إلى مسألة وجود. فحق تقرير المصير لم يعد شعاراً نظرياً، بل بات مرادفاً لبقاء الإنسان في أرضه، في مواجهة سلطة تسعى إلى محوه… باسم الدولة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard