info@suwar-magazine.org

الشرع بين وهم الانتصار وحقيقة الدور المؤقّت

الشرع بين وهم الانتصار وحقيقة الدور المؤقّت
Whatsapp
Facebook Share

 

لم تكتفِ هيئة تحرير الشام  بسرقة ثورة السوريين، بل سرقت فرحهم في انهيار أكثر النظم وحشية في التاريخ الحديث. احتفل السوريين بالخلاص من كابوس القمع والاستبداد، وبرحيل منظومة إجرام لم تترك وسيلة لقمع الإنسان السوري إلا واستعملتها؛ لكن هناك مَن اعتقد أن فرح هذا الشعب المكلوم هو احتفاء به، وكأنه رمزٌ للانتصار.

 

 

اعتقدت هذه السلطة أن الظروف الراهنة تمنحها فرصة استثنائية لفرض نفسها على هذا البلد المحطم، متوهمة أن بلداً كسوريا، بحضارتها وشعبها المتنوع، قابلٌ لذات منطق الإخضاع والإجرام الذي مارسته حيث كانت قبل خروجها من جحرها بأوامر دولية .

 

 

يعتقد زعيم هذه المنظومة أن وجوده حيث هو الآن هو جزء من التحولات الإقليمية للمنطقة؛ وتوهّم أن ما تم في عشرة أيام هو الحسم والفتح والانتصار ضارباً بعرض الحائط تضحيات السوريين لأربع عشرة سنة وقبلها أربعة عقود من الأسدية؛ ولم يكن ما قام به بالحقيقة إلا جزءاً من معادلة دولية رأت أن نظام الأسد قد تحوّل إلى عبء على حُماته، ولم يعد ممكناً الإبقاء عليه.

 

 

لم يدرك الشرع (الجولاني) أن السماح له بالصعود السياسي لم يكن مكافأة على "إنجاز"، بل مهمة مرحلية مرتبطة بقرار إنهاء الخطر الإيراني وإعادة هندسة التوازنات في المنطقة بعد  السابع من أكتوبر2023  وهكذا بات يظن أن الجزرة التي تُمدّ له هي تفويضٌ بإخضاع السوريين مجدداً للإجرام والاستبداد، غير واعٍ أن دوره المؤقّت ليس سوى تمهيد لمشاريع جيوسياسية أعمق تستخدمه ثم تتجاوزه، وتتخلّى عنه عند أول منعطف.

 

اقرأ أيضاً:

 

                                   مظاهرات الشرع والشرعية

 

                بين الجولاني والأسد: سرديات متشابهة حول مكافحة الإرهاب

 

 

واهمٌ أيضاً مَن يعتقد أن الشرع قادر على خداع الأطراف الدولية التي تدعمه حالياً؛ فالبدلة الرسمية وربطة العنق ليست إشارة اعتدال، ومسرحيات "مكافحة الإرهاب" لن تقنع التحالف الدولي بأنه تخلّى عن رفاقه من إرهابي داعش؛ و وضع الحذاء أمام مسؤولي  تركيا  لن يغريهم بأنه سينفّذ مصالح أمنهم القومي؛ وبالطبع، لن ينفعه تودده لاسرائيل وخدماته لها بإقناع مسؤوليها بأنه ليس خطراً أيديولوجياً على أمنها؛ فهم أيضاً، لابد يدركون أن الأفعى وإن بدّلت جلدها ستبقى أفعى، وأن زعيم جبهة النصرة "التائب" يحضّر جيشاً من الإرهابيين ويغسل عقولهم لإعادة إذكاء الفوضى والدمار.

 

 

في الجانب السوري الذاتي والأهم، يُلحظ أن الوهم الذي يعيشه الشرع حالياً يغريه ليُنَصِّبَ نفسه خليفة، فيطلب الطاعة من السوريين. وبالطبع، لن تكون سلطة دموية داعشية تسعى لكرسي الحكم معنية بعذابات المهجرين في الخيام أو بالضحايا، أو بلملمة الشمل الوطني، أو بردع أتباعها من إجرام ممنهج وفساد ونهب وتحريض. إنها نموذج رديء مستنسخ من نظام الأسد، نموذج يقصي القانون، و يعتاش على القتل والتفرقة والارتهان. ولن تستطيع الماكينات الإعلامية المستأجرة أن تلمّعه أو تزيّنه.

 

 

وفي جانب التعامل كدولة، نلحظ إصرار الأطراف الدولية الفاعلة على رسم المشهد من منظور مصالحها الجيواستراتيجية، فيما تتم عرقلة تطبيق القانون الدولي  وتطبيق العدالة على مَن أجرم بحق السوريين؛ حيث سيكون لهذه المنهجية فاتورة كبيرة على السوريين الذين توهموا قدرتها على بناء دولة؛ لكن معايير الدولة الحقيقية المتمثلة  بالسيادة، والشعب، والإقليم واضحة، ولا يمكن التلاعب بها.

 

 فمن حيث "السيادة "، فقد استُبيحت من قِبل جيوشٍ أجنبية تتجول على الأرض بلا رادع، بينما يتنازل الشرع عنها طمعاً بالسلطة.

ومن حيث "الشعب"  فإن فئة كبيرة ذُبحت على يد قوات الشرع، وهي مستعدة لمقاومة إرهابه ولن تقبل به ممثلاً أو "حامياً" لها.

أمّا من حيث "الإقليم" فقد باتت الجغرافيا مفتتة نتيجة عمله الدؤوب على تمزيق الروابط بين السوريين وهويتهم الجامعة. فأين هي الدولة التي يتغنّى بها أبواق الجولاني! وأي دولة يمكن أن تُبنى على شعب ينوح، وسيادة مخترقة، وإقليم مشرذم.

 

 

ها هو القدر يكتب على سوريا و السوريين أن تستمر ثورتهم بوجه الإرهاب، بعد أن بدأت بوجه الطغيان والاستبداد.  لقد كتب القدر على أبناء الأرض أن يكون خيارهم المقاومة والتمسّك بالوجود أمام وحوش بشرية، وأمام مصالح دولية ضيقة تمنح السلطة جرعات استمرارية مؤقّتة، لكنها،ومهما حاولت، لن تستطيع تحويلها إلى سلطة وطنية موثوقة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard