info@suwar-magazine.org

لا تتحدثوا باسم إرادة الشعب.. فقد صادرتموها

لا تتحدثوا باسم إرادة الشعب.. فقد صادرتموها
Whatsapp
Facebook Share

 

مرةً أخرى، يُراد للسوريين أن يصدقوا الكذبة ذاتها، مجلسٌ لم ينتخبه الشعب، يُقدَّم على أنه "مجلس الشعب"، وتعيينٌ من فوق يُسوَّق على أنه انتصار لإرادة الشعب. إنها ليست مفارقة سياسية فحسب، بل استخفاف بعقول السوريين وإهانة لحقهم الطبيعي في اختيار من يمثلهم.



أي ديمقراطية هذه التي تبدأ بإقصاء الشعب من صندوق الاقتراع، ثم تنتهي بخطابات تتحدث باسمه؟ وأي شرعية يمكن أن يدّعيها مجلس لم يمنحه السوريون صوتاً واحداً؟ إن إرادة الشعب لا تُعيَّن بمرسوم، ولا تُصنع في الغرف المغلقة، ولا تُفرض عبر البيانات الرسمية. إرادة الشعب لا تكون إلا حيث يكون الشعب حراً في الاختيار.



المشكلة ليست في تعيين مجلس فقط، بل في محاولة إقناع السوريين بأن التعيين هو الديمقراطية بعينها. وكأن المطلوب من الناس أن يتخلوا عن عقولهم، وأن يصفقوا لمشهد يعرف الجميع أنه لا يمت بصلة إلى أبسط قواعد التمثيل السياسي. إنها ديمقراطية من ورق، ومؤسسات بلا تفويض، ومشهد سياسي لا يختلف عن مسرحية كُتبت نهايتها قبل أن يُرفع الستار.



وفي الوقت الذي يواجه فيه السوريون انهياراً اقتصادياً، وفقراً متزايداً، ومستقبلًا غامضاً، ينشغل بعض السياسيين بتسويق هذه المسرحية وكأنها فتح سياسي عظيم. لكن الحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج، لا يمكن مصادرة إرادة الشعب، ثم الادعاء بالحديث باسمها. ولا يمكن تعيين ممثلي الناس، ثم مطالبة الناس بالتصفيق لهم.

 

اقرأ أيضاً:

 

                         عندما انتصر فول الصويا

                         أي وحدة يحتاجها الكرد اليوم؟

 



والأخطر من التعيين نفسه هو محاولة منح هذا المجلس شرعية سياسية عبر مشاركة قوى وشخصيات مختلفة فيه. وهنا تقع على عاتق الحركة الكردية مسؤولية وطنية وأخلاقية لا يجوز التهرب منها. إن المشاركة في مجلس لم ينبثق عن إرادة الشعب لن تخدم قضية الحرية، ولن تعزز الشراكة الوطنية، بل ستتحول إلى ورقة تُستخدم لإضفاء شرعية زائفة على عملية تفتقر إلى الشرعية من أساسها.



إن المطلوب من الحركة الكردية اليوم ليس البحث عن مقعد في مجلس مُعيَّن، بل اتخاذ موقف تاريخي واضح وصريح، رفض المشاركة في هذه المسرحية السياسية، ورفض منحها الغطاء الذي تسعى إليه. فالقضايا العادلة لا تُخدم بالانخراط في مؤسسات فاقدة للتفويض الشعبي، وإنما بالدفاع عن حق جميع السوريين في نظام سياسي يقوم على الانتخابات الحرة، واحترام إرادة الشعب، والمساواة بين المواطنين.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد السوريون على هذا العبث، وأن يصبح تغييب إرادة الشعب أمراً طبيعياً، وأن تتحول المؤسسات إلى مجرد أسماء لا علاقة لها بوظيفتها. عندها لن يبقى من الديمقراطية سوى اللافتات، ولن يبقى من السياسة سوى مسرح رديء يتبادل فيه الممثلون الأدوار، بينما يُمنع صاحب القضية الحقيقي، الشعب، من دخول المسرح.


لن يصنع المستقبل مجلسٌ مُعيَّن، ولن تُبنى الدولة على شرعية تُفرض من الأعلى. فكل سلطة تتجاوز إرادة الشعب قد تستطيع فرض الأمر الواقع لبعض الوقت، لكنها لن تستطيع فرض الشرعية. لأن الشرعية لا تُكتب في القرارات، ولا تُمنح بالخطابات، بل يكتبها الشعب وحده عندما يُترك له حق الاختيار.



ولهذا، فإن أول خطوة على طريق بناء سوريا الجديدة ليست تعيين مجلس باسم الشعب، بل إعادة الحق إلى أصحابه. فإرادة الشعب ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي مصدر كل شرعية، وأي محاولة للالتفاف عليها لن تكون إلا فصلاً جديداً من فصول الأزمة التي أنهكت السوريين لأكثر من عقد .

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard