info@suwar-magazine.org

مظاهرات الشرع والشرعية

مظاهرات الشرع والشرعية
Whatsapp
Facebook Share

 

السلطة التي تمتلك قدراً من اليقين الذاتي والثقة بشرعيتها، ليست مضطرة لأن تلجأ لاستدعاء أو حشد الشارع عبر دعوات ارتجالية للتظاهر. ما جرى ليس شيئاً جديداً، فقد اعتاد السوريون عليه أيام الأسد ونظامه البائد. ما جرى يكشف بوضوح وبدون حاجة لتأويل بأن من وجّه تلك الدعوات ليس قائداً، ولا يريد بناء دولة مؤسسات؛ إنه فقط متسلّط شعر باهتزاز كرسيه الذي أمضى سنة يقدم التنازلات لأجله، فلم يجد أمامه سوى الشارع كوسيلة لإثبات الوجود.

 

 

‏ما شهدناه هو إعادة السوريين إلى الحقبة ذاتها التي ثاروا عليها؛ حقبة الاصطفاف الإجباري؛ حقبة التعبئة القسرية والتلويح الدائم بشارع في مواجهة شارع؛ إنه تحشيد لا يعبر عن شيء أكثر مما يعبر عن أن الشرع (الجولاني) ومن حوله ليسوا أكثر من امتداد مشوه لمنظومة الأسد؛ امتداد لنظام الاستبداد الأسدي بالإجرام ذاته؛ امتداد لعقلية الطاغية حيث استشعر الشرع خطر التظاهرات في الساحل، فأراد إظهار نفسه شرعياً؛ أراد إعادة انتاج الانقسام الداخلي، وتثبيت معادلة الجبهة مقابل الجبهة، والطائفة مقابل الطائفة، والوطن مقابل نفسه.

 

 

‏لقد شهدنا محاولة يائسة لاستباق السقوط؛ محاولة يظن من خلالها الشرع بأنه قادر على ترميم شرعية مفقودة لديه أصلاً؛ إنها محاولة يائسة لإثبات الوجود والتأييد، واصطناع الضجيج ليواري به هشاشته السياسية، ويظهر نفسه مسيطراً أمام الدول الخارجية؛ لكن وبكل تأكيد، ليست سوى مسرحية فاشلة تعيد التأكيد مرة أخرى على حقيقة واحدة؛ حقيقة أن عقلية الطغاة والمستبدين ثابتة لا تتغير وأدواتهم متشابهة.

 

اقرأ أيضاً:

 

                بين الجولاني والأسد: سرديات متشابهة حول مكافحة الإرهاب

 

                    المشاريع المتعارضة... تُحوّل سوريا إلى مشاع سياسي (2 )

 

 

‏توهّم الشرع  أن استدعاءه لمؤيديه سيمنحه دفعة من المشروعية داخلاً وخارجاً، ويقدمه كرجل دولة يمتلك قاعدة شعبية؛ غير أن التظاهر الذي راهن عليه انقلب إلى لحظة انكشاف وجلاء للحقيقة. لم تكن الحشود التي لبت دعوته سوى مرآة عكست بنيته الذهنية نفسها: عقلية الإقصاء والتطرف وخطاب الكراهية تجاه باقي المكونات التي لا تزال ترى( الجولاني كإرهابي ومرتزق)؛ فلم يكن "صندوق البويا" الذي رفعه أحد الاشخاص في الشارع مبادرة فردية، بل حقد وكراهية تتشابه مع حقد الشرع نفسه. ما عرّت تلك الشعارات أصحابها فقط، بل عرّت من دعى إليها، وأثبتت أنه مجرّد (طائفي)، وأن شارعه ليس سوى نموذج عن مشروع الاستبداد الطائفي المكرر. الشعارات التي أطلقتها اتباعه ارتدت عليه سلباً، فبدل أن تسوّقه كرجل دولة، أكدت للجميع أن جمهور السلطة يشابهها أكثر مما يدعمها.

 

 

‏المحاولة اليائسة لتلافي السقوط عبر حشد الشارع هي إعلان جديد لاستعداد الطاغية للقتل؛ إعلان حرب على كل صوت معارض؛ تماماً كما كان يفعل الاستبداد الأسدي، حين كان يعتبر رفض الناس تمرداً يجب القضاء عليه؛ فقول كلمة "لا" في قاموس الاستبداد  لم يكن سوى تهديداً لوجوده، وها هم السوريون جميعاً أمام سلطة تعيد إنتاج الطغيان ذاته، وتستعجل سقوطها أكثر فأكثر.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard