من ثورة الكرامة إلى سلطة مفروضة… كيف سُرقت روح سوريا

بدأت الثورة في سوريا كفعل إيماني مرتبط بإرادة التحرر من طغيان الأسد وظلمه. بدأت كفعل مرتبط بوجود الإنسان وكرامته. وفي تلك الفترة، كنت أقف في قلب المعنى لا على هامشه، وفي ذروة النقاء الصادق لمواجهة منظومة استبداد مناهضة للكرامة الإنسانية؛ لم تترك وسيلة لم تلجأ إليها لإخضاع السوريين وقمع ثورتهم. لقد خرج السوريون الأحرار لأجل الحرية، وليس لاستبدال وصاية بأخرى، ولا من أجل أن يكونوا أدوات في صراع الآخرين على أرضهم ومواردهم. خرجوا بوجه نظام متوحش حاول بشتى الطرق تشويه ما صدحت به حناجر المقهورين والمعذبين.
في تلك الفترة، كان الفعل الثوري مرتبطاً بالتصدي لرموز نظام الأسد الذين روّجوا لسرديات المؤامرة الكونية والتعامل مع اسرائيل بهدف إسقاط الدولة وما إلى ذلك من سرديات متصلة بروح الاستبداد. كان الوقوف بوجه تلك السرديات إيماناً بفكرة الثورة نفسها، وليس دفاعاً عن فصائل أو بنادق. حيث بدا خطاب تلك الرموز محاولة وقحة لتجريد السوريين من حقهم الشرعي في الغضب والتخلّص من الظلم.
كتبتُ لأقول إن السوريين ليسوا مرتزقة، ولا أدوات، ولا دمى تُحرّك بالخيوط. نفيتُ عنهم العسكرة المقصودة، ونفيتُ عنهم الارتباط بأي جهة خارجية، لا لأن الواقع كان مثالياً، بل لأن الجوهر الأخلاقي للثورة كان مدنياً، ولأن الدفاع عن الكرامة لا يحتاج إذناً من أحد. كنتُ أكتب لأحمي المعنى من التشويه، ولأمنع الاستبداد من اختطاف الحقيقة.
اقرأ أيضاً:
الإعلام حين يختار ضحيته: قراءة في تقرير واشنطن بوست عن السويداء
لكن وللأسف، تكشّف لاحقاً أن الثورة بالنسبة للأحرار لم تكن بذات المفهوم الوجداني والأخلاقي بالنسبة لمن اعتادوا العبودية، فالعديد ممن ادعوا أنهم جزء من الثورة وأن غايتهم إنهاء حالة الاستبداد في سوريا كانوا على استعداد كامل للتعاون مع اسرائيل وغيرها، وليس لحماية المدنيين، ولا لدرء الكارثة، بل في إطار صفقات أمنية لا تصب سوى في مصلحتهم كوكلاء ومصلحة مشغلهم. أما الأشد فداحة لم يكن الارتباط الخارجي بحد ذاته، بل الدافع لذلك. لم يكن الهدف إسقاط الاستبداد لأنه استبداد، ولا الفساد لأنه فساد، بل إزاحة "العلوي" من السلطة لأنه علوي. هنا بالضبط سقطت كل الأقنعة، وتحوّل الخطاب من ثوري إلى طائفي، ومن تحرري إلى انتقامي، ومن مطالبة بالعدالة إلى إعادة إنتاج الظلم بأدوات جديدة.
سنة كاملة على سقوط الأسد، لم تشهد سوريا سوى تغيير في الأشخاص والرموز والخطابات، بينما بقي الاستبداد ذاته، لكن بأسماء جديدة: تنظيم كان مصنف على لوائح الارهاب استبدل الطغمة السابقة، وأثبت ما عجز عنه النظام طيلة 14 عاماً. هذا التنظيم شوّه معنى الحرية، وقتل الأبرياء، وأعاد إنتاج المنهج نفسه لنظام الأسد، مدعياً النزاهة وحرصه على وحدة الأراضي، بينما يواصل المجازر والانتهاكات بحق المدنيين.
السويداء مثال صارخ: فتحت بيوتها للهاربين من بطش النظام، ولم ترسل أبنائها إلى جيش الأسد، ودافعت عن وجودها ضد هجمة إبادة جماعية. ومع ذلك تتهم اليوم بالخيانة، بينما يتغاضى مؤيدو السلطة عن صفقات سرية وتحويل الجنوب إلى درع بشري لمصلحة إسرائيل، وعن إرتهان سلطتهم للبقاء في الكرسي.
هذا لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل انكشاف أخلاقي. انكشاف لمن كان هدفه التسلق على الثورة للوصول إلى السلطة، ولمن أراد استبدال طاغية بآخر. الثورة التي دافعت عنها كانت ثورة كرامة، لا محاور؛ فعل تحرر، لا تصفية حسابات طائفية. وما جرى وما يجري يفرض علينا واجباً واحداً: إعادة الاعتبار للحقيقة، وفصل الثورة الحقيقية عن من تاجروا بها وشوّهوا روحها وباعوا قيمها في أول سوق مصالح مفتوح.