قبائل وقرى شرق أوسطية

*تنويه: هذه الصورة مُولَّدة باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض توضيحية
تتسارع التغيرات في منطقة الشرق الأوسط بشكل دراماتيكي، مما يجعل هذه المنطقة على شفير تحول عميق تختلط فيه النهايات ببدايات أخرى لم تتضح ملامحها أو صورتها النهائية بعد. فكيف سيكون حال الدول غير المستقرة، أو تلك التي يستمر فيها مسلسل الرعب، وتبقى ساحتها مفتوحة أمام النفوذ الدولي؟
هذا ليس تحليلاً قد يصيب أو يخطئ، بل هو هدف معلن لا يخفيه الأمريكيون والإسرائيليون. وبالتالي، فإن السوريين القابضين على الحكم يعرفون ذلك جيداً، ووجودهم يُعدّ ضمانةً للتنفيذ.
إذاً، لماذا تُجيشون وتُخوفون وتُخونون الآخرين الذين يرفعون الصوت للنأي بأنفسهم عن هذا، وحماية للذات؟ إذا كنتم، كما يقول المثل، "دافنينوا سوى " ؟
ألم يُستدل من التوجهات والسياسات الأمريكية - الإسرائيلية على وجود توجه نحو إعادة تموضع بعد الحدود، في ظل الفعل الميداني المتصاعد على الأرض، والحديث عن مخططات التقسيم والانفصال، وتزايد التحذيرات العلنية منها؟
الأمريكيون لا يرونكم أكثر من زعماء قبائل. فهم يعيدون رسم الجغرافيا كما يراها ترمب وحلفاؤه، ويُعاد تشكيل المنطقة وفق التوازنات التي تتيح استمرار الخوف والرعب، مع تمكين إسرائيل من ابتلاع حصة جديدة من الغنائم في سوريا.
وإذا وسّعنا مجال الرؤية أكثر، لرأينا أن كل ما يجري في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط، حرباً كان أم سلماً، يؤكد السعي الحثيث نحو "الهدف الأكبر"، وهو تغيير وجه الشرق الأوسط وفق الرؤية الأمريكية - الإسرائيلية التي ترى أن المنطقة ليست سوى قبائل وقرى.
قد لا يروق هذا الكلام لكثيرين، لكنه يعكس واقعاً يصعب تجاهله. فنحن نمرّ على التصريحات الأمريكية - الإسرائيلية مرور الكرام، من دون أن نتعظ أو نتوقف عند ما تنطوي عليه من دلالات. لقد قالها برنارد لويس مبكراً، ورددتها كوندوليزا رايس عام 2006. فهل يصبح ما نعيشه اليوم موضع حنين أمام ما يُرسم للمنطقة من تحولات قادمة؟
ويمكن تتبع مسار طويل من مشاريع إعادة تشكيل المنطقة، يبدأ باحتلال العراق عام 2003، ويمر بمشروع «الشرق الأوسط الكبير» في عهد جورج بوش الابن، ثم الاتفاقيات الإبراهيمية عام 2020، وصولاً إلى الحرب على إيران، بوصفها حلقة جديدة في سياق لم تكتمل فصوله بعد.
اقرأ أيضاً:
في هذا السياق، رأينا التشظي الذي أصاب دولاً مثل العراق وسورية، وإذا وسّعنا نطاق النظر قليلاً وجدنا السودان وليبيا واليمن، والحبل على الجرار. ولا يُخفي الإسرائيليون أن هدفهم الأكبر من الحرب على إيران هو تغيير وجه الشرق الأوسط بما يتوافق مع مشروع "إسرائيل الكبرى".
وقد ذهب الأمريكيون إلى أبعد من ذلك على لسان السفير الأمريكي لدى تركيا، والمبعوث الخاص إلى سورية ولبنان، توماس برّاك، في سبتمبر/أيلول الماضي، حين قال: "لا يوجد شيء اسمه الشرق الأوسط، بل هناك قبائل وقرى، أما الدول القومية فقد أنشأها البريطانيون والفرنسيون عام 1916".
والحال أنهم ـ أي الأمريكيون والإسرائيليون ـ يسعون إلى تفتيت المفتت وتجزئة المقسم، وإحالة المنطقة إلى كيانات هشة متناحرة تحمل في داخلها بذور الانفجار والخوف، فيما تعمل إسرائيل على هضم الوجبة الدسمة التي أُعدّت مكوناتها بعناية وطُبخت على نار هادئة.
ويبدو الحاضر، في هذا المشهد، مرحلةً انتقالية مضطربة تتآكل فيها المفاهيم القديمة من دون أن تتبلور بدائل مستقرة؛ فالدولة الوطنية، التي كانت يوماً حجر الزاوية في النظام الإقليمي، تواجه تحديات غير مسبوقة من الداخل والخارج
لذا، فإن أي إعادة رسم للخرائط اليوم لن تقتصر على تعديل الحدود السياسية، بل ستشمل ترسيخ «مناطق نفوذ وظيفية» تضمن للقوى الكبرى السيطرة على ممرات التجارة ومنابع الطاقة، من دون الحاجة إلى احتلال عسكري مباشر.
وإلى جانب تل أبيب وواشنطن، لا يمكن تجاهل الدور التركي في أي ترتيبات تخص سورية؛ إذ لا بد من أخذ حسابات أنقرة ومصالحها في الحسبان، حتى لو استدعى ذلك إدخال تعديلات على بنية المشهد السوري وتركيبته بما يخفف من حالة الاحتقان المتصاعدة تجاه السلطة.
باختصار، فإن الصراعات الحالية، في جوهرها، ليست سوى تعبير عن تراكمات طويلة من الاستقطابات التي وصلت إلى نقطة بات معها الاستمرار في إدارتها بالوسائل الدبلوماسية التقليدية أمراً بالغ الصعوبة. ولذلك، فإن ما سيعقب هذه الحروب لن يكون عودة إلى ما كان، بل دخولاً في مرحلة جديدة تتسم بإعادة توزيع القوة على نحو قد يكون أكثر تعقيداً وأقل استقراراً.
والحرب على إيران ليست سوى محطة ضمن سلسلة من المحطات تشمل العراق ولبنان وسورية وغزة واليمن، وتمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها. ألم يقل نفتالي بينيت في 17 شباط/فبراير الماضي إن "تركيا هي إيران الجديدة"؟ كما حذّر بنيامين نتنياهو من "تعاظم قوة الجيش المصري".
وهكذا يقف الشرق الأوسط، مرة أخرى، على حافة تحول عميق، حيث تختلط نهايات مرحلة ببدايات أخرى لم تتضح ملامحها بعد. وبينما تتسارع الأحداث، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل ستقود هذه التحولات إلى إعادة بناء نظام أكثر توازناً يتجاوز عثرات الماضي، أم أنها ستفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراعات تعيد إنتاج الفوضى بأشكال أكثر تعقيداً؟
وفي الإجابة عن هذا السؤال يكمن مفتاح فهم المستقبل، ليس لهذه المنطقة فحسب، بل للنظام الدولي بأسره.
ليس بالإمكان الجزم الآن بالنهايات، فكل الأوراق متطايرة على الطاولة. لكن ثمة حقيقة واضحة لا يستطيع أحد إنكارها؛ وهي أن واشنطن وتل أبيب تسيران وفق خطة موضوعة سلفاً. ولم يكن في إطار هذه الخطة وجع الدروز بقدر ما كان تمكين السلطة القائمة وتسوية الطريق أمامها للحلول والاتفاقيات الأمنية المقبلة.
وأمام هذا الواقع، ليس بيد السويداء إلا أن تنظر وتنتظر، بعيداً عن المناكفات والمزايدات. فما سيحمله القادم سيتحدد استناداً إلى توازنات إقليمية.
فالتاريخ لا يرحم من يتأخر عن فهم تحولات القوة، ولا يمنح الفرص مرتين لمن يفشل في استثمارها. بمعنى أن ما سيحدد ملامح المستقبل ليس فقط نتائج الحروب المباشرة، بل أيضاً كيفية إدارتها سياسياً واستراتيجياً، والقدرة على تحويل تداعياتها من تهديدات وجودية ـ أو من أحداث عابرة مثل "غزوة تموز" ـ إلى فرص لبناء كيانات أكثر صلابة.
ومع هذه المخططات الجديدة التي تجري على ضفاف الجغرافيا المضطربة، يجب أن يكون انتهاء زمن الذوبان معلناً بالنسبة لنا، كما يجب أن يُعلَن انتهاء زمن الخدمة المجانية في معابد الآخرين وقضاياهم.
الحماية الوحيدة تكمن في تحصين الذات، والعودة إلى الجذر، إلى الاسم الأول. لسنا حطباً ولن نكون، وكل ما يسعى إلى اختصارنا أو اختزالنا نرفضه ونلغيه. ولسنا هامشاً في كتب الآخرين.
وليكن معلوماً للجميع أن الكراهية والحقد لا يُصنعان في الكتب وحدها، بل ينموان كالفطر في العتمة، وتغذيهما السياسة وترعاهما المصالح.