info@suwar-magazine.org

لعنة الشرق الأوسط حروب من أجل البترول والغاز

لعنة الشرق الأوسط حروب من أجل البترول والغاز
Whatsapp
Facebook Share

 

الشرق الأوسط تعريفاً، ليس جغرافيا بحدود ثابتة، تتقاسمها دول متعددة، وأنظمة مختلفة الجوهر. الشرق الأوسط هو خزان الوقود العالمي، أكبر مورد للطاقة، منطقة غنية بالثروات والتناقضات، خزان بشري يده أقرب إلى الزناد منه للحوار، يشعر بهويته المهددة، وبكيانه القابل للانفجار، فنرى التحصينات العسكرية والإنفاق على السلاح أعلى من أي إنفاق على التنمية والبحث العلمي، إنفاق على العسكرة وضمان الأمن الهش يفوق الإنفاق على فتح دور الثقافة والجامعات.

 

 

حالتان جعلتا الشرق الأوسط مهماً، وتبدي فيه الدول اهتماماً خاصاً، الأولى غناه بالثروات غير المتجددة، إذ تمتلك دول الشرق الأوسط 50 بالمئة من احتياطي العالم من النفط المؤكد بما يعادل 800 مليار برميل، و40 بالمئة من احتياطي الغاز الطبيعي، وتتركز الثروة النفطية والغازية لدى دول الخليج وإيران، إضافة إلى ثروات هائلة من الذهب والفوسفات ومعادن ثمينة أخرى. إذاً هي منطقة شهية للنفوذ، مغرية للسيطرة، تستحق أن تتجه إليها الجيوش، أن تمخر عباب بحرها السفن، وأن تدنس أجوائها الطائرات الحربية.

 

 

وتختزل الحالة الثانية للاهتمام بالشرق الأوسط، بغياب الديمقراطيات والحريات، وباختفاء ملامح الدولة الوطنية في معظم دوله الغنية.

يعيش الشرق الأوسط حالة فوضى مستمرة، في تناقض صارخ لمنطقة أنتجت حضاراته القديمة المتعاقبة القانون وأنظمته، ابتكرت الأبجدية الأولى، اكتشفت الزراعة، أسست التجارة البحرية، بنت المدن، انشغلت بالهندسة والرياضيات، اهتمت بالفلك، بحثت عن الخلود. منطقة تعيش على وقع المارشات العسكرية وطبول الحرب، فيما حضارتها وضعت أول نوتة موسيقية.

 

 

 بينما أحد سمات الشرق الأوسط حالياً، هو أنه يفرز مليارديرات جدداً سنوياً، وفي تقرير للبنك السويسري UBS نهاية العام المنصرم وصل عدد الملياراديرات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا إلى 91 شخصاً، مقارنة ب 72 العام 2024، أي بزيادة 19 مليارديراً جديداً، 13 منهم سعوديين. لكن ثمة خيبة كبرى، حول مساهمة دول تلك المنطقة، بالبحث العلمي والاكتشافات الجديدة.

 

 

سمة الشرق الأوسط هي الحروب، تتميز الحروب في الشرق الأوسط بأنها حروب مفاجئة، لكنها طويلة. في منطقة تعيش على وقع المعارك الطاحنة، وتغفو على مصادر الطاقة، يصبح التناقض سيداً للتحالفات، دول بثروات باطنية فريدة، وبحكومات غير ديمقراطية، إذاً هي الوصفة الجاهزة للتدخل الخارجي، والبيئة المناسبة للقواعد العسكرية الأجنبية مدفوعة الثمن والأجر. منطقة حروب دائمة، فيها أطول حرب تقليدية أي الحرب العراقية الإيرانية 1980 ـ 1988، أطول فترة صراع مسلح مستمر والمتمثل بالصراع العربي ـ الاسرائيلي. حروب الشرق الأوسط متعددة، منها التقليدي، ومنها النزاعات ومنها الحروب الأهلية، حالة عداء متحفزة في تلك البقعة الملعونة. ويحصي ويكيبيديا 93 حرباً ونزاعاً مسلحاً وتمرداً في الشرق الأوسط خلال الفترة 1902 إلى 2017، منها الربيع العربي في تونس وليبيا ومصر وسوريا ككتلة واحدة، وأبرزها حربا الخليج الأولى والثانية، والحروب مع إسرائيل، والثورة العربية الكبرى التي أطاحت بالدولة العثمانية.

 

اقرأ أيضاً:

     

                 سوريا اغتيال فكرة البطل وإلغاء النموذج الأخلاقي

       

 

هو الشرق الأوسط المقتول بأيدي أبنائه، وبخيارات قوى لاتمت إليه بصلة. إذ لبرميل النفط، وللمتر المكعب من الغاز، قوة مهولة ليكون هذا الشرق تحت الضوء دائماً. تسعير البترول أقوى من أي رغبة دولية في اتخاذ قرار ما، أو اتباع سياسة محددة، أو صوغ موقف ثابت فالبترول لايزال قادراً على رسم الخرائط، وتقليص الجغرافيا، وفتح الحدود، وإغلاق الممرات. ومازال البترول سيد العالم، باسمه وقيمته تحدد الخيارات المقبلة، ومن خلاله تؤمن موارد التنمية. هو القاعدة الخفية المعتمدة، لرسم السياسات الاقتصادية، انخفاض أسعاره وارتفاعها هو بيضة القبان في الخطط السياسية والتنموية، وفي بناء التحالفات. قاعدة الدولار، كسعر معتمد ومعياري لكل شيء، هي قاعدة لاحقة للبترول والغاز.

 

الدولار لايحدد قيمة برميل النفط، الدولار عملة للقياس، أحد أوجه الغطرسة الأمريكية، ونوع من الاستحواذ المالي والنقدي. البترول هو الذي يجعل الدولار، كعملة عالمية، حاضراً في أذهان الجميع. البترول والشرق الأوسط صنوان، يرتبطان بعلاقة وثيقة، الشرق الأوسط بلا بترول سيكون بالنسبة للعالم منطقة نائية، منطقة موحشة، صحارى شاسعة، جبال بلا نهاية، لايهم أنه موئل الحضارات القديمة، ومهد الرسالات السماوية، سيكون منطقة غير مرغوب فيها، منطقة تعوم على الدم بدلاً من النفط، سيصبح هذا الشرق عبئاً على البشرية.

 

 

لم يهدأ بركان الشرق الأوسط، والذي لم يعش يوماً دونما قلق، ولم يمر شهر دون طبول حرب، ولم تنقضي سنة دون معركة. هذا الشرق سيبقى مشتعلاً، إلى اللحظة التي يجف فيها أخر بئر للبترول، لحظتئذ يمكن أن تطبق دول الشرق الأوسط قاعدة: صفر مشكلات، وتستبدلها بالقواعد الأمريكية المزروعة فيه لحراسة آبار النفط والغاز، والبالغ عددها ثمان قواعد عسكرية ونحو 11 موقعاً، ستصبح قواعد مثل: العديد في قطر، عين الأسد في العراق، موفق السلطي بالأردن، الجفير البحرية في البحرين، عريفجان وعلي سالم في الكويت، الظفر في الإمارات العربية المتحدة، والأمير سلطان بالسعودية، ستصبح آثاراً دارسة.

 

شرق أوسط طافح بالعقائد، لديه فائض آيديولوجي مكبوت بقسوة، يغفو على ثقافات متعددة، يستقوي بكل ما يخطر على البال، فكر وثقافة وآيدولوجيا وأدب وشعر وخناجر وأحصنة وأرواح ودم، نعم في الشرق الأوسط فائض أرواح ودم. حروب الثروات في الشرق الأوسط واضحة، حروب مراكز النفوذ بينة، لكن ماذا عن حروب من أجل القتل؟ حروب لإرواء الأرض بالدم. كلما بخلت السماء بالمطر، انفجرت ثورة، وسالت دماء، حتى التراب في الشرق الأوسط على استعداد دائم للحرب.

 

 

من الصعوبة البالغة، أن يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة طبيعية، بعيشها، ودولها، دون حدود توسعية، وبلامظلوميات تاريخية قاهرة، وهذا مشروط بأن تتحول بلاد هذه المنطقة إلى الديمقراطية، وتصبح بلاد قانون، فيها انتخابات، وحريات، ومسؤوليات للدول غير الدفاع ودرء الخطر وحماية أنظمة الحكم. وهذا ما يمكن وصفه بالأمنية، إذ لا أحد من دول العالم، يسمح لشعوب المنطقة أن تختار ما يناسبها، وأن تترك الشعوب تتسلم إدارة بلادها بصندوق اقتراع حقيقي، وتنظمها أحزاب حقيقية. أو من الممكن انتظار أن ينفد البترول، وأن ينتهي الغاز، على الرغم من طول المدة الزمنية لذلك، أو حتى ظهور بدائل طاقة جديدة. ويبدو الاحتمال الثاني هو الأقرب للتصور، وسيكون بمتناول اليد، عقب بضعة عقود، نشاهد فيها ربما مغادرة أخر إسطول أمريكي من الشرق الأوسط، وتصبح القواعد العسكرية الأمريكية فيه قواعد مهجورة، ويستعيد الشرق الأوسط دوره المُغيَّب، كمنتج للحضارة، بدلاً من اعتباره مجرد منتج مؤقت للبترول.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard