من ذاكرة التوحيد إلى سؤال الوجود

لم تكن السويداء، في الوعي السوري التاريخي، هامشاً جغرافياً أو طائفياً على أطراف الدولة، بل واحدة من أكثر النقاط التصاقاً بالفكرة الوطنية السورية منذ ولادتها الحديثة؛ فهناك، فوق صخور البازلت السوداء، لم يُصنع فقط تاريخ لجماعة دينية، بل صيغ جزء أساسي من السردية السورية الجامعة.
حين رفض سلطان الأطرش مشروع "الدولة الدرزية" الذي عَرَضَه الفرنسيون، لم يكن يرفض مكسباً سياسياً، بل كان يختار فكرة سوريا نفسها. كان يمكن للجبل أن ينعزل، وأن يفاوض على خصوصيته، وأن يبني كيانه المنفصل، لكنه اختار العكس: اختار أن يكون جزءاً من مشروع وطني أكبر. ولهذا، فإن ما يحدث اليوم في السويداء ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل انهيار عميق في العلاقة بين الجماعة الوطنية والدولة؛ فالسويداء التي ساهمت في بناء سوريا، تشعر الآن أن سوريا نفسها لم تعد تتسع لها.
لقد تحمّل الدروز - كما كثير من السوريين - سنوات الحرب الطويلة وهم يحاولون التمسك بفكرة الدولة المدنية، والحياد النسبي عن آلة القتل، وعدم الانجرار إلى الحرب الطائفية المفتوحة. لكن ما جرى لاحقاً دفع قطاعات واسعة داخل الجبل إلى إعادة طرح السؤال الأخطر: إذا كانت الدولة لا تحمينا؛ فما الذي يبقينا داخلها؟ هذا السؤال لا يولد من نزعة انفصالية بسيطة؛ بل من لحظة خوف وجودي.
فالناس لا يذهبون نحو خيارات كبرى كهذه لأنهم يحبون الخرائط الجديدة، بل لأنهم يشعرون أن الخرائط القديمة لم تعد تحميهم. وهنا تحديداً، يفقد التاريخ قدرته على الإقناع.
يمكن تذكير السويداء ألف مرة بتاريخها الوطني، لكن التاريخ يصبح عاجزاً حين يشعر الناس أن حاضرهم مهدد. فالذاكرة الوطنية لا تستطيع وحدها إيقاف الرصاص، ولا منع المجازر، ولا حماية البيوت من الحرق، ولا وقف خطاب الإبادة والتحريض. ولهذا، فإن التذكير المستمر بتاريخ الدروز الوطني، من دون الاعتراف بما تعرضوا له من خوف وخذلان، يتحول أحياناً إلى نوع من الضغط الأخلاقي الفارغ. كأن المطلوب من الضحية أن تستمر بالتضحية من أجل وطن لم يعد يشعرها بالأمان.
اقرأ أيضاً:
لقد دخلت السويداء مرحلة لم تعد تسأل فيها فقط عن شكل الدولة، بل عن معنى البقاء نفسه. ومن هنا نفهم لماذا بدأت لغة "تقرير المصير" تظهر بقوة أكبر داخل الجبل؛ ليس لخلل بالانتماء، بل لأن قطاعات منهم بدأت تشعر أن سوريا التي عرفوها تاريخياً تتلاشى أمامهم. وهذا فارق جوهري. فالسويداء لا تطرح نفسها بوصفها مشروعاً قومياً توسعياً، ولا تحمل سردية دينية عابرة للحدود، بل بوصفها جماعة تبحث عن وجود آمن حصين داخل انهيار شامل. لكن الكارثة أن السلطة الجديدة تعاملت مع هذا الخوف وغيره بعقلية الغَلَبَة، التي حكمت سوريا لعقود. فوجدوها، بدلاً من فتح نقاش وطني حقيقي حول المخاوف والهواجس، عملت على شيطنة الجبل، وتخوينه، وتحويل مطالبه إلى "قضية أمنية" أو "مؤامرة".
وهنا أُعيد إنتاج الخطأ السوري الأكبر: كل اعتراض يُفسَّر خيانة، وكل خوف يُقابل بالقوة، وكل اختلاف يُنظر إليه بوصفه تهديداً للوطن؛ لكن الأوطان لا تُحمى بهذه الطريقة. فالوطن الذي يحتاج إلى إخضاع جماعاته بالقوة كي يبقى موحداً، هو وطن فقد وحدته فعلاً، حتى لو بقيت خرائطه كما هي.
لقد تحولت السويداء تدريجياً إلى مرآة تكشف المأزق السوري كله. فما يجري فيها ليس قضية درزية فقط، بل سؤال سوري عام: كيف يمكن لجماعة أن تستمر بالانتماء إلى دولة لا أمان فيها على حياتها؟ وهل يكفي الخطاب الوطني المجرد لإقناع الناس بالبقاء داخل كيان يخافون فيه على وجودهم؟
هذه الأسئلة لا تخص السويداء وحدها. إنها تخص كل سوريا. لأن ما يهدد البلاد اليوم ليس فقط مشاريع الانفصال، بل فقدان الثقة بفكرة العيش المشترك نفسها. وحين يصل مجتمع إلى هذه المرحلة، لا يعود التهديد الحقيقي في تقسيم الجغرافيا، بل في انهيار المعنى الوطني الذي يجعل الناس يقبلون أصلاً بالعيش داخل وطن واحد.
ولهذا، فإن ما حدث ويحدث في السويداء يجب ألا يُقرأ كحدث محلي، بل كإنذار تاريخي؛ إنذار يقول إن سوريا لم تعد تواجه فقط أزمة سلطة، بل أزمة وجود وطني شامل. فإذا كانت الجماعات التي ساهمت في بناء الفكرة السورية أساساً، بدأت تفكر بمنطق النجاة المنفصلة، فهذا يعني أن الخلل لم يعد في الأطراف، بل في قلب الدولة ومعناها. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: كيف يُمنع التفكك؛ بل: هل ما يزال السوريون يمتلكون ما يكفي من الثقة والأخلاق والخيال السياسي - وخاصة، في ظل هكذا سلطة - كي يكون هناك وطن يستحق أن يُدعى وطن؟