الإعلام حين يختار ضحيته: قراءة في تقرير واشنطن بوست عن السويداء

في جوهره، تقرير الواشنطن بوست حول السويداء لا يقدم اكتشافاً استثنائياً بقدر ما يسلّط الضوء على مقطع واحد من مشهد سوري أشمل اختير بعناية، وأُخرج من سياقه العام، ثم تم تقديمه بوصفه الرواية المكتملة. فما يصفه التقرير "كوقائع" هو مسار عاشته السويداء بكل مكوناتها في لحظة انهيارالدولة، وملئ الفراغ السلطوي بتنظيم كان مصنفاً على لوائح الإرهاب العالمي، وانعدام الأمان الوجودي.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فيما قاله النص، بل فيما امتنع عن قوله؛ فالتجربة ذاتها، وبأشكالها المختلفة، سبقت الدروز بسنوات، وعاشها سوريون آخرون من مشارب متعددة وانتماءات مختلفة. عاشتها قوى من الثورة، وفصائل إسلامية وسلطات أمر واقع تلقّت الدعم الاسرائيلي أو الأجنبي عموماً؛ سواء أكان دعماً طبياً أو عسكرياً أو لوجستياً، وتحت العديد من الذرائع الإنسانية والأمنية والتكتيكية. ويومها؛ لم تُرفع رايات التخوين، ولم يتم استدعاء خطاب الطهارة الوطنية، ولم تُنصب محاكم الضمير.
الآن، يتحوّل هذا التقرير لأداة لإدانة الدروز وحدهم، وليس من قبيل الموقف الأخلاقي، بل من قبيل الانتقائية السياسية والخبث الملبّس بغطاء الوازع الوطني. فإن كان معيار الوطنية هو رفض أيّ تماسِ مع اسرائيل، فليطبَّق هذا المعيار بأثر رجعي وباتساق كامل؛ أما أن يتم استخراج مكون واحد من بين الركام السوري، ويتم تقديمه كبنية خيانة قائمة بذاتها، فذلك ليس من قبيل التعبيرعن الحرص على سوريا أبداً، بل رغبة واضحة في إعادة إنتاج الصراع داخلها؛ وإذا كان معيار الوطنية هو رفض التعامل مع أي بلد أجنبي، فليراجع العابرون في تاريخ سوريا ماضيهم كمرتزقة لدى الأتراك، وعمالة سيدهم للخارج مقابل الوصول للسلطة.
الأخطر من مضمون التقرير، هو الطريقة التي استُقبل بها، فحين يُحتفى به، ويتم تقديمه "كانتصار سردي" لتقديم المكوّن الدرزي كسبب رئيسي في عرقلة بناء الدولة السورية الجديدة؛ فهنا نكون أمام أزمة أخلاقية تعكس التغطية على سياق الأحداث التي شهدتها سوريا منذ وصول سلطة أحمد الشرع إلى الحكم عموماً والمجاز ر الدمو ية التي شهدتها السويداء على يد مرتزقة هذه السلطة على وجه الخصوص.
اقرأ أيضاً:
السويداء التي تخلّى عنها الجميع أمام هجمة بربرية وحشية، وتُرك أهلها في مواجهة قدرهم، تُناصَب العداء اليوم، وكأنها المسؤولة الوحيدة عن مشهد التفتت والدمار؛ فيما تعمل ماكينات التحريض الطائفية والإعلامية وجوقة أبواق سلطة في دمشق على إظهار هذه الأخيرة وكأنها محور الاستقرار والخير المنشود.
هل يتذكّر المحتفلون بهذا التقرير أن الاختراق الاسرائيلي للجغرافيا السورية تجاوز منذ زمن مساحة الجولان نفسها؟ وهل يتذكر هؤلاء أن اسرائيل لم تأخذ إذناً من الدروز لدخول الأراضي السورية يومياً وإنشاء القواعد العسكرية في الجنوب السوري؟ ربّما يتعامى هؤلاء، ووفق مصالحهم، عن ارتماء سيّدهم أمام اسرائيل لتحصيل رضاها، وتنازلاته أمامها لأجل البقاء في السلطة، فيخفضون أصواتهم ورؤوسهم أمامها، فيما يستأسدون على مكوّن اختار الوقوف عند وجوده وبقائه أمام إرهابهم وإجرامهم.
ليس خفيّاً على مطّلع أن اسرائيل لا تتحرك بوحي من طلب درزي أو استجابة لإرادة مكون سوري بعينه، فهي تاريخياً تتصرف بموجب استراتيجياتها الأمنية والجيوسياسية، ولا تنتظر الإذن من جماعة محلية لتتدخل. لم يكن الدروز من منحوا اسرائيل الذريعة للتدخل في الجنوب السوري، بل الهجمات البربرية الإرهابية والمجازر التي ارتكبتها سلطة الشرع التي تحكم باسم الدولة. تلك المجازر التي يحاول بعض المنتفعين والمعتاشين على فتات الجولاني تسويقها بوصفها "فخاً اسرائيلياً" نُصب لمنظومة الجولاني؛ لم تكن لتؤدي إلى شيء لو لم تجد فاعلاً مستعداً لارتكاب الجريمة.
السويداء قبل مجازر الإبادة الجماعية لم تكن تطالب بانفصال أو حكم ذاتي، ولم تكن تسعى لكسر الجغرافيا أو الخروج من العباءة السورية. بل كانت تطالب بالأمان والكرامة وبدولة مدنية جرى اختطافها كما جرى اختطاف الثورة السورية. لكن من يعتقد أن الإرهاب يمكن أن يبني دولة، فهو إما واهم أو شريك في الوهم، ولو لم تكن لدى سلطة الشرع نية مسبقة في الإخضاع القسري، ولو لم يكن العنف جزءاً بنيوياً من تكوينها السياسي والعقائدي، لما اندفعت إلى ارتكاب المجازر حتى لو كانت إسرائيل تنصب لها ألف فخّ في السويداء. الفخ لا يقتل أحداً بذاته؛ فالذي يقتل هو الاستعداد الداخلي للقتل. والذي يحوّل الاستفزاز إلى مجزرة هو عقل يرى في القوة وسيلة وحيدة للحكم.
لقد فعلوا ما فعلوه لأنهم "إرهابيون"، لا لأنهم خُدعوا. ولأنهم لا يعرفون من السياسة سوى القهر، ومن الدولة سوى الهيمنة، ومن الوحدة سوى الإخضاع. وبفعلهم هذا، لم يضعوا السويداء وحدها أمام خيار وجودي، بل وضعوا سوريا بأكملها أمام سؤال مصيري: أي دولة يمكن أن تُبنى على جماجم مواطنيها؟
وحين انكشفت المجازر، وسقطت كل الذرائع، ولم يعد بالإمكان إخفاء الدم ولا تبريره، وجدوا أنفسهم بلا حجة، وبلا قدرة على حجب النظر عن حقيقة واحدة: أنهم هم من قدّم الذريعة لإسرائيل، وأن سلوكهم هو ما فتح الباب للتدخّل، لا مواقف الضحايا. ولأنهم عاجزون عن مواجهة هذه الحقيقة، ولأنهم غير قادرين على الدفاع عن سجلّهم الدموي،يحاولون اليوم حرف البوصلة بدل أن تُوجَّه الأسئلة إلى سلطة الشرع ، تُوجَّه إلى السويداء؛ وبدل أن يُحاسَب القاتل، يُتَّهم الجريح؛ وبدل أن يُناقَش السلوك الإجرامي، تُصنَع رواية تقول إن الخيانة بحد ذاتها اسمها السويداء.
هذا الانقلاب في المنطق لن يصمد. فالتاريخ لا يُعاد كتابته بالشعارات، والدم لا يُمحى بالاتهام، والذريعة لا تُخفى بتخوين الضحية.أما السويداء، فهي اختارت مقاومة إرهاب السلاح وإرهاب الكلمة. اختارت مقاومة تحريض الدم وتحريض الخطاب. شأنها في ذلك شأن كل أبناء الأرض من السوريين الأحرار.