info@suwar-magazine.org

هيئة العدالة الانتقالية... الاستقلالية واحتمالات التسييس

هيئة العدالة الانتقالية... الاستقلالية واحتمالات التسييس
Whatsapp
Facebook Share

 

في البلدان التي شهدت حروباً أهلية أو احتلالاً مباشراً تحدث عادة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان نتيجة الصراع العنيف الذي يدور على أراضيها، ويتعرض المدنيون خصوصًا إلى الكثير من الانتهاكات من قبل أطراف النزاع.

 

وفي معظم تلك البلدان تم تشكيل هيئات للعدالة الانتقالية كمدخل ضروري لاستتباب السلم الأهلي بعد انتهاء الحرب والحد من حالات الانتقام الفردي واستيفاء الحق بالذات.

 

في الحالة السورية، وبعد سقوط نظام بشار الأسد استلمت السلطة هيئة تحرير الشام، وهو تنظيم إسلامي سلفي قاد تحالفاً من الفصائل الإسلامية المسلحة إبان سيطرته على مناطق في الشمال السوري (محافظة إدلب وأجزاء من شمال حلب)، ووصل إلى دمشق بدعم ومباركة إقليمية ودولية في 8/12/2024، ونصبت هذه الفصائل قائد هيئة تحرير الشام السيد أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) رئيساً انتقالياً لمدة خمس سنوات.

 

 

أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 17 أيار 2025 المرسوم رقم /20/ لعام 2025 والمتضمن تشكيل هيئة مستقلة باسم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

وهي تعنى ـ حسب المرسوم ـ بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

 

وكلّف المرسوم السيد عبد الباسط عبد اللطيف رئيساً للهيئة، ويُكلّف بتشكيل فريق العمل ووضع النظام الداخلي خلال مدة لا تتجاوز (30) يوماً من تاريخ هذا الإعلان. وحدّد الولاية الزمنية للهيئة من 16/11/1970 إلى 8/12/2024.

 

 

 

الاستقلالية... عوائق وشكوك

هل يمكن لسلطة أمر واقع غير منتخبة تتكئ على إعلان دستوري لم يُعرض على الشعب، ولم ينل موافقة القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، هل يمكن لسلطة كهذه أن تبني مساراً حقيقياً لعدالة انتقالية؟ أو أن تسمح بقيام هيئة عدالة مستقلة عنها؟

 

تجارب العدالة الانتقالية في أكثر من دولة تظهر أن السلطة كان لها القول الفصل في مسألة العدالة، رغم الاستقلالية الظاهرية للهيئة، لأن السلطة تسيطر على أجهزة الأمن وعلى القضاء غالباً (التجربة التونسية والتجربة المغربية كمثالين)، علماً أن السلطات في البلدين تختلفان عن السلطة في سوريا بأنها جاءت عبر انتخابات، وليس عبر تعيين وسلطة أمر واقع من فصائل مسلحة كما هو الحال في سوريا.

 

نبدأ بالجهة التي أصدرت مرسوم تشكيل هيئة العدالة الانتقالية في سوريا، إنه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المعروف بخلفيته الجهادية، حيث كان عضواً في تنظيم القاعدة وحارب معه في العراق ضد الأمريكيين بعد احتلالهم العراق عام 2003، ثم قدِم إلى سوريا وشكل ما عُرف بـ"جبهة النصرة" كفرع لتنظيم القاعدة، ثم انفصل عنها لاحقاً. وسيطر على مناطق من الشمال السوري وغير اسم التنظيم إلى "فتح الشام" ثم "هيئة تحرير الشام" التي ضمت عدة فصائل إسلامية تحت قيادته.

 

 

وفي أكثر من مناسبة ولقاء أكد الشرع أنه يعتز بماضيه الجهادي، أي أن الرجل لم يقم بأي مراجعة نقدية لذلك الماضي مع تنظيم جبهة النصرة، وما مارسه التنظيم من انتهاكات جسيمة جعلته على قوائم الإرهاب الدولي، بل خُصص مبلغ كبير من قبل الإدارة الأمريكية لمن يُدلي بأي معلومات عن الجولاني شخصياً.

 

 

ومهما حاول الإنسان أن يكون محايداً في قراءته لقرارات الرئيس، فلن يكون بإمكانه تجاهل الفكر والممارسة له وللشخصيات التي رافقته خلال مسيرته الجهادية، وهو ما يبدو واضحاً في طريقة إدارتهم لسوريا بعد سقوط نظام الأسد واستلامهم السلطة، وما ارتُكب من مجازر بحق مكونات سورية (العلويين والدروز والكرد)، وما يحدث من محاولات أسلمة المجتمع السوري وفرض واقع قانوني واجتماعي وسياسي أقرب إلى نموذج طالبان في أفغانستان.

