سوريا اغتيال فكرة البطل وإلغاء النموذج الأخلاقي

تسير سلطة أحمد الشرع (الجولاني) على خطى الأنظمة الاستبدادية السابقة في إلغاء صورة البطل من ذاكرة الناس ومحوها من التاريخ، وإرساء صور أخرى مغايرة تتسق مع سردية السلطة الجديدة، التي تحاول وسمها ببراغماتية منطلقة من واقع راهن هشّ، وتعبّر عن جماهير تُقاد كقطيع بحكم العصبة الدينية المذهبية، وتستغل الفضاء العام الذي يعاني من فراغ كبير، وتملؤه ببطل وهمي.
يسعى الشرع (الجولاني) إلى تهشيم صورة البطل التقليدية في نفوس الناس؛ إذ ألغى عيد الشهداء لما له من قيمة معرفية وتاريخية وحقوقية في آنٍ واحد لدى السوريين. وهو يريد حالياً كسر صورة البطل الذي حارب تنظيم داعش، ودفن هذه المأثرة الكبرى التي حوّلت الصراع، ولا سيما في الجزيرة السورية، من ثورة ضد نظام الأسد إلى نضال ضد التطرّف الإسلاموي المهيمن، وبالذات تنظيم داعش ومشتقاته.
كوباني هي أول مدينة حررها ابناؤها من داعش، التاريخ لايمكن نكرانه، وإن كان بالإمكان نسيانه. الجولاني يصر على الانتقام من الكورد الذين هزموا التنظيم الذي انتمى إليه، يريد الثأر لخسارة أول معركة سجلت في تاريخ التنظيم الإرهابي، يصر على صوغ نصر جديد يكون قادراً على نسف نصر كوباني على داعش، وهذا يتطلب دماراً أكثر، ودماء غزيرة، أو استسلام مهين، أليس هو الذي يوسمه أنصاره "بالفاتح"؟ دفع الجولاني بدعم أمريكي إلى اختزال المواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية إلى تخوم كوباني، وهي تتبع لحلب، فيما تتمركز قسد حاليا في الحسكة.
صحيح أن هذا الشريط الحدودي من عفرين غرباً إلى عين ديوار شرقاً هو كردي السكان، وتحتل تركيا أجزاء كبيرة وواسعة منه، لكن وضع كوباني مختلف، هي النموذج الذي رسم الكورد فيه نصرهم على داعش، وهناك خسر الإرهاب معركة تمدد الدولة الإسلامية المتطرفة. الأن حانت لديه فرصة الانتقام من كوباني.
اقرأ أيضاً:
ذهنية الجولاني تقوم على سلطة الفرد، وعلى سمات هذا الفرد التي تفوق الإنسان العادي، وبذلك هو يطبق وصايا ميكيافلي للأمير. كما نهج حافظ الأسد في تحويل سوريا إلى جمهورية خوف وديكتاتورية قاتلة؛ فالنصر الذي كان يتحدث عنه الأسد في حرب تشرين ١٩٧٣، يكاد يتطابق من حيث الجوهر مع وصول الجولاني إلى القصر الرئاسي. كان يلزم الأسد إعادة ترتيب رواية النصر، وسياقه، بما يخدم بناء ديكتاتوريته، وتسويرها بالأمن والدم.
محا الأسد من أرشيف الحرب، أهم عمل قام به الجنود السوريون، وهو تحرير مرصد جبل الشيخ. لايوجد في الأرشيف السوري المتداول، صور توثق هذا العمل البطولي، ودأب النظام على بث ونشر صورة بلا ملامح مقتصرة على العلم السوري يرفرف فوق المرصد، مع جهد كبير في إخفاء ملامح من وصل إلى القمة ورفع العلم. اكتفى النظام بفيديو أخر يظهر فيه "القائد الملهم" وهو يرفع العلم في القنيطرة. هذا ثقب أسود في ذاكرة النظام، اتضحت معالمه لاحقاً، أمام كل من أراد أن يقرأ أو يدرس تلك الحرب. نصر بلا جنود، نصر بلا أبطال، فقط بطل واحد يحق لنا التعرف عليه، والتصفيق له، والتعبير عن إعجابنا به.
كذلك الجولاني، الذي يعيد استنهاض الطريقة السوفيتية في إدارة الجمهوريات؛ إذ يربط كل البلاد بشخصه، هو الرئيس، أما "الرئيس الانتقالي" فهي مفردة لايجروء سوري على استخدامها رسميا في مناطق سيطرة النظام الحالي، هو رئيس الحكومة "الانتقالية"، هو المتحكم بالاقتصاد من خلال ربط مجموعة من المؤسسات والهيئات المفترض أن تكون سلطة تنفيذية، يربطها به مباشرة، أي رئاسة الجمهورية، هو الذي يملك حق تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، والبقية يعينوا بانتخابات صورية على طريقته. هذه ليست مجرد إجراءات استثنائية مؤقتة، بل نهج يؤسس لصناعة بطل وحيد.
بدأ إعلامه بحفر مسارٍ جديد كان السوريون قد نسوه، وهو توجيه الرسائل إلى رئيس الجمهورية أمام كل مشكلة عالقة، حتى لو كانت القضية تتعلّق بحفرة في شارعٍ فرعي. وهذه رغبة غير خافية في جعل الحلول النهائية والجذرية بيده - أي بيد الجولاني - لا صلاحية للمؤسسات في ذلك، يجب أن تكون القضية بيد الرئيس؛ وإلا فكيف سيكون رئيساً يُصفّق له الشعب على ذكائه وحنكته وقدراته غير الطبيعية؟
لم تعد سوريا، في وضعها الراهن، قادرة على إنتاج وطنيةٍ منقطعة النظير كما في خمسينيات القرن المنصرم، حين تولّى حقيبة الأوقاف الإسلامية مسيحيٌّ كفارس الخوري، أو حين هزم شيوعيٌّ كخالد بكداش مرشّحَ الإخوان المسلمين مصطفى السباعي، عضو رابطة علماء الشام والمراقب العام للإخوان المسلمين، في انتخابات البرلمان عام 1954.
تتأثر سوريا اليوم، كغيرها، بعالم التفاهة، وتعيش في عصر التفاهة؛ إذ لم يعد مطلوباً وجود شخصيات ملهمة، ذات أثر، وقادرة على التأثير. هذا زمن "التكتوكرية" ومشتقات وسائل التواصل الاجتماعي، زمن التكويع والتنكر للمبادئ والانحطاط الأخلاقي، وتفصيل المواقف على مقاس المسؤولين الجدد.
قبل أن تدخل قوات الجولاني إلى السويداء في تموز الماضي، كان أول ما قامت به هو إنزال صورة كبيرة لسلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى، المرفوعة على قوس عند مدخل المحافظة الشمالي، وداس مقاتلوه على الصورة. الحدث هنا ليس تصرفاً فردياً، بل يعكس ذهنية ممنهجة توحي بوجود أوامر عليا تستهدف الرموز.
إطلاق النار على تمثال عدنان المالكي وسرقة سيف صلاح الدين من أمام قلعة دمشق ليسا استثناءً، بل دليل فاضح على غياب المنظومة الأخلاقية. إذ لا مكان للنماذج الملهمة والبطولية في دولة "الجولاني" التي يبنيها الجولاني وأشقاؤه منفردين. هؤلاء يرفضون وجود قادة جدد يشاركونهم بناء سوريا، فأغلقوا الباب أمام الشخصيات الوازنة وذات التأثير، وأحاطوا سلطتهم بسور مرتفع من المؤيدين وكتلة صلبة وضيقة من هيئة تحرير الشام. وهذا ما أفرز لاعبين جدد لا يمتلكون مهارة سياسية أو إرثاً ثقافياً وفكرياً، ولا حضوراً معقولاً في الفضاء العام.
تحتاج الجمهورية الجديدة إلى منظرين لها، ويتولى هذه المهمة التاريخية مجموعة من متطرفي هيئة تحرير الشام ومؤيديها، والهيئة السياسية التي تمارس قوننة كل شيء في البلاد بفلتر "الجولانية" بصفتها دولة عتيدة، ترى في الجولاني بطلاً سورياً وحيداً.