 

اقرأ أيضاً:

 

                      حي التضامن الدمشقي... قصة لم تنتهٍ

       الوطن بين الميثاق والخيانة... في الذكرى السنوية الأولى لمجزرة السويداء

 

 

في تركيبة الهيئة

في قراءة سريعة لخلفيات الأعضاء الطائفية والمناطقية والسياسية، نلاحظ أن ثمانية أعضاء، إضافة إلى رئيس الهيئة (أي 9 أعضاء)، هم من المقربين من هيئة تحرير الشام أو من الراعي التركي لها. أما رئيس الهيئة الذي كُلّف بتشكيلها فهو السيد عبد الباسط عبد اللطيف، من محافظة دير الزور، انشق عن النظام عام 2012 حيث كان مديراً لمنطقة القامشلي. بعد انشقاقه ترأس المكتب السياسي لفصيل مسلح اسمه "جيش أسود الشرقية"، متهم بارتكاب انتهاكات كما جميع الميليشيات، عمل مع الحكومة السورية المؤقتة والائتلاف الوطني المواليين لتركيا، والتوجه السياسي إسلامي.

 

 

هذا الأمر يضعف من استقلالية الهيئة، التي لا يخفى على أحد تاريخ الفصائل المشاركة فيها، بمن فيها "هيئة تحرير الشام" المعروفة بالانتهاكات التي يفترض أن تحقق الهيئة فيها أيضاً.

 

 

تبدو الهيئة من خلال الخلفيات السياسية لغالبية الأعضاء فيها وتاريخهم في العمل ضمن أطر "هيئة تحرير الشام" الحاكمة فعلياً، تبدو عاجزة عن اتخاذ نهج مستقل عن السلطة الانتقالية، فهل تستطيع الاحتفاظ ولو بمسافة معقولة بين عملها وبين الانتماء السياسي للأعضاء ومصدر التمويل والتعيين (السلطة الانتقالية)؟!

 

 

يلامس المعتصم الكيلاني (الخبير في القانون الجنائي الدولي والمدافع عن حقوق الإنسان) هذه الإشكالية من زاوية مختلفة، فهو يقر باستحالة غياب الانتماء السياسي للأعضاء في ظروف سورية: "إن هيئات العدالة الانتقالية لا تشترط أن يكون أعضاؤها منزّهين عن أي انتماء سياسي، لأن ذلك يكاد يكون مستحيلًا في المجتمعات الخارجة من النزاعات. لكن ما تشترطه هو ألا تكون تركيبة الهيئة خاضعة لولاء سياسي يجعلها عاجزة عن مساءلة السلطة أو التحقيق في الانتهاكات بمعزل عن الاعتبارات السياسية".

 

 

بينما يدافع المحامي رديف مصطفى (عضو هيئة العدالة الانتقالية) عن استقلالية الهيئة وتمثيلها للطيف السوري الاجتماعي والسياسي، بحكم موقعه واطلاعه على كواليس التشكيل والعمل، ويعتبر مجرد وجود أعضاء من معظم الطيف الاجتماعي هو أمر إيجابي: " إن معيار الكفاءة هو الأول، ثم معيار وجود مكونات الشعب السوري، فلدينا أكراد وسنة وعلويون، توجد نساء محجبات وأخريات غير محجبات، هناك أشخاص علمانيون وهناك أشخاص ذات خلفية إسلامية. ولا يوجد توجه سياسي محدد لأعضاء الهيئة، لكن هناك خطوط سياسية معينة الكل متفق عليها وملتزم بها، واختلاف الآراء فيما يتعلق بالتفاصيل أمر طبيعي، والتسييس بهذا المعنى غير موجود".

 

 

يشكل الكرد جزءاً مهماً من المكونات السورية، وقد تعرضوا خلال عقود الحكم البعثي وقبله ـ وإن كان بدرجة أقل ـ إلى اضطهاد قومي وتمييز وإجراءات جماعية تشكل انتهاكات لحقوق الإنسان، مثل الحزام العربي، وسحب الجنسية من مئات الآلاف من أبناء الشعب الكردي بغية صهرهم ضمن القومية الأكبر أو ترحيلهم.

 

 

يشير المحامي الكردي السوري معاذ يوسف إلى احتمالات تسييس الهيئة، ويربطها بالجو السياسي العام في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وطريقة إدارة السلطة الانتقالية لملف المشاركة السياسية على مستوى الملفات الوطنية إجمالاً، فيقول: " كالسمة الأساسية للمرحلة الانتقالية أنه تم استبعاد القوى والتيارات السياسية المعارضة للنظام، ولم يتم قبول مشاركة أي منها في رسم مستقبل سوريا والمرحلة الانتقالية عامة كخطوة أساسية لبناء سوريا المستقبل. لم يكن للكرد وغيرهم من المكونات عبر قواهم السياسية أي دور في وضع ملامح تطبيق العدالة الانتقالية".

 

يضيف يوسف: " الأهم أن تعمل الأجهزة القضائية بشكل مستقل عن السلطة السياسية، وإعمال مبدأ فصل السلطات الذي يعتبر مهماً جداً، ويمثل ضمانة دستورية وحقوقية لعدم تغول سلطة على حساب أخرى، ومن المبكر الحكم على التجربة السورية، فما زالت العملية في البداية".

 

 

المشاركة والتمثيل

تشكو الهيئة من شح التمويل، كما أفاد أكثر من عضو في الهيئة، ويكاد يقتصر تمويلها على الحكومة المؤقتة، مما يعزز مخاطر التسييس وسيطرة السلطة الانتقالية ـ كممول رئيسي للهيئة ـ على عملها وتوجهاتها.

 

كما كشفت آلية اختيار الأعضاء عن خلل كبير تمثل في تفرد السلطة ـ والرئيس الانتقالي تحديداً ـ باختيار جميع الأعضاء، مع غياب آليات ترشيح علنية، أو مشاركة منظمات الضحايا أو المجتمع المدني والقوى السياسية.

 

في هذا الصدد يشير المعتصم الكيلاني إلى أن اختيار جميع الأعضاء من قبل السلطة التنفيذية وغياب المشاركة من المجتمع المدني يجعل استقلال الهيئة موضع تساؤل مشروع، لأن طريقة تشكيلها لا توفر الضمانات الكافية لإبعادها عن التأثير السياسي.

 

وبخصوص تواجد أعضاء يمثلون مكونات المجتمع السوري في الهيئة يقول معتصم: "تضم الهيئة أشخاصاً من جميع المكونات، لكن إذا كانوا جميعاً قد اختيروا بالطريقة نفسها ومن الدائرة السياسية ذاتها، فإن هذا التنوع قد يكون تنوعاً شكلياً لا يعكس تعددية حقيقية في الرؤى أو في مصادر الشرعية".

 

بينما لا يولي غزوان قرنفل (كاتب وناشط حقوقي) أهمية كبيرة للتمثيل الشكلي للمكونات بقدر أهمية الكفاءة والمهنية في عمل الأعضاء واستقلالهم، و"هذه الشروط متوفرة في كل مكونات المجتمع السوري ومن المهم الحرص على شمولية التمثيل، لكن ضمن المعايير المشار إليها، وليس فقط ضمن معيار تمثيل المكون نفسه كيفما اتفق".

 

 

أما عمار ديوب (الكاتب والناشط السياسي السوري) فيسلط الضوء على جذر المشكلة حسب رأيه، وهو الخلل في مضمون مرسوم تشكيل الهيئة ومفرداته، فيقول: " أولًا مرسوم العدالة الانتقالية لا يشمل كل أطراف النزاع، هذا نقص في المرسوم، هذا أمر غير مقبول، لذلك يجب أن يعاد تشكيل المرسوم من جديد ليشمل كل أطراف النزاع في سوريا. ثانياً وجود عدة شخصيات من غير الإسلاميين أو السلفيين في تكوين الهيئة لا يعني شيئاً"

 

 

ويلتقي عمار مع آراء أغلب من استفتينا آراءهم في غياب المشاركة الشعبية والمنظمات الحقوقية في اختيار الهيئة والتعاون معها في أعمالها، "هي هيئة نخبوية فوقية يراد منها فقط شكلياً إظهار أن السلطة أنشأت هذه الهيئة لغايات خارجية بشكل أساسي"، يقول عمار.

 

 

غاب المكون الدرزي تماماً عن هيئة العدالة الانتقالية، وربما كان ذلك سيمر بشكل عادي أسوة بغياب أقليات عديدة، بحكم عدم إمكانية تمثيل جميع المكونات، لكن الأوضاع السائدة في السويداء منذ سقوط الأسد، وخصوصاً بعد مجازر تموز 2025، تجعل الحضور "الدرزي"  أمراً لافتاً ويجب التوقف عنده.

 

 

الإعلامي والناشط السياسي ثامر قرقوط يعيد التأكيد على غياب الاستقلالية في تشكيل الهيئة وعملها حسب رؤيته: "أن إطار عمل الهيئة من المفترض أن يشمل الجميع، أي كل من اقترف جرماً ضد السوريين، وسلطة الجولاني متهمة، وهناك دلائل على تورطها في الدم السوري قبل أن تستلم السلطة (هتش)، وكذا بعد تسلمها السلطة."

 

 

 

محاكمات أحكام، لكن...

الآن ومع المحاكمات لبعض مسؤولي الصف الثاني والثالث في النظام البائد وصدور أحكام حضورية أو غيابية بحق قيادات في النظام، تبدو جلية محاولة إعطاء ضجة للمحاكمات التي تجري قبل إقرار قانون العدالة الانتقالية من قبل مجلس الشعب الذي عينته السلطة الانتقالية، وذلك لإعطاء صورة للداخل والخارج بأن العدالة الانتقالية تطبق، وأن ما يجري هو العدالة الانتقالية.

 

 

في حين أن الملفات الأساسية التي يجب أن تبدأ بها العدالة لم تمس بعد، من قيام مجلس الشعب المعين بدوره في إقرار قانون العدالة الانتقالية، وحتى الآن لم يبدأ بمناقشة القانون، إلى مسارات كشف الحقيقة، إلى المحاسبة، إلى جبر الضرر وتحقيق السلم الأهلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

 

 

كل مسار من هذه المسارات يعاني جموداً سقيماً، باستثناء التصريحات والمقابلات التي تجرى مع أعضاء هيئة العدالة، الذين هم أكثر من يعرف الحقيقة، وربما كانوا أكثر من يغطون عليها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